العدد : ١٤٥٨١ - الجمعة ٢٣ فبراير ٢٠١٨ م، الموافق ٠٧ جمادى الآخرة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٥٨١ - الجمعة ٢٣ فبراير ٢٠١٨ م، الموافق ٠٧ جمادى الآخرة ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

أضواء على حديث ومبادرة وزير الداخلية (3)

بقلم: د. أسعد حمود السعدون

الاثنين ١٢ فبراير ٢٠١٨ - 01:20

تمثل المبادرة التي أطلقها معالي الفريق الركن الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة وزير الداخلية رعاه الله أثناء لقائه مع جمع من الفعاليات الاجتماعية والاقتصادية والأكاديمية في يوم الأحد 21 يناير 2018 فرصة تاريخية جديدة ومجالا واسعا للمثقفين والباحثين للتأمل والبحث والتحليل المعمق في قضايا الهوية الوطنية ، والانتماء والولاء الوطني وأساليب تعزيز الوحدة الوطنية. وقبل ان ندخل في تفاصيل ذلك وطرحها على مجتمع البحرين لا بد من تحديد مفاهيم هذه المصطلحات وتلك التي ترتبط أو تنبثق منها. فتعرف الهوية كما جاء في كتاب لسان العرب لابن منظور بأنها حقيقة الشيء التي تميزه عن غيره، وتُسمَّى أيضًا وحدة الذات، وهي مجموع الخصائص التي تعكس تميزا أو تفردا اجتماعيا أو ثقافيا أو قوميا لفئة أو شعب ما، بما يمنحهم خصوصية معينة تميزهم عن غيرهم. ويُنظر بعض المفكرين إلى الهوية بأنها حالة نفسية من الوعي بالاختلاف، والشعور بالتميز وقد تقودهم إلى الانعزال، ان لم ينظر إليها في إطار وطني اشمل. 

أما الهوية الوطنية فإنها إطار جامع أو محصلة تفاعل مجمل الهويات المكونة لشعب دولة من الدول، ففي عالم اليوم قلما نجد دولة مكونها الاجتماعي من هوية واحدة قوميا أو اثنيا أو طائفيا أو ثقافيا، الأمر الذي دفع المفكرين الاجتماعيين إلى التأكيد على مفهوم الهوية الوطنية في اطار الانتماء لوطن ودولة، وبالتالي فإنها محصلة تفاعل وانصهار هويات المجموعات البشرية المكونة لها بما يخلق ميزات وخصائص مشتركة تجمع فيما بينهم، وترسخ شعورا وطنيا مشتركا دون ان تحرمهم من التمتع بالمزايا الخاصة بكل منهم في حدود مكونهم الاجتماعي أو الثقافي، بشرط الا يقود ذلك التمايز الجزئي إلى الانعزال أو التصادم مع مكون آخر. ومن منطلق الشعور الوطني المشترك، فإن كلّ فردٍ يستمد إحساسه بالانتماء والهويّة الوطنية الجامعة المشتركة مع مجموعة كبيرة من الأفراد في العديد من العناصر والمعطيات والأهداف والمكوّنات، إضافة إلى انتمائه إلى ثقافةٍ مركبة ومترسخة عبر تاريخ طويل من العيش الوطني المشترك، ويتمتع الجميع بذات الحقوق والواجبات، كحق التعبير عن الرأي، وحق العيش بكرامة وعزة على أرضهم، وحق الملكية، وحق العمل، وحق التعليم وحق الحصول على الخدمات الصحية وغير ذلك من الحقوق التي تجسد معاني الهويّة الوطنية. وعليهم ذات الواجبات الفرديّة والجماعية التي يتعين على الشعب القيام بها وفي مقدمتها واجب الولاء والإخلاص للوطن والتعايش المشترك فيه، والدفاع عن أمنه واستقراره واستقلاله، والالتزام بتنفيذ قوانين الدولة وأنظمتها.

ولو عكسنا هذه المفاهيم على مملكة البحرين لوجدنا ان المجتمع البحريني منذ مئات السنين يضم مكونات وأصولا قومية عديدة وأعراقا مختلفة، كما يضم أديانا وطوائف مثل(مسلمين سنة، مسلمين شيعة، بهرة، اسماعيلية، يهود، مسيحيين كاثوليك، مسيحيين ارثوذكس، وعقائد اخرى)، فما هي هويته الوطنية؟ وكيف نعززها؟ وقبل ان نجيب عن ذلك لا بد من عودة إلى التاريخ والتاريخ معلم ومعلم كبير لمن أراد ان يتعلم ، فقد كانت اغلب هذه المكونات متآخية متعاونة تعيش معا وتعمل معا وتناضل ضد المستعمر البريطاني معا، لكن الفرز الطائفي الانعزالي ظهر للعيان بشكل جلي ومؤثر بعيد الثورة الإيرانية واستحواذ المؤسسة الدينية بقيادة الخميني على السلطة عام 1979، فأخذت تداعياتها تنعكس سلبا بشكل تدريجي على التعايش والهوية الوطنية البحرينية، الا ان اخطر انعكاساتها برز أثناء وبعد مؤامرة 14 فبراير 2011، حيث أظهرت حقيقة ولاءات وسلوك قطاع واسع من القوى السياسية والنخبوية البحرينية من خلال تحشيده واصطفافه بشكل وبمنطلق وبرؤية وبأهداف طائفية، على الرغم من ادعائه أمام وسائل الإعلام رفض الطائفية، بل ان قسما من الجمعيات والنقابات وعددا من منظمات المجتمع الأخرى التي أكثر أعضاء هيئاتها الإدارية من توجه سياسي يستند إلى اللعبة الطائفية، سخرت نشاطاتها وإمكاناتها الاتصالية وبنيتها التنظيمية لغايات طائفية، كما ان جمعيات سياسية ونوادي ثقافية وشخصيات كان يشار إليها بالوطنية وأخرى قومية وثالثة ماركسية، وأخرى تظهر تبرمها ورفضها للظواهر السياسية الطائفية أمام الإعلام وتنشر المقالات وتنظم الندوات وتحضر المؤتمرات القومية، وتحتفل بالرموز القومية العربية اصطفت وتصرفت وانقادت للطائفية، الأمر الذي نجم عنه سلوك مضاد لفئات وطوائف وطنية أخرى لتتوجس الخطر الطائفي الانعزالي وتتصرف بذات النهج، سواء كرد فعل أو إظهار لما كان مستترا من ولاء، ولم تعد هناك ضرورة لإخفائه، فلأي هوية وطنية ينتمي أولئك؟ 

وهنا لا بد من القول ليس هناك خلل في انتماء الإنسان إلى طائفة دينية معينة واعتزازه بتلك الطائفة وطقوسها واجتهاداتها الدينية لكن الخلل في استغلال بعض القوى السياسية للطائفة وتنصيب نفسها وصيا عليها وأنها بديل عن الدولة والوطن وبالشكل الذي يخلق تقاطعات ملموسة بينها وبين بقية أفراد الشعب، بالرغم من ان جميع المكونات الاجتماعية تدرك ان البحرين دولة متعددة الطوائف والإثنيات والأعراق القومية وأن حكومتها وعبر مختلف المراحل التاريخية نظرت للجميع في اطار وطني من دون تمييز أو تهميش، وما توافق 98.4% من الشعب البحريني على ميثاق العمل الوطني الا دليل عملي على التفاف الشعب حول قيادته التي لو كانت تمارس التمييز الطائفي لما صوت لها بهذه النسبة. وحيث ان البحرين دولة خليجية عربية مسلمة، يفترض ان تندمج كل مكونات المجتمع البحريني بالثقافة الخليجية العربية الإسلامية بغض النظر عن الأصل والمنبت، وأبرز معالم تلك الثقافة، اللغة العربية واللسان العربي السليم، لكن الواقع يشير إلى ان هناك من لا يزال يعلم أبناءه المولودين في البحرين باللغة الفارسية ويتحدث في بيته وفي عمله مع أقرانه باللغة الفارسية، وهناك من يحرص على ان يتكلم ويحافظ على لهجة محلية قروية هي خليط من العربية والفارسية تأكيدا للانعزال والتميز رغم شهادته الجامعية ومنصبه الوظيفي. وهناك أيضا من يحمل الجواز البحريني وعاش في البحرين عدة عقود وولد أبناؤه في البحرين الا أنهم يتكلمون لغات هندية أو باكستانية ويتعلمون في مدارس قومية خاصة بهم ويلبسون لباسهم القومي في حلهم وترحالهم، فكيف نجعل من الهوية الوطنية البحرينية جامعة لكل هذه النماذج؟ هذا ما سنتعرض له في المقال القادم إن شاء الله. 

 

* أكاديمي وخبير اقتصادي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news