العدد : ١٤٨٢٠ - السبت ٢٠ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١١ صفر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٢٠ - السبت ٢٠ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١١ صفر ١٤٤٠هـ

الثقافي

بلاجيا: قصة قصيرة بقلم: ميخائيل زوشنكو

ترجمة: مهدي عبدالله

السبت ١٠ فبراير ٢٠١٨ - 10:47

ميخائيل ميخائيلوفيتشزوشنكو (1895 – 1958) أديب روسي كان معارضا للنظام السوفيتي، من قصصه «كهرباء» و«الحمّام العمومي» و«الأزمة» و«الحذاء الفوقي المطاطي» و«بلاجيا».

بلاجيا كانت أميّة. لم تكن تعرف حتى كيفية توقيع اسمها. لكن زوج بلاجيا كان موظفا سوفيتيا في منصب ذي مسؤولية. وبالرغم من أنه رجل بسيط من القرية إلا أن خمس سنوات من الحياة في المدينة قد علّمته الكثير. ليس فقط كيف يوقع اسمه. الله يعلم إذا كان هناك أي شيء لم يتعلمه.

وشعر الرجل بالخجل الشديد لزواجه من امرأة غير متعلمة. «تستطيعين على الأقل أن تتعلمي كيف توقعين اسمك، بلاجيا» كان يقول لها. «اسم عائلتي سهل جدًا. مقطعان فقط: كوش – كين. لكنك لا تستطيعين حتى أن تفعلي ذلك. إنه أمر محيّر».

لكن بلاجيا تهز كتفيها وتقول: «لماذا، إيفان نيكولايفيتش؟ السنين تمر سريعة عليّ. أصابعي لم تعد تنحني جيدا. ما الفائدة في الدراسة ونسخ الحروف؟ الدراسة هي للروّاد الصغار. لا أستطيع أن أغيّر نفسي الآن. سوف أظلّ على هذه الحال حتى نهاية أيامي».

كان زوج بلاجيا رجلا مشغولا جدا ولا يستطيع أن يمنح الكثير من الوقت لزوجته. كان فقط يهز رأسه. «آه، بلاجيا، بلاجيا...» ولا يقول شيئًا أكثر من ذلك.

لكن في أحد الأيام جاء إيفان نيكولايفيتش إلى البيت ومعه كتاب صغير خاص. «بلاجيا، هذا أحدث كتاب لتعليم حروف الكتابة ذاتيا، مُعد وفق آخر الطرق، سوف أريكِ إياه بنفسي». ابتسمت بلاجيا بهدوء وأخذت كتاب الحروف منه وقلّبته بين يديها، بهذه الطريقة وتلك، ثم خبأته في الخزانة ذات الأدراج. «ربما تحتاجه الأجيال القادمة» فكّرَت. «ربما سيصبح مفيدًا».

لكن في أحد الأيام جلست بلاجيا لأداء بعض العمل. معطف إيفان نيكولايفيتش يحتاج إلى رتق. أكمامه مهترئة.

جلست بلاجيا وراء الطاولة. أخذت إبرة. وضعت يدها تحت المعطف. أحسّت بخشخشة.

«نقود؟» فكّرت.

لا، كانت رسالة. ظرف صغير أنيق ونظيف مع كتابة صغيرة جميلة عليه. وكانت الورقة، كما اعتقدت، تصدر منها رائحة عطر أو ماء كولونيا. أخذ قلب بلاجيا يضرب بعنف.

لا، اعتقدت. «لا تقولي أن إيفان نيوكولايفيتش يخدعني. لا تقولي أن لديه مراسلات حميمة مع نساء مهمات ويضحك على زوجته البلهاء غير المتعلمة!».

نظرت بلاجيا إلى الظرف، استخرجت الرسالة وفتحتها، لكنها لم تستطع أن تستنتج شيئا، إنها أميّة.

لأول مرة في حياتها تشعر بلاجيا بالأسف لأنها لا تستطيع أن تقرأ. «ربما تكون الرسالة موجهة إليّ» فكّرت. «لكنني أحتاج لأن أعرف ماذا بها. حياتي كلها ربما تكون حول التغيير. ربما ينبغي أن أعود إلى القرية وأعمل في الحقول».

بدأت بلاجيا في البكاء. فكرت كيف بدا إيفان نيكولايفيتش بالفترة الأخيرة. نعم، كان يعتني كثيرا بشاربه ويهتم كثيرا بغسل يديه. جلست بلاجيا هناك. نظرت إلى رسالة والأحرف. لا تستطيع أن تقرأ الرسالة. وكيف تستطيع أن تريها لأي شخص آخر؟.

ثم خبأت بلاجيا الرسالة في خزانة الأدراج، رتقت المعطف وأخذت تنتظر إيفان نيكولايفيتش. وحينما وصل لم تظهر بلاجيا أي شيء أمامه. على النقيض، تحدثت معه بلطف وهدوء وحتى ألمحت بأنها لن تمانع بالدراسة قليلا. فعلا لقد نالت ما يكفي من كونها فلاّحة عابسة وغير متعلمة.

شعر إيفان نيكولايفيتش بالسرور. «مدهش» قال. «سوف أعلمكِ الحروف بنفسي».

«حسنًا» قالت بلاجيا. ثم نظرت باهتمام إلى شارب إيفان نيكولايفيتش الصغير المزّين بأناقة.

يوما بعد يوم، ولمدة شهرين متواصلين، علّمت بلاجيا نفسها الحروف. مقطعا بعد آخر، بصبر، كوّنت الكلمات. نسخت حروف الأبجدية وحفظت الجمل عن ظهر قلب. وفي كل مساء كانت تأخذ الرسالة المحظورة من خزينة الأدراج وتحاول أن تتكهّن معناها المجهول.

مع ذلك، لم يكن هذا أمرا سهلا على الإطلاق. فقط خلال الشهر الثالث استطاعت بلاجيا أن تتقن التعلم بالكامل.

في صباح أحد الأيام، حينما غادر إيفان نيكولايفيتش إلى العمل، استخرجت بلاجيا الرسالة وبدأت تقرأها. الخط الجميل كان حل شفرته صعبا. فقط التلميح الضعيف للعطر جعلها تستمر. كانت الرسالة موجهة إلى إيفان نيكولايفيتش. وبدأت بلاجيا في القراءة:

عزيزي الرفيق كوشكين،

أرسلُ إليك كتاب الأبجدية الذي وعدت به. أعتقد أنه خلال شهرين أو ثلاثة ستستطيع زوجتك تعلمها بالكامل. أوعدني يا عزيزي بالتأكد من أنها تفعل هذا. أوضح الأشياء لها. اشرح لها مدى فظاعة أن تكون فلاّحة غير متعلمة.

في هذه اللحظة، بمناسبة الذكرى السنوية القادمة، نحن نسعى بكل الطرق لمحو الأمية من كامل جمهوريتنا لكنناننسى، لبعض الأسباب، أولئك الذين هم قريبين منّا وعزيزين علينا.

افعل هذا من دون تلكؤ، إيفان نيكولايفيتش.

مع تحياتي الشيوعية،

ماريّا بلوخينا

قرأت بلاجيا الرسالة مرتين وزمّت شفتيها بأسف. وشاعرة بنوع من الأذى السري، بدأت في البكاء.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news