العدد : ١٤٨٢٠ - السبت ٢٠ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١١ صفر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٢٠ - السبت ٢٠ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١١ صفر ١٤٤٠هـ

الثقافي

التغريبة والهجرة السورية الأولى وإسقاطها على التغريبة والهجرة الكبرى الثانية في رواية جديدة

بقلم: هشام إسماعيل عدرة

السبت ١٠ فبراير ٢٠١٨ - 10:45

للكاتبة الروائية السورية: لينا هويان الحسن وفسيفساء المجتمع الدمشقي 


«الكاتبة الروائية السورية المقيمة في لبنان (لينا هويان الحسن) في روايتها السابعة (ألماس ونساء) تقدّم لنا وبالتفاصيل فترة الربع الأول من القرن العشرين حيث هجرة السوريين إلى أمريكا... ومن خلال نساء نعيش فسيفساء المجتمع الدمشقي بمختلف أطيافه وحياته في دمشق وباريس والمهجر البرازيلي».

ـ هي رواية معقدة نوعًا ما بتفاصيلها وشخصياتها وبطلتها (ألماظ) ولغتها وحواراتها.

ربّما من المبكّر تناول المأساة السورية بشكل مكثف في مجالات الإبداع الأدبي المختلفة من شعر وقصة وقصة قصيرة ورواية ودراسات معمقة حيث مازالت مستمرة، وخاصة موضوع الهجرة إلى أوروبا ودول العالم المختلفة التي فرضتها الحرب والأحداث السورية على مختلف أطياف المجتمع السوري، والباحث في مجال التاريخ السوري المعاصر سيجد أن هجرة مماثلة حصلت في الربع الأول من القرن العشرين المنصرم وخاصة في سنوات الحرب العالمية الأولى (المعروفة بسفر برلك) وكانت وجهة المهاجرين السوريين في وقتها الأمريكيتين الشمالية والجنوبية.

 ما لفت انتباهي في الأعمال الأدبية الحديثة نسبيا والتي تتصدر واجهات المكتبات كما تصدرت قائمة جائزة البوكر قبل سنتين هو كتاب روائي لكاتبة سورية معروفة، ففي واحدة من أحدث رواياتها وجاءت تحت عنوان: (ألماس ونساء) والتي كانت قد دخلت ضمن جائزة البوكر (اللائحة القصيرة) والصادرة عن دار الآداب البيروتية، تحاول الكاتبة السورية (لينا هويان الحسن) تقديم المجتمع السوري بمختلف أطيافه وطوائفه ومذاهبه من خلال (فتاة) تدعى (ألماظ) وهي فتاة مسيحية دمشقية حفيدة بابور الجارية الهندوسية التي أورثتها ألماسة زرقاء جميلة، والتي تتزوج من الكونت اللبناني كرم خوري المقيم في باريس وتنجب منه (كارلوس كرم) ولكنها تهاجر قبل ذلك إلى البرازيل حيث نتابع تفاصيل الحياة اليومية للمهاجرين السوريين.

 هي رواية معقدة نوعًا ما بتفاصيلها وشخصياتها النسائية والرجالية.. تقع في 240 صفحة، وفي جزئها الأول حيث البداية مع الباخرة (أوره نوف) التي تبحر من بيروت إلى مرسيليا في عام 1912 (وهو العام الذي شهد الهجرة السورية الكبرى نحو القارة الأمريكية مع بداية الجوع ومؤشرات سفر برلك والحرب العالمية الأولى) تأخذ الباخرة معها (ألماظ) الفتاة السمراء الدمشقية ولكنها أقرب ما تكون إلى الفتيات الهنديات، وهذا طبيعي، كون جدّتها هندية هندوسية كانت جارية في دمشق، ألماظ التي زيّنت عنقها بماسة زرقاء شاحبة جذبت إليها الكونت اللبناني والذي فاجأته بزيّها الغريب وبسمرة بشرتها وهو الذي يخشى غموض السمراوات؟!.. في هذا الجزء تأخذنا (لينا) في رحلة ممتعة مع ألماظ ومحطاتها الفرنسية وتعارفها على الكونت اللبناني، وفي منزله الفاخر حيث هناك الخادمة الأثيوبية (لور) والتي اشتراها الكونت من أحد حجاب أميرة الحبشة وكان اسمها صعبًا فغيّره الكونت إلى لور (حيث خصصت الكاتبة فصلاً من الرواية لحكاية لور وزميلتها الجارية الوثنية كارو) لور تطعمها أكلات حبشية غريبة عنها وهي التي تعودت في دمشق أن تتناول الطعام الهندي (هنا تقدّم لينا وبشكل ممل تفاصيل تلك الأكلات ومما تحضّر في سياق الحبكة والشرح وليس في هوامش أسفل الصفحات كما يفعل الكثير من الكتاب).

 تتوالى فصول الرواية لتحدثنا في الجزء الأول وفي فصل الكونت كرم شاهين الخوري عن هذا الكونت اللبناني الذي أورثه والده اللقب وهو وحيده وعن حياته الباذخة في باريس وعلاقاته الارستقراطية وهناك (بابور) في فصل آخر التي ورّثت حفيدتها ألماظ (الماسة الزرقاء) بينما لم تورثها جمالها وهي الحسناء الهندوسية. هناك فصل آخر عن (باريس) وأحداث تدخل فيها السياسة حيث كان يجتمع في باريس مثقفون سوريون يعملون ضد العثمانيين ومنهم من كان مدعومًا من الاتحاديين الأتراك، تدخل ألماظ السياسة رغمًا عنها مع أنها غير معنية بها، كما أنها في فصل آخر من حياتها الباريسية تستقبل ضيفاتها الدمشقيات وهنّ من أشهر (خوانم الشام مسلمات ومسيحيات) واللواتي جئن إلى باريس مع أزواجهن لحضور معرض السجاد السنوي.

 رغم الحياة الأنيقة في باريس إلاّ أن ألماظ وبعد سنتين من وجودها هناك حيث (لم يكن يعني لها ذلك إلاّ سنتين من الضجر والكبت) فهي تأخذ الشمبانيا ليلاً لتنام بعد فترة أرق وتستيقظ على قهوة الصباح التي يقدّمها لها عاملون صامتون يتحدثون فقط عندما يشكرونها على (البقشيش). قررت الذهاب إلى البرازيل لتعيش تجربة جديدة هناك ولتتحول إلى معلّمة في المدرسة السورية والتي تضم أبناء المهاجرين السوريين فعلمتهم البيانو وفنون الأشغال اليدوية للطالبات ومن اللغة الفرنسية في المدرسة الشرقية الكبرى.. لقد استطاعت أن تؤمّن دخلاً مقبولاً لتقضي أيامها في أوتيل بسان باولو (تذكر الكاتبة الاسماء بشكل واضح وكأنها حقيقية تمامًا ولكنها تشير في المقدّمة إلى أنّ جميع شخصيات الرواية من صُنع خيالها باستثناء الشخصيات العامة وأنّ أي تشابه مع أرض الواقع سيكون محض مصادفة) في البرازيل نتعرف على حياة المهاجرين السوريين هناك والذين اختلطت ألماظ مع نسائهم، وهنّ متنوعو الأطياف والأديان فهناك (رومية خانم) زوجة أشهر صائغ سوري في ساو باولو وهو (يوسف زيلخا) الدمشقي اليهودي، تحكي رومية لـ(ألماظ) عن حياة أسرتها عندما كانوا في دمشق حيث البيت (القصر) مع وصف للبيت الشامي التقليدي الذي كان يملكه زوجها ويضم الأقسام الثلاثة المعروفة (السلاملك والحرملك والخدملك) وجلسات التسالي والسهر في البيت القصر حيث الحكواتي الذي يؤنسهم بقصصه في الليالي الشتوية الطويلة، وغير ذلك.

تتواصل الأحداث اليومية مع بطلة الرواية (ألماظ) في البرازيل بكثير من التفصيل المملة أحيانًا لتعود إلى باريس وتتزوج الكونت اللبناني ورغم أنها ليست جميلة ولكنه يتزوجها مستشهدًا بزواج (كمال أتاتورك) عندما تزوج من عروسه (لطيفة خانم) ولم تكن جميلة مجيبًا -أي أتاتورك- على سؤال لصحفية أجنبية: (لو أنها جميلة جدًا ما تزوجتها فأنا رجل غيور! أعجبني ذكاؤها وثقافتها وتربيتها) وهكذا فعل الكونت كرم خوري، ولتبدأ حياتها معه محاولة تحقيق أحلامها ومنها تأسيس جمعية نسائية تطالب بتحرير المرأة في دمشق، تتوالى الأحداث والتنقلات مابين باريس ودمشق وبيروت حتى تنجب ألماظ طفلها (كارلوس) ليبدأ الجزء الثاني من الرواية حيث تأخذنا كاتبتها في رحلة ممتعة مع شخصيات كثيرة ومتنوعة خاصة بعد وفاة زوجها الكونت كرم وهو يرقص (الفوكس تروت) مع فتاة شابة، ليطفو على السطح ابنه كارلوس كرم ولتبدأ حكايا وقصص جديدة مع (بوتان) الكردي ومع مراد بك ومع ابنة الدامسكو وبرلنت وسلمى بيدرو الحداد وروشان شير وغيرهم، ثمّة أحداث يعيشها كارلوس ومنها دخوله السجون بسبب مواقفه السياسية فتعمل أمه ألماظ على إخراجه منها مثل أي أم تحب ابنها وتخاف عليه ولكن كارلوس الذي يستقر في الشام لفترة يغادر وللأبد إلى الأرجنتين.

 ربما ـ أخيرًا ـ تحاول لينا في روايتها السابعة أن تحاكي الواقع الحالي للتغريبة السورية حيث الهجرة الأكبر للسوريين في بداية القرن الواحد والعشرين ولو كانت وجهتها مختلفة حيث الوجهة أوروبا والتي سبقتها تلك الهجرة الكبيرة بداية القرن العشرين وكانت وجهتها الأمريكيتين، وهما متشابهتان إلى حد ما، حيث الهجرة الحالية كما الأولى تطول كل أطياف المجتمع السوري وجميع شرائحه ومنهم الأثرياء.

- كاتب وصحفي وشاعر.

- عضو اتحاد الصحفيين العرب.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news