العدد : ١٤٦٦٩ - الثلاثاء ٢٢ مايو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٦ رمضان ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٦٦٩ - الثلاثاء ٢٢ مايو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٦ رمضان ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

السياسة الأمريكية في ظل الاستقطاب الحزبي

بقلم: د. جيمس زغبي

الثلاثاء ١٣ فبراير ٢٠١٨ - 01:20

أصبحت السياسة الداخلية في الولايات المتحدة الأمريكية حبيسة الاعتبارات والحسابات الحزبية إلى حد أن الكونجرس لا يستطيع أن يمرر قانونا طويل المدى للإنفاق أو يحسم مسائل مهمة مثل إصلاح قانون الهجرة أو برنامج الرعاية الصحية أو توفير الاعتمادات المالية اللازمة لترميم بنيتنا التحتية المهترئة. 

في ظل حالة الانقسام والاستقطاب المريرة والتي أسهم الرئيس ترامب  في تأجيجها بتغريداته فإن الخطاب السياسي من ناحية ووسائل الإعلام من ناحية ثانية أصبحت بدورها تساهم في تأجيج الجدل بشأن بعض الأخبار التي ترتقي إلى الفضيحة. يبدو أن السياسة في واشنطن قد انطوت على نفسها وهو مؤشر خطير ينم عن وجود خلل محير. 

أصبح الاهتمام يتركز على خوض المعارك من أجل المعارك وتسجيل النقاط ضد الخصوم السياسيين، من دون أي اهتمام بحاضر ومستقبل الدور الأمريكي في بقية مناطق العالم. فالكونجرس الأمريكي لا يبدي أي اهتمام بالمسائل الدولية إلا عندما يتعلق الأمر بقضية تستثمر في الساحة السياسية الداخلية من أجل تهدئة الأنصار أو ضرب بقية الخصوم السياسيين. 

نتيجة حالة الاستقطاب الحزبي فإن الكونجرس الأمريكي سيشهد نقاشات حول معاقبة الأطراف التي تؤيد مقاطعة إسرائيل، إضافة إلى مسألة فرض عقوبات على إيران وروسيا، والتدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية وتشييد جدار فاصل بين الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك المجاورة.

وبالمقابل فإن هناك تجاهلا لطبيعة الدور الأمريكي في الصراعات الحساسة في مناطق عدة من العالم، تمتد من اليمن إلى الصومال وسوريا والعراق، وصولا إلى سوريا والعراق وأفغانستان. 

لقد تجلى هذا الوضع القائم على الاستقطاب الحزبي قبل أسابيع قليلة، خلال العشاء السنوي العشرين الذي أقامه المعهد العربي الأمريكي. تعتبر هذه المناسبة من أفضل الفعاليات المفضلة عندي، لأن الأمر يتعلق بلقاء صغير يضم في الوقت نفسه أعضاء الكونجرس من العرب الأمريكيين والسفراء العرب المعتمدين لدى الولايات المتحدة الأمريكية وأعضاء مجلس إدارتنا، علما أن أغلبهم يتمتعون بتجربة سياسية كبيرة.

كان حفل العشاء خاصا ووديا كما أنه كان بعيدا عن وسائل الإعلام حتى تكون الفرصة متاحة للحاضرين كي يتكلموا بكل أريحية ويعبروا عن آرائهم بكل صراحة بشأن القضايا الحساسة التي تواجه العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية والعرب. 

جاءت النقاشات هذه السنة مختلفة كل الاختلاف وهو ما عكس المشاكل الكبيرة الراهنة التي أصبحت تعاني منها الساحة السياسية الداخلية في الولايات المتحدة الأمريكية وتأثير هذه الوضع الراهن على قدرة هذه البلاد على القيام بدور حقيقي وفاعل في العالم الخارجي.

رغم حضور بعض السفراء العرب الذين يمثلون دولا تواجه تحديات داخلية وإقليمية جدية وتعاني بسبب التداعيات المباشرة للسياسات الأمريكية عليها ورغم الكلمات البليغة التي قالها بعض السفراء العرب الحاضرين فإن نفس الانقسامات وحالة الاستقطاب الحزبي قد أرخت بظلالها على نقاشاتنا. 

يجب الإشادة هنا بنوابنا العرب في الكونجرس الأمريكي وبعض الحضور الآخرين والذين لم ينزلقوا في أتون الاتهامات المتبادلة، علما أن بعضهم كانوا من كبار السياسيين الذين يتبوؤون مناصب رفيعة في الحزبين الديمقراطية والجمهوري.

لقد أثار الحضور عدة قضايا حساسة لامست القلب حيث إنهم أبدوا حسرتهم وأسفهم على اضمحلال الأحزاب السياسية. فقد اعتبر احد الحضور أن الأحزاب السياسية قد تحولت اليوم إلى مجرد عربات لجمع التبرعات وهي التي لعبت في الماضي دورا مهمًّا كمؤسسات في خدمة أعضائها. 

اعتبر الحضور أيضا أن ذلك الدور المهم الذي كانت تلعبه الأحزاب السياسية قد انتزعه اليوم كبار المانحين من أصحاب المليارات من خلال لجانهم الممولة تمويلا كبيرة والمدفوعة بأجندات سياسية معينة. 

لقد أبدى الحاضرون أيضا أسفهم على تحول محطات تلفزيونية من ناقل للأخبار إلى وسائل للترفيه وهي تعمل على تأجيج خطاب الاستقطاب السياسي بدلا من العمل على إطلاع الرأي العام على مجريات الأمور وما يطرأ من مستجدات. 

لقد أبدى الحضور تخوفهم وانشغالهم وانزعاجهم أيضا من عدم قدرة الكونجرس الأمريكي وبعض القادة السياسيين على الدخول في جدل سياسي مدني، حضاري ومثمر ليصبح اليوم من الصعب التوصل إلى حل وسط حقيقي حول أمهات المشاكل التي تواجه الشعب الأمريكي. 

اتسمت النقاشات بالجدية والعمق والثراء لكن رغم الجهود التي بذلت من أجل دفع الحضور لإعادة التركيز على الدور الأمريكي في العالم العربي فإن الحديث ظل يدور حول تشعبات السياسة الداخلية في الولايات المتحدة الأمريكية.

لم يتم تسليط الضوء على عديد المسائل الأخرى المهمة، مثل حاجيات اللاجئين السوريين ودورهم المزعزع لاستقرار الدول التي تحتضنهم، فضلا عن الأزمة الإنسانية في اليمن وتدهور الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة واحتمالات توسيع الدور العسكري الأمريكي في سوريا من دون رؤية استراتيجية.

لقد غادرت حفل العشاء وأنا أشعر أن تلك المناسبة السنوية قد كانت بمثابة الصورة المصغرة التي عكست ما يتخبط فيه الشعب الأمريكي. فالإطلالات الكبيرة الناجمة عن حالة الاستقطاب الحزبي هي التي جعلت الولايات المتحدة الأمريكية تنطوي اليوم على نفسها. نتيجة هذا الوضع تخلى الكونجرس الأمريكي عن دوره الرقابي، كما أن قادتنا السياسيين فشلوا في دورهم الذي يحتم عليهم إعلام الرأي العام بالأخطار في العالم وبأننا غير مستعدين اليوم للتعامل مع التحديات التي تواجهه اليوم التي تربطنا بها التزامات. إن هذا الوضع إنما يمثل وصفة كارثية. 

‭{‬ رئيس المعهد العربي الأمريكي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news