العدد : ١٤٨٢٠ - السبت ٢٠ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١١ صفر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٢٠ - السبت ٢٠ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١١ صفر ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

حلف «الناتو»: هل يصبح طرفًا في صراع القوى الإقليمية والدولية في سوريا؟

بقلم: د. أشرف محمد كشك

الثلاثاء ١٣ فبراير ٢٠١٨ - 01:20

على الرغم من حالة الشد والجذب على خلفية قضايا عديدة خلال عام 2017 بين تركيا وحلف «الناتو» وهي التي تتمتع بعضوية الحلف فإن الزيارة التي قام بها روز جوتمويلر نائب الأمين للحلف لتركيا في 23 يناير 2018 والتي تزامنت مع استمرار عملية عفرين التي بدأتها تركيا شمالي سوريا وأطلق عليها «غصن الزيتون» تعكس اهتمام حلف الناتو بالصراع في سوريا وخاصة أنه قبيل تلك الزيارة صدرت تصريحات لمسؤولين من الحلف تعكس تفهمًا للحلف بشأن ما تقوم به تركيا من الدفاع عن نفسها ولكن «بشكل متوازن ومعتدل»، وبغض النظر عن طبيعة العلاقة بين تركيا والحلف والتي تتسم بالتعقيد والتشابك الشديد حول قضايا عديدة منها على سبيل المثال لا الحصر سعي تركيا للحصول على صفقة صواريخ إس 400 المتطورة من روسيا وهو أمر يعارضه الحلف بالنظر إلى صعوبة إدماج تلك الصواريخ في نظام الدفاع الصاروخي للحلف، وبالتالي فإن التساؤل المثار هو هل سيكون حلف الناتو طرفًا في صراع القوى الإقليمية والدولية في سوريا؟

صحيح أن تركيا هي أحد أعضاء حلف الناتو إلا أن الميثاق المنشئ للحلف عام 1949 والذي يضم أربع عشرة مادة أهمها المادة الخامسة والتي تنص على أن «أي عدوان يقع على أي دولة من دول الحلف يعتبر عدوانًا على الدول المتحالفة جميعًا بما يحتمه ذلك من مساعدة تلك الدولة لرد ذلك العدوان بكل الوسائل الممكنة»، قد حدد بوضوح حالة العدوان بما يعنيه ذلك أنه بالرغم من تفهم الحلف للتهديدات الأمنية التي تواجهها تركيا جراء الأزمة السورية، فإنها قد لا تصنف -كعدوان على دولة عضو- بالرغم من إعلان تركيا أن عملياتها في سوريا لحماية أمنها من تهديد حزب العمال الكردستاني، إلا أن ذلك لا يعني أن الحلف بعيد عن تفهم ومواجهة تلك التهديدات وخاصة أنها تقع على جبهته الجنوبية وفي بؤرتها الأزمة السورية، ففي عام 2015 عندما قامت تركيا بإسقاط طائرة حربية روسية انتهكت مجالها الجوي جاء رد فعل الحلف مساندًا لتركيا حيث قال الأمين العام للحلف ينس ستولتنبرج «نؤكد تضامننا مع تركيا وندعم سلامة أراضي تركيا أحد أعضاء الحلف»، ومع أن تدخل الحلف في الأزمات الإقليمية عمومًا يرتبط بشروط أشرت إليها في مقالات سابقة وهي تقييم الحلف لمدى ما تمثله من خطورة على أمن دوله من عدمه والذي يتم بالتشاور بين أعضائه ووجود قرار أممي لإضفاء الشرعية على عمل الحلف، فإن ذلك لا يعني أن المسألة السورية لا تمثل تحديًا للحلف ليس من منظور الصراع المسلح في سوريا بل موقع تلك الأزمة ضمن السياق الإقليمي ككل ومدى تأثير ذلك ليس فقط على تركيا أحد أعضاء الحلف بل على الحلف ذاته ضمن صراعه الراهن مع روسيا ومن ذلك قيام الناتو بتعزيز القدرات الدفاعية لدول أوروبا الشرقية ردًّا على التدخل الروسي في الأزمة السورية عام 2014 والتي اعتبرها الحلف تحديًا هائلا لأمنه بما يعنيه ذلك من توحيد قوسي الأزمات أمام الحلف وهما الجبهة الشرقية «أوكرانيا» والجبهة الجنوبية «سوريا»، وهو ما يفسر إطلاق الحلف لمناورات عسكرية هائلة في البحر المتوسط عام 2015 كرسالة لروسيا بأن الحلف لن يتساهل في أمنه، بالإضافة إلى قرار حلف الناتو المشاركة في التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة للحرب على الإرهاب من خلال طائرات الإنذار المبكر «إيواكس»، ورغم محدودية دور حلف الناتو تجاه الأزمة السورية فإن ذلك الدور ربما يأخذ حيزًا أكبر في المستقبل لثلاثة أسباب، الأول: النتائج التي رتبتها الأزمة السورية وتأثيرها على المصالح الاستراتيجية للحلف ليس أقلها التقارب الروسي-الإيراني الملحوظ والآخذ في التنامي والذي لا يعزز دور روسيا في مواجهة الحلف فحسب بل أيضًا التحدي الإيراني للحلف في ظل سعي إيران لتعزيز وضعها الإقليمي في مناطق يرى الحلف أنها تضم مصالح جوهرية لأعضائه ومنها الممرات البحرية الحيوية، فضلاً عن سعي إيران لتطوير برامج صاروخية بعيدة المدى لن تكون أراضي دول الحلف بمنأى عنها، والثاني: أنه بالنظر إلى ما يتردد عن انحسار الدور الأمريكي تجاه الأزمات الإقليمية فإن الدول الأخرى في الحلف بما فيها الولايات المتحدة ربما ترى أن الحلف سوف يتعين عليه ملء «الفراغ» الأمريكي لضمان توازن القوى الإقليمي الذي يعد أمرًا ضروريا للحفاظ على الأمن الإقليمي آخذًا في الاعتبار أن مصالح الحلف والولايات المتحدة في سوريا تبدو متطابقة، والثالث: خبرة الحلف تجاه بناء قطاع الأمن في العديد من الدول في مرحلة ما بعد الصراعات، فللحلف تجارب مهمة في دول أوروبا الشرقية وأفغانستان، بالإضافة إلى ما يقوم به الحلف حاليًا من تدريب لقوات الأمن العراقية وربما تكون أجهزة الأمن السورية مجالاً لعمل الحلف في مرحلة لاحقة حال حدوث تغير جوهري في الأزمة السورية على نحو ما بما يتيح للحلف تقديم خبراته لقوات الأمن السورية وفق وجود طلب مقدم للحلف بهذا الشأن. 

ومع أن الصراع الأطلسي-الروسي ليس بالأمر الجديد فإن مسار ذلك الصراع سوف يظل مرتهنًا بالتطورات على الجبهة الشرقية للحلف والتي يعمل الحلف على تعزيزها من خلال نشر الدرع الصاروخي في دول الاتحاد السوفيتي السابق والتي تراها روسيا تحديا هائلا لأمنها القومي عبر عنه بوضوح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالقول «روسيا تنوي الرد بشكل مناسب على أعمال الناتو بهدف الحفاظ على التوازن الاستراتيجي في العالم وذلك بأقل التكاليف»، وذلك في إشارة إلى قيام حلف الناتو بنشر الدرع الصاروخي في دول أوروبا الشرقية الأمر الذي حدا بروسيا إلى الإعلان بأنها سوف تقوم بنشر منظومة صواريخ إس 400 في شبه جزيرة القرم على الحدود مع أوكرانيا، وبرأيي أن التصعيد الروسي في سوريا لا يزال حتى الآن في إطاره المنضبط إلا أن زيادة حدة ذلك التصعيد سوف يضع حلف الناتو أمام خيارات صعبة سيكون الأمر الحاسم فيها لموازين القوى بين الحلف وروسيا وخاصة إذا ما قررت تركيا التصعيد في عملياتها في سوريا بما يعني دخول منظومة الأمن الإقليمي برمتها مرحلة صراع محتدم. 

 

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية بمركز

البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news