العدد : ١٤٧٥٤ - الأربعاء ١٥ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ٠٤ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٥٤ - الأربعاء ١٥ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ٠٤ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

الاسلامي

الإمام محمد الخضر حسين.. التونسي الذي رفعه علمه وجهاده إلى مشيخة الأزهر (13)

الجمعة ٠٩ فبراير ٢٠١٨ - 10:39

بقلم: د. غريب جمعة

عود إلى الحديث عن الاعتقال:

لم يكن الشيخ جزوعاً حين مسه شر الحكومة ولم يكن هلوعاً بأي حال من الأحوال على حياته لأنه يعتقد أنه بريء من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه إن قتل كغيره من العلماء الذين علقهم جمال السفاح على أعواد المشانق فسيكون شهيداً في سبيل الإسلام ولم يكن يؤلمه شيء في سجنه، إلا أنه لا يجد أدوات الكتابة من قلم وأوراق ليسجل خواطره ويكتب أفكاره وما ينظمه من شعر وفي هذا يقول الشيخ:

غلَّ ذا الحبس يدي عن قلم.. كان لا يصحو عن الطِّرس فناما

هل يذود الغَمض عن مقلته ... أو يلاقي بعده الموت الزؤاما

أنا لولا همة تحدو إلى ... خدمة الإسلام آثرت الحماما

ليست الدنيا وما يقسم من ... زهرها إلا سرابا أو جهاما

وما قاله أيضاً تعبيراً عما جرى بينه وبين زميل السجن سعد بك الملا من حوار حول الحضارة والبداوة:

جَرى سمر يوم اعتقالنا بفندق ... ضحانا به ليل وسامرنا رمس

فقال رفيقي في شقا الحبس... أن في الحضارة أنسا لا يقاس به أنس

فقلت له فضل البداوة راجح ... وحسبك أن البدو ليس به حبس

ومن ذكريات السجن أيضاً، ما قاله لمن نظموا على هذا الأسلوب: أي من نظموا في ذكر دمشق والتعلق بها:

ولقد ذكرتك في الدجى والجند قد ... ضربوا على دار القضاء نطاقا

وقضاة حرب أرهفوا أسماعهم ... وصدورهم تغلي عليَّ حناقا

والمدعي يُغري القضاة بمصرعي ... ويرى معاناتي الدفاع سياقا

أتروع أهوال المنون متيَّماً ... جرعته بعد الوصال فراقا

بل لم يتردد في تقديم دفاع للمحكمة في أسلوب من النثر القوي البليغ وقدم دفاعاً آخر في صورة شعر يقول في بدايته:

يسوس أخو الفكر القضايا ويفصل ... وما كل من ساس القضية يعدل

وما ضل وجه الحق عن رأي باحث ... وإن راح في بحر الدجى يتوغل

ويلبس من صنع القضاء محامداً ... إذا كان من باب العدالة يدخل

فيا مجلس الحكام دونك بعض ما ... أرتنا الليالي والحقائق تُنقل

معية الله للشيخ:

لما وصل خبر اعتقاله إلى الأستانة كلف أنور باشا وزير الحربية التركي -وما هو بالرجل الهين- أحد رؤساء بعض أقسام الوزارة عنده بأن يرسل تلغرافا على لسانه إلى جمال باشا يأمره بألا يفصل في قضية الشيخ محمد الخضر حسين بشيء إلا بعد عرضها على وزارة الحربية بالأستانة، ولا شك أن ذلك كبح جماح الكثير من شر السفاح جمال باشا إن لم يكن قد كبحه كله وصدق الله العظيم «والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين» (العنكبوت: 69) وجاء الفرج:

بعد أن ثبتت براءة الشيخ بصورة لا مجال للشك فيها أُطلق سراحه في اليوم الرابع من ربيع الآخر عام 1335هـ. فتوافد عليه علماء دمشق وأدباؤها وفضلاؤها زرافات ووحدانا لتهنئته بالسلامة وبراءة ساحته من أي اتهام.

وكان من بينهم جماعة من الأتراك الذين اطلعوا على حقيقة القضية من قبل وعرفوا ما قام به الشيخ من أعمال مجيدة من أجل الدفاع عن الأمة العثمانية ضد ما يدبر لها بليل.

واصل الشيخ نشاطه من خلال إلقاء دروسه الدينية والأدبية في المدرسة العثمانية لطلابه ومحبيه من أهل العلم.

واستدعت بعض الأمور سفر الشيخ إلى الأستانة فسافر إليها عن طريق حلب ثم أدنة ثم قونية ثم اسكيشهر وما كاد القطار ينطلق به حتى قال هذه الأبيات:

أردد أنفاساً كذات الوقود إذ ... رمتني من البين المُشِتُّ رواشق

وما أنت مثلي يا قطار وإن نأى ... بك السير تغشى بلدة وتفارق

فمالك تلقي زفرة بعد زفرة ... وشملك إذ تطوى الفلا متناسق

ونزل ضيفاً معززاً مكرماً على بيت الأستاذ الشيخ إسماعيل الصفايحي.

ثم عُين يومئذ كاتباً بالقلم العربي في بعض أقسام وزارة الحربية كما جاء في الحلقة السابقة، كما عينته المشيخة الإسلامية واعظاً بجامع من أكبر جوامع استنبول وهو جامع السلطان محمد الفاتح وكان ذلك في شهر رمضان وكان ذلك التعيين بدلاً من الشيخ إسماعيل الصفايحي، الذي تنازل له عن هذه الوظيفة، ومن حسن تواضع ذلك الشيخ العظيم أنه حضر بنفسه أول درس ألقاه الشيخ محمد الخضر وكان جالساً بجانبه في حلقة الدرس كواحد من عامة الحاضرين، وهكذا تكون أخلاق العلماء الربانيين.

رأى الشيخ الخضر في قصته داود عليه السلام.

قد يعجب القارئ من ذكر قصة داود عليه السلام في هذا المقام ولكن الذي حدث أن الشيخ الخضر تعرض لهذه القصة في أحد دروسه واختار ما قاله الإمام ابن حزم في تلك القصة من الأخذ بظاهر القرآن وأن قوله تعالى: «وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ» (ص: 21) وارد في رجلين حقيقيين، لا كما يقوله بعض المفسرين من أنهما ملكان أتياه في صورة رجلين.

فاعترض أحد الحاضرين من الأتراك قائلاً: إن هذا الوجه من التفسير لا يصح مع قوله تعالى: «وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ» (ص: 24) فإن هذه الآية تدل على صحة ما يقوله بعض المفسرين من أنهما ملكان أرسلهما الله لتنبيهه وعتابه على ما صدر منه.

فأجاب الشيخ الخضر بأن الخصمين لما تسورا المحراب فزع منهما داود عليه السلام وظن أنهما يريدان إذايته، وهذا الظن الذي سبق إليه وقع على بريئين من تلك الإرادة السيئة هو الذي ندم عنه وعدَّه مما يستحق أن يستغفر الله منه، وقد استحسن الشيخ إسماعيل هذا الجواب جدا وكلف الشيخ الخضر بكتابته بعد عودته إلى البيت.

ونحن نذكر هذا الرأي بعد أن تحدث الكثير عن قصة داود عليه السلام حديثا لا يقوم على إثارة من علم فزاغوا وأزاغوا وكان الأولى بهم أن يكونوا على بينة من الإسرائيليات المدسوسة في كتب التفسير والتي تسيء إلى الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

وحضر الشيخ في هذه الفترة صلاة الجمعة في جامع تكية الشيخ ظافر فرغب منه إمام المسجد وهو من الشيوخ المصريين أن يقوم مقامه في الخطابة فصعد المنبر، وارتجل خطبة في الحث على اتباع الشرع العزيز والتمسك بآدابه، وكان لها موقع طيب في نفوس السامعين.

كما شهد حفلة صلاة الجنازة على السلطان محمد رشاد ومبايعة السلطان وحيد الدين بقصر «طوب كبو»، وكلفته وزارة الحربية بتحرير منشور الإعلام بوفاة السلطان الأول ووصف حفل مبايعة السلطان الثاني والدعوة إلى مبايعته ليوزع في أنحاء الإمبراطورية العثمانية.

كما التقى السيد أحمد السنوسي الذي اختاره السلطان الجديد ليقلده سيف الملك على خلاف عادة سلاطين آل عثمان الأقدمين من أن الذي يقلدهم السيف إنما هو شيخ الطريقة المولوية.

وكان حريصاً على حضور دروس الشيخ إسماعيل الصفايحي لصحيح البخاري لما تميز به الشيخ من دحض شبهات زنادقة العصر على الإسلام وإبطال الآراء التي تنشر في الصحف معارضة للشريعة الإسلامية.

واختار الشيخ الخضر منزلاً قريباً من الباب العالي، وقد طلب منه أحد أهل العلم من الأتراك الذين يحضرون دروسه الوعظية في جامع الفاتح أن يقرأ «تفسير البيضاوي» فأجاب طلبه واستمر في ذلك إلى أن عزم على مغادرة الاستانة.

ففي أول يوم من رمضان سنة 1337هـ غادر الأستانة إلى بالحكس ثم أزمير وأقام نحو عشرين يوماً بها ثم ركب الباخرة إلى ايداليا فجزيرة قبرص فاسكندرونة فطرابلس الشام وشهد اليوم الثاني من أيام عيد الفطر مع بعض أصدقائه من أعيانها ثم انتقل إلى حمص ومنها إلى دمشق الشام.. ومما قاله بسبب كثرة أسفاره وعدم استقراره وضجره في بعض الأحيان منها:

أنا كأس الكريم والأرض ناد ... والمطايا تطوف بي كالسقاة

رب كأس هوت إلى الأرض صدعاً ... بين كف تديرها واللهاة

كما قال مصوراً حاله في دمشق:

كأني دينار ودمشق راحة ... تعودت الانفاق طول حياتها

فكم سمحت بي للنوى عقب النوى... ولم أقض حق الأنس بين سراتها

وبعد استقراره في دمشق عاد إلى إلقاء دروسه الدينية والعربية في المدرسة العثمانية، وهي أكبر مدرسة أهلية بدمشق ثم عينته الحكومة لتدريس صناعة الإنشاء والخطابة بالمدرسة العسكرية كما عينته وزارة المعارف مدرساً للعلوم الدينية بالمدرسة السلطانية.. وهكذا تم تعيينه في ثلاث مدارس في وقت واحد فقام -بعون الله- بوظيفته خير قيام فكان مضرب الأمثال في الجد والمثابرة والحرص على ما ينفع الطلاب والمجتمع الذي يعيش فيه في صبر وصمت واحتساب -رحمه الله-.

وإلى حلقة قادمة بإذن الله

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news