العدد : ١٤٦٧٤ - الأحد ٢٧ مايو ٢٠١٨ م، الموافق ١١ رمضان ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٦٧٤ - الأحد ٢٧ مايو ٢٠١٨ م، الموافق ١١ رمضان ١٤٣٩هـ

في الصميم

لــطفـــــــي نصــــــــــر

مواقف أهل الحكمة والزعامة لا تتجزأ!!

أتذكر أنه في بدايات السنوات الأولى لمسيرة «أخبار الخليج» التي بدأت في الأول من فبراير عام 1976 ميلادية.. برزت ظاهرة مؤسفة من داخل «أخبار الخليج» نفسها.. عندما سمحت لبعض صحفييها بأن يتبارزوا بالسوء فيما بينهم من خلال مقالاتهم على صفحات الجريدة.. وللأسف الشديد برزت هذه الظاهرة من خلال تراشق زملاء بالعبارات المنفلتة والسباب والشتائم والمعايرة و«التسفيه» والإهانات الخارجة.. وكان الجميع يقرأونها ويتابعونها ويعلقون عليها.. لكن لا أحد يتدخل لوقف هذه المهزلة!!

كنت في هذه الأثناء مشغولا بالأخبار والتحقيقات الصحفية.. وكنت أمرُّ على وزارة التربية والتعليم في صبيحة كل يوم محبةً واعتزازًا بوزيرها المرحوم الشيخ عبدالعزيز بن محمد آل خليفة وبمسؤوليها من التربويين الكبار: د. جليل العريض – حسن المحري – سعيد طبارة.. وكنت أجالس كلا منهم بلا مواعيد مسبقة فترة بين 5 و10 دقائق.. أستفيد من ثقافتهم وعلمهم وأظفر بسيل من الأخبار كانت تحتاج إليها الجريدة بشدة في ذلك الوقت.

  المهم أنني فوجئت في أحد هذه اللقاءات بالدكتور جليل العريض (رحمه الله) يقول لي: «ما هذه المهزلة التي تسمحون بها في صحيفتكم.. أنا لأول مرة في حياتي أرى صحفيي جريدة واحدة يهاجمون بعضهم البعض، ويقطعون ثياب بعضهم البعض.. ويتراشقون بالعبارات البذيئة والمهينة.. يا أخي إذا كنتم أنتم تتحملون هذه البذاءات أو تستمتعون بها.. فما ذنب القراء الأبرياء»!

خرجت من عند الدكتور جليل العريض وتوجهت مباشرة إلى مكتب الأستاذ محمود المردي.. وأسمعته ما سمعته من الدكتور جليل.. فقال لي الأستاذ محمود: صدقني أنا لم أقرأ هذا الذي تتحدث عنه.. ثم قال: وماذا إذن يفعل الأستاذ محمد العزب موسى مدير التحرير؟!!

  في اليوم الثاني فوجئت أن هذا التراشق البذيء قد توقف فجأة.. بعد أن كنت أراه يتفاقم ويزداد انزلاقا في كل يوم من خلال ما كان يسمى «يوميات أخبار الخليج» وغيرها من المقالات. المهم أن هذه الفتنة التي كان يُمكن لها أن تَستفحِل وتزداد اشتعالا وتحرق الدنيا كلها على أرض البحرين قد توقفت بعد بدئها بأيام معدودات بفضل حكمة ومواقف العقلاء في ذلك الوقت.

  لكن يبدو أن بعض أصحاب الأقلام في هذه الفترة كانوا يعتبرون أن وظيفة القلم الحقيقية في القدرة على التجريح والإهانات والتطاول، وأن كفاءتهم تكمُن في القدرة على إشعال وصلات الردح النارية مع بعضهم البعض.. وفي القدرة على الانفلات والسقوط وتصويب الكلمات البذيئة والقبيحة يلطخون بها سمعات بعضهم البعض.. ففوجئنا بعد توقيف ما حدث في «أخبار الخليج» في سنواتها الأولى بانحراف اثنين من الكتاب الكبار على الساحة الصحفية.. أو من الذين من المُفترض أن يكونا كذلك.. أحدهما كان يكتب في «أخبار الخليج» والآخر يكتب في مجلة أسبوعية بحرينية.. وأحدهما قد رحل عن الدنيا.. وقد وصلت حملتهما ضد بعضهما البعض إلى مستوى من السوء والانفلات إلى الدرجة التي تشيب لها شعور الولدان.. وتناول العبارات المقززة حول ما كان يحدث في الفرجان!!

وهنا لم يجد الكبار وحكماء البحرين إلا أن يتدخلوا هذه المرة ويسكتوا هذه المهازل التي قُبِرَت إلى غير رجعة بفضل الله.. اللهم إلا لمامًا!!

أردت بهذا أن أُذكِّر بأن المهازل والفتن تستشري وتشتعل بها الحرائق كاشتعال النار في الهشيم، الأمر الذي قد تصل معه إلى اشتعال الدول والبلدان، وإلى الدرجة التي ليس بالمقدور السيطرة عليها قبل أن تأتي على الأخضر واليابس.. وهذه أيضا هي الفتن والانزلاقات المجتمعية والأخلاقية وكل ما هو دوني ومذموم ورديء.

تذكرت كل ذلك وأنا أقرأ البيان الذي صدر عن التقاء سمو رئيس الوزراء الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة بمرتادي مجلسه صبيحة يوم الأحد الماضي (أمس الأول)، وما أخبرني به الزملاء الذين حضروا هذا المجلس العامر الذي -للأسف الشديد- لم أتمكن من حضوره.

لمست صدر سموه الكريم ونفسه يشتعلان غضبًا وأسفًا وأسًى على ما وصل إليه الحال عبر ما يسمى «مواقع التواصل الاجتماعي»، وإحساسه بأن الفتن التي أُريد لها الاشتعال لتحرق البلد بكاملها تتفاقم وتتشعب وتستشري، الأمر الذي لا يجوز السكوت عنه بأي حال من الأحوال.

وسموه الكريم شأنه شأن الزعماء العظام الذين تعودوا ألا يتصدوا للقضايا المحرقة بالأساليب التقليدية التي لا تجدي شيئا.. بل رأيناه يذكِّر الشعب أولا وقبل كل شيء بأمجاده وفضائله وخصاله ومميزاته النادرة بين شعوب الأمم.. ثم يقول ما أراد أن يقول ويذكِّر ويحذِّر بمنطق الحكيم المُحنَّك وصاحب الحكمة العالية والعميقة.. التي شهد له بها زعماء العالم وكبار شخصيات الدنيا الذين عرفوا سموه عن بعد وعن قرب.

  وجدنا سموه يقول: «إن المجتمع البحريني مجتمع مترابط ومتماسك بطبيعته.. وهي أسس نبني عليها بحرين المستقبل مثلما بُنيت عليها بحرين الأمس واليوم».. ثم عندما أراد سموه أن يعبر عما تشتعل به نفسه وجدناه يقول: «إن كل ما يسيء إلى ترابطنا الاجتماعي قولا وعملا مرفوضٌ ومنبوذٌ؛ فوسائل التواصل الاجتماعي قد خلقت فضاءً مفتوحًا ينبغي استغلاله في البناء لا الهدم، والابتعاد عن المساس بالسمعة الطيبة لهذا الشعب أفرادً أو مؤسسات».

وقبل أن يستطرد سموه في مزيد من التعبير عن هذا الذي يحدث عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتشتعل به نفسه يعود من جديد ليُذَكِّر شعب البحرين بأمجاده وعظمة سماته.. فيشيد في حضرة محبيه ومرتادي مجلسه بما يحققه أبناء مملكة البحرين من مُنجزات في المجالات المختلفة لرفع اسم مملكة البحرين عاليًا، منها المحافل الرياضية، التي تُوِّجت مؤخرا بتحقيق منتخب البحرين الوطني لكرة السلة للشباب بطولة مجلس التعاون الخليجي لكرة السلة للشباب، مؤكدا سموه أن هذا الفوز هو مصدر فخر واعتزاز وعلامة على ما وصلت إليه الرياضة البحرينية من مكانة متميزة، وقدرة على تحقيق الصدارة في كل المحافل والمنافسات الرياضية.

ويعود سموه مرة أخرى إلى التعبير عما تعتمل به نفسه فيشدد على ضرورة تحصين المجتمع من مخاطر التواصل الاجتماعي وما يسببه الاستغلال السيئ لهذه الوسائل من حساسيات في المجتمع ما كان يجب أن تكون، ودعا سموه إلى الحذر من استغلال البعض لهذه الوسائل كمداخل للإساءة وبث الفرقة في المجتمع.

وتصل ذروة التعبير عما تجيش به نفس سموه جرَّاء هذه الممارسات المنفلتة الشديدة الخطورة عندما أكد أن أثر هذه الوسائل عند استغلالها بشكل سيئ على المجتمع لا يقلُّ عن الإرهاب.. فكلاهما يقودان إلى تقويض الاستقرار الذي يتمتع به المجتمع البحريني.. وهذا تعبير بلغ قدرًا من البلاغة والدقة في الوصف والتعبير والقياس.. وهذا لا يصدر إلا عن زعيم بلغ قدرًا عاليًا من الحرص والخوف على شعبه من مخاطر الإرهاب وغيره مما أراد أعداء الشعب ترويع المواطنين الآمنين به.. لذا؛ فإن الذين وصفوا سموه بأنه الزعيم الشامل الذي لا تتجزأ مواقفه ولا تتغير أو تتلون لم يخطئوا أبدا!

والآن نحن أمام خيار واحد من ثلاثة خيارات لا رابع لها:

- أن نصمت ونتوقع مع هذا الصمت بالضرورة اشتعال الفتن من خلال المسيئين والاستغلال السيئ لمواقع التواصل الاجتماعي.. ثم تحترق البلد ونحترق معها!

- أن نتحرك ونستصدر مجموعة من التشريعات الحاسمة والحازمة التي تغلظ العقوبات ضد المسيئين لاستغلال مواقع التواصل الاجتماعي.

- أنه ما دام سمو رئيس الوزراء قد اعتبر الإساءة في استغلال مواقع التواصل الاجتماعي إرهابا.. فلنطبق قانون مكافحة الإرهاب على هؤلاء المسيئين بحذافيره باعتبارهم إرهابيين.

 

إقرأ أيضا لـ"لــطفـــــــي نصــــــــــر"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news