العدد : ١٤٥٨١ - الجمعة ٢٣ فبراير ٢٠١٨ م، الموافق ٠٧ جمادى الآخرة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٥٨١ - الجمعة ٢٣ فبراير ٢٠١٨ م، الموافق ٠٧ جمادى الآخرة ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

تحسين التعليم يبدأ من البيت

بقلم: د. جاسم بونوفل

السبت ١٠ فبراير ٢٠١٨ - 01:20

في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، أجريت تحقيقا صحفيا عن علاقة البيت بالمدرسة وأثر ذلك على تحسين العملية التعليمية، وأجريت عدة مقابلات مع عدد من المشرفين الاجتماعيين والمشرفات الاجتماعيات بمدارس البحرين، وانطلقت في أسئلتي للمشرفين عن نتائج الدراسات التربوية التي أكدت على أهمية العلاقة بين البيت والمدرسة وأشارت إلى أنه كلما كانت هذه العلاقة قوية ومتينة فإن ذلك ينعكس إيجابيا على تحسين التعليم عند الطلاب والطالبات ويؤثر في بناء شخصياتهم. وبحسب آراء المشرفين الاجتماعيين في تلك الفترة أفادوا بأن العلاقة بين البيت والمدرسة ليست في المستوى المأمول حيث إن بعض الآباء لا يهتمون بمتابعة تحصيل أبنائهم في المدرسة، وأن ارتباطهم بالمدرسة ينتابه الضعف في أغلب الأحيان. السؤال المهم الذي يطرح في هذا السياق هو: هل لا تزال العلاقة بين البيت والمدرسة تتسم بالضعف في مجتمعنا البحريني أم أن هذه العلاقة قد تغيرت وباتت أفضل من السابق؟

في الواقع، أقول ومن خلال تجربتي الشخصية وعضويتي في مجلس الآباء لإحدى المدارس الثانوية ومن خلال استطلاع رأي بعض المديرات والاختصاصيات الاجتماعيات إن الحال لم يتغير حيث إن العلاقة بين البيت والمدرسة لا تزال ضعيفة وربما زاد ضعفها في السنوات الأخيرة، والمفترض أن يكون العكس أي أن تكون أقوى من ذي قبل بحكم عوامل كثيرة أهمها في رأيي ثورة الاتصالات التي أسهمت كثيرًا في عملية التواصل بين البيت والمدرسة. 

إن الخلل في العلاقة بين البيت والمدرسة له تبعات سلبية على مستقبل الطلبة نفسيا واجتماعيا وتربويا وإن استمرار هذه العلاقة السلبية بين الأسرة والمدرسة من دون التحرك لمعالجتها سيجلب الضرر على أبنائنا ويعرض مستقبلهم للخطر. وهنا لا بد من الإشارة إلى القول: إن مسؤولية معالجة هذا الخلل تقع على عاتق المؤسستين التربوية والأسرية وإن كنت أرى أن مسؤولية المؤسسة التربوية تكون أكبر بحكم دورها التعليمي والتربوي وأن المجتمع أوكل إليها هذا الدور وحملها مسؤولية تربية الأبناء وتعليمهم، وهذا لا يعني إلغاء دور الأسرة أو أن تتخلى الأخيرة عن دورها فالمدرسة كالطائر الذي له جناحان للطير بهما والعلو فوق السماء ومن دونهما لا يمكنه ذلك وعليه فإن المدرسة لا يمكن أن تحلق في عالم التربية وتحقق أهدافها من دون دعم الأسرة ومساندتها. وهنا يجب على المؤسسة التربوية (المدرسة) أن تبادر وتبحث عن آليات جديدة غير مألوفة (إبداعية) الهدف منها استثارة دافعية أولياء الأمور وجذبهم إلى المدرسة لمشاركتها في تحقيق أهدافها.

الإشكالية في موضوع علاقة البيت بالمدرسة تتمثل في رأيي في أن كلا من البيت والمدرسة ضلا الطريق في تحديد مفهوم العلاقة فبعض المدارس فهمت العلاقة في سياق أن يقوم ولي الأمر (الأب أو الأم) بدور المعلم/المعلمة في تدريس الأبناء وبذلك أخلى بعض المعلمين مسؤوليتهم التي أنيطت بهم وأنحوا باللائمة على أولياء الأمور في تدني مستوى التحصيل لدى أبنائهم وتقصيرهم في متابعة أبنائهم، وبذلك تحول أولياء الأمور إلى معلمين ومربين في آن واحد داخل بيوتهم مع العلم أن الأصل في الموضوع هو أن دور التعليم من اختصاص المدرسة أما دور البيت فهو المتابعة والدعم وهو دور مكمل لما تقوم به المدرسة.

من ناحية ثانية، يلقي بعض أولياء الأمور اللوم على المدرسة وتقصيرها في تعليم أولادهم ومتابعة تحصيلهم الدراسي في الوقت الذي هم فيه شبه غائبين عن متابعة أولادهم بل إن البعض منهم -ولا نقول الكل- لا يعلم المستوى الدراسي لابنه أو ابنته، كما أنه لا يكلف نفسه الذهاب إلى المدرسة للسؤال عن ابنه إلا إذا حدثت له مشكلة في المدرسة وتطلب حضوره وهذه قد تكون هي المرة الوحيدة التي ذهب فيها إلى المدرسة للسؤال عن ابنه (مجبرًا أخاك لا بطل). في هذا السياق كشفت دراسة أجريت في دولة الامارات العربية المتحدة حول التحصيل الدراسي الضعيف للبنين عن ظاهرة «الوالد الذي يتواجد في عطلة نهاية الأسبوع»، والذي يقضي طوال الأسبوع في العمل بعيدا في مدينة أخرى ويتواجد في المنزل في عطلة نهاية الأسبوع فقط، وتساءلت الباحثة في هذه الدراسة عما إذا كان تضاؤل حضور الآباء في حياة أطفالهم ولا سيما في حياة أبنائهم من الذكور يمكن أن يفسر الأداء الأكاديمي الضعيف نسبيا للفتيان في منطقة الشرق الأوسط - وهي منطقة تتميز ببعض الفجوات العكسية التي هي من أكبر الفجوات العكسية في العالم في التحصيل الدراسي، حيث تتفوق البنات على الأولاد في التقييمات الدولية مثل تيمس TIMSS وبيرلس PIRLS. لا شك أن غياب الأب عن البيت له تأثير سلبي ليس على التحصيل الدراسي للطالب فحسب وإنما أيضا له تأثير على حياته النفسية. أظن أن مثل هذه الحالات عندنا ربما تكون قليلة بحكم صغر مساحة البحرين لكن المشكلة لدينا هي أن الأب موجود فيزيقيا أي موجود بجسمه ولكنه غائب بعقله وعواطفه وهذه هي الإشكالية الحقيقية في نظري وهي التي يحذر منها التربويون؛ فتواجد الأب في البيت بصفته رأس الأسرة ومعيلها ضروري جدا، فقد أشارت الدراسات في هذا الخصوص إلى أن تواجده بصفة مستمرة له أثر مهم في تقدير الذات والتحصيل التعليمي للأطفال طوال حياتهم. وفي هذا السياق كشفت دراسة حديثة عن التعليم في منطقة الشرق الأوسط أن هناك اختلافات كبيرة داخل المنطقة من حيث مشاركة الآباء في التعليم، وأوضحت الدراسة أن مشاركة الآباء في بلاد الشام وشمال إفريقيا في تعليم أطفالهم أكبر من مشاركة نظرائهم في دول الخليج العربية. ولو خير الآباء في هذه الدول ما بين أخذ أولادهم إلى نزهة أو إلى المستشفى أو زيارة مدارسهم لاختاروا النزهة على أن يقوموا بزيارة مدارسهم. إن مثل هذه النتائج تدق ناقوس الخطر في دولنا الخليجية حيث تبين لنا أن الجيل الجديد من الآباء بعيد عن الأبناء في الوقت الحالي وهو على عكس الجيل الذي عاش في مرحلة ما قبل النفط، حيث كان الأبناء على اتصال يومي أكثر بكثير مع آبائهم عما عليه الحال اليوم. ففي الماضي كان الآباء الخليجيون يعملون جنبا إلى جنب مع أبنائهم وفي شراكة عائلية في العادة في مجال الزراعة أو التجارة. لكن هذا أصبح أقل شيوعا بعد اكتشاف النفط الذي كان من نتائجه خلق فرص عمل جديدة للرجال في قطاعات عديدة. 

إن انشغال الآباء عن أولادهم سواء في العمل أو غير ذلك من الأمور الحياتية أفضى إلى جعل الأمهات أكثر مسؤولية عن تنشئة وتعليم الأولاد وهذا يحمل المرأة الخليجية أعباء جديدة قد لا تتحملها بعض النساء وهذا قد يؤثر بصورة سلبية على استقرار الأسرة وتماسكها.

أعتقد أن مشاركة الآباء في تعليم أبنائهم قضية أساسية ومهمة، وأرى أن تحسين التعليم يبدأ من البيت وهذا يعني أن يكون للأب دور ايجابي في مشاركة أبنائه في عملية التعليم؛ لأن من شأن ذلك أن يزيد من فرص الضمان للحصول على مخرجات منتجة ومنضبطة بشكل جيد في مجتمعنا.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news