العدد : ١٤٨١٩ - الجمعة ١٩ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ صفر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨١٩ - الجمعة ١٩ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ صفر ١٤٤٠هـ

الاسلامي

(أوراق صحفيّة).. فلاش بالك للستينيات (1)

الجمعة ٠٩ فبراير ٢٠١٨ - 10:43

بقلم: رجاء لوري 

لقد كان والدي -رحمه الله تعالى رحمةً واسعة- يُحبّ السفر، يُكثر ويطيل السفر - وهذا ما ورثّني إيّاه - ولا أظنّ بأنَّ هُناك ابنة قد أحبّت أبيها كما أحببت أنا أبي، كان يحبني، والأهم من ذلك أنه كان يحترمني -حتى وأنا طفلة- ولكنني كنت دائمة التوجّس لتلك اللحظة التي يُناديني فيها وهو يقوم بتحضير شنطة سفره ليخبرني بما أكره سماعه: 

أنا باسافر باجر! ولم أكن أظهر له تعاستي وشعوري باليتم أثناء غيابه حتى لا أنغّص عليه رحلته.

أذكر أنني كنت أذهب إلى حجرته وأحضن بيجامته المُعلّقة خلف الباب، أقبلها وأشمُّ رائحته فيها وأذرفُ عليها الدموع الساخنة -لم أخبره قطّ بذلك- ومن الأمور الروتينية اليومية التي كان يحبها ويطلبها مني هو تدليك يديه ورجليه بعد الغداء وقبل القيلولة، فكنت «أهمّزه» حتى يغطّ في النوم، فأتزحلق بهدوء إلى قاع قدمه لأتسلمها وأقبّلها. 

ولقد كان حريصًا جدًا على تعليمنا، فأدخلني حضانة إنجليزية ولمُدّة سنتين، ومنذ ذلك الوقت وأنا أتكلم الإنجليزية بطلاقة، لدرجة أنني كثيرًا في كتابة مقالاتي ما أحتاج إلى كلمة مُحددة أعرفها بالإنجليزية ولا تحضرني بالعربية فأستخرجها من القاموس. 

ولقد كان لدينا تليفزيون له دلفتين خشبيتين ومفتاح نُحاسيّ، فكان قبل أن يُسافر يقفله ويرسل المفتاح إلى عمتي «عائشة لوري» التي كانت تسكن في الجهة المقابلة من شارع القضيبية، فكانت تحتفظ بالمفتاح طوال الأسبوع، ثم ترسله الينا يوم الخميس لكي نتفرّج على المحطة اليتيمة Aramco ونشاهد برنامج الأطفال السعودي «بابا حطّاب» وأفلام الكارتون ولوريل آند هاردي - طبعًا كل ذلك بالأبيض والأسود! ثم نعاود غلق «كبت» التلفزيون ونعيد المفتاح إلى عمتي، عصرية الجمعة. ولقد كُنّا حريصين على الامتثال لأمر والدي حتى في غيابه، وكنا أمينين على ذلك. كان يقول: إني طالعة على عمتي -أيّ مثلها- والمصريون يقولون «البت لعمتها.. والولد لخاله». 

وبالمناسبة كلمة «كبت» اقتبست من Capboard الإنجليزية. كما اقتبس «حفيز» من Office و«كولي» من Colleague وهي تعني الرفيق أو الزميل، ولكننا نتداولها تداولاً خاطئًا! 

ولقد كانت عمتي من أوائل الموظفات والرائدات البحرينيات في إدارة التربية والتعليم في إمارة البحرين -آنذاك- ومن المواقف الإنسانية النبيلة التي ما زلت أذكرها لـ« أم وجيه» أنني كنت في بيتها يومًا، وفجأةً دخلت علينا إحدى المدرسات المصريات وهي في حالة انهيار وبكاء شديد، أنا لا أذكر أي تفاصيل هنا، سوى أنها كانت قلقةً على أمها في مصر، فاحتوتها عمتي بقلبها الحنون وهدأت من روعها، ثم سارعت إلى التليفون وسجلت لها مكالمه دوليه لمصر، وبعد مده زمنية من الانتظار والتوتّر- كما كان يحدث للمكالمات الدولية في تلك الأيام - رنّ جرس التليفون وجاءت المكالمة، وتحدثت البنت إلى أمها وتهللت أسارير وجهها بالدموع وبكاء الفرح.

وبعد انتهاء المكالمة سارعت إلى عمتي تقبلها وتحتضنها وتبدي امتنانها.

ربما عمتي لا تذكر ذلك الموقف الجميل، ولكنه حتمًا لن يضيع عند الله تبارك وتعالى. 

ومن المواقف الواقعية المُضحكة في الستينيّات:

تسأل إحدى الأمهات البسيطات جارتها:

إتهگين يا أم فلان إنّ الإنجليز كلهم ما يصومون؟!!! 

إتهگين؟: أتعتقدين؟

- تذكرني تلك الأم، بأم طيّبة أخرى، فبعدما تم القبض على صدّام حسين، وتسابقت محطات التلفزيون الإخبارية حول العالم، ببثّ ذلك المشهد الذي يقوم الدكتور بفحص أسنان الرئيس العراقي وإعادة بثّه مِرارًا وتِكرارًا وعلى مدار الساعة: 

فقالت ببراءه: غربلو الريّال، كل ساعة يبطلون حلجه! - عذبوا الرجّال.. كل ساعة يفتحون فمه!

وفي تلك الأيام كانت هناك شاحن صهريج لبيع ماء الشرب إلـ«بيلر» تدور على البيوت في الفريج، أذكر أنه كان مخطوط عليها «أخآذ الأرواح!».

وعندما تحوّل بيت خالي يوسف الخاجة «أخو جدّتي» وانتقلوا إلى القفول، أرادوا التخلّص من كلبهم البوليسي، فأخذوه معهم في السيارة إلى الرفاع، وأنزلوه وتركوه في الصحراء، ثم عادوا أدراجهم إلى القفول، وكانت هناك مُفاجأه لهم، وقبل أن ينزلوا من السيارة وجدوه ينتظرهم وهو يلهث عند باب بيتهم!

- وكُنا نسمع من بعيد بين الحين والآخر صوت طلقات الرصاص الذي تطلقها دوريّات للشرطة على الكلاب الضاّلة!

كنت أخاف من ذلك.

ومن المواقف المُضحكة التي سمعناها في فريجنا - القضيبية - والعهدة على الراوي - أنه كان هُناك مُعلِّم سياقة، قيل إنه قرر في يوم من الأيام أن يُصلي -وهو لم يكن يُصلّي من قبل- فذهب وتوضأ وفرش السجّادة، وأخذ بشار الصلاة والتفع به كما تتلفع النساء من أهل بيته!

(يتبع)

ilalah@windowslive.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news