العدد : ١٤٥٧٧ - الاثنين ١٩ فبراير ٢٠١٨ م، الموافق ٠٣ جمادى الآخرة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٥٧٧ - الاثنين ١٩ فبراير ٢٠١٨ م، الموافق ٠٣ جمادى الآخرة ١٤٣٩هـ

الاسلامي

البروفيسور نصر الله مبشر الطرازي (2-3)

بقلم: عبداللطيف الجوهري

الجمعة ٠٩ فبراير ٢٠١٨ - 10:37

أما إبداع عالمنا البروفيسور نصر الله مبشر الطرازي وعطاؤه الفذ في مجالي فهرسة المطبوعات والمخطوطات الشرقية وتدريس اللغات: الفارسية والتركية العثمانية القديمة والحديثة والتركية الأزبكية فلا يمكن تفسيره إلا بعاملين اثنين هما: 1- تعليمه وثقافته. 2- عمله بدار الكتب المصرية.

تلقى العلامة الطرازي الابن تعليمه حتى أتمه في مدارس فرنسية في كابل حاضرة أفغانستان خلال حكم الملك محمد نادر شاه (1883- 1933م) ومن بعده الملك محمد ظاهر شاه (1914-2007م) حيث وصل العلامة الطرازي وبصحبته الطرازي الابن نصر الله إلى كابل مهاجرًا وفارًا بدينه من مطاردة الروس البلاشفة في ذي القعدة 1348هـ الموافق أبريل 1930م في عهد الملك محمد نادرشاه الذي رحب به وأكرم وفادته بعدما أقام العلامة الطرازي وصبيه ورفيق هجرته ابنه نصر الله ضيفًا في مدينة مزار شريف أربعين يوما حيث التقاه والي كابل محمد يعقوب خان، وكان في زيارة للقطاع الشمالي، والذي كتب بدوره للملك وللصدر الأعظم السردار محمد هاشم خان بوجود العلامة الشيخ مبشر الطرازي، الذي تمت دعوته لكابل واحتفى بوصوله وابنه البكر إلى كابل ودعاه الملك لتناول الغداء على مائدته الملكية في قصر (دلكشا) وأقام الوالد والابن في كابل معززين مكرمين، إلى حين قرر الوالد الهجرة بعائلته إلى مصر، وتوجه إليها في (سبتمبر 1949م؛ ليستأذن حكومة مصر للإقامة فيها وتعليم أبنائه في مدارسها وأزهرها الشريف وجامعاتها، وتمت الموافقة على طلبه. وفي 16 من يناير1950م وصلت عائلته إلى مصر، وعُومل العلامة الطرازي معاملة كبار اللاجئين السياسيين، إذْ رتبت له حكومة مصر مرتبًا شهريا وأكرمته، واستقر العلامة الطرازي في القاهرة، وأخذ يعمل لصالح بلده سواء في الأوساط الرسمية وفي جامعة الدول العربية، أو في الإعلام والصحافة المصرية، كما أسس جمعية (اتحاد تركستان) لتحريك قضية تركستان والتعريف بها، كما وُفق هو وإخوانه التركستانيون في إصدار مجلتين في القاهرة: (صوت تركستان) باللغة العربية وكان رئيس تحريرها المناضل إبراهيم واصل، و(تركستان) باللغة التركستانية وكان رئيس تحريرها المناضل محمد أمين إسلامي (انظر «الكتاب التذكاري لندوة العلامة أبي النصر مبشر الطرازي» تعريف بالعلامة الطرازي للبروفيسور نصر الله مبشر الطرازي ص 19 و20-25 و26).

ولولا دراسة الطرازي الابن نصر الله على يد أبيه العلامة الطرازي ورفاقه من العلماء العلوم العربية والشرعية واللغات الشرقية إبان فترة اعتقالهم في أفغانستان إبان الحرب العالمية الثانية لخمس سنوات وشهر وثلاثة أيام، ولولا قدرُ الله تعالى بهجرته مع أبيه وإخوته إلى مصر وإلحاقه بالعمل في دار الكتب المصرية لما كان الطرازي الابن البروفيسور الطرازي أستاذ اللغات الشرقية في الجامعات المصرية وخبير المخطوطات والفهارس الشرقية المحقق في دار الكتب المصرية والمراكز البحثية في مصر والعالم، ولما كان له في تلكم المجالات موقعُه المتفرد، ولَمَا تبوأ تلك المكانةَ الرفيعةَ في تاريخ العلوم وتحقيق التراث الشرقي. 

لقد كان التحول في حياة أستاذنا نصر الله الطرازي كبيرًا وعظيمًا وقد ادخره الله لنصرة دينه وثقافته الإسلامية وخدمة تراث أمته بتحوله عن دراسته وثقافته الفرنسية التي أكب عليها دارسًا طوال سني دراسته في كل مراحلها حتى ألف بها تأليفًا أدبيا، وحصل فيها على دبلومة من جامعة باريس، وقد كتب لنا في هذا الموضوع وتحدث عنه مرتجلاً في احتفالية رابطة الأدب الحديث بالقاهرة بكتابنا «من أعلام الدعاة في أوروبا» برعاية العلامة الدكتور محمد عبدالمنعم خفاجي – رحمه الله -يقول -رحمه الله-: «... وبما أن دراستي فرنسية وثقافتي ثقافة فرنسية وقد حصلت على الدبلوم عن بحث قدمته لجامعة باريس لنيل الدبلوم في اللغة الفرنسية وآدابها تحت عنوان «رسائل مهاجرة» وهي ذكريات عن الوطن، ثم كتبت مسرحية بالفرنسية في خمسة فصول اسمها «رجال جبال بارموس»... وقصة الإسكندر وتأخره في فتح أفغانستان، ونلتُ هذا الدبلوم». ويمضي؛ ليحكي قصة تحوله -بقدر الله- إلى خدمة تراث أمته ودرس وتحقيق المطبوعات والمخطوطات الشرقية وتعليم اللغات الشرقية فيقول: «... ولكنهم يقولون: (رب ضارة نافعة)، وكما يقول ربنا – سبحانه وتعالى: «... وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خيرٌ لكم، وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون» (سورة البقرة -216).

في ضوء هذين العامين المؤثرين في التكوين الثقافي والتعليمي لأستاذنا البروفيسور نصر الله الطرازي يمكن تفسير تميزه في مجالي:- خدمة التراث الإسلامي الشرقي فهرسةً وتحقيقًا، كما يمكن تفسير عطائه المتميز في خدمة اللغات الشرقية الفارسية والتركية العثمانية القديمة والمعاصرة، فضلا عن شاعريته بالعربية وغيرها، الأول منهما: دراسته في جامعة والده العلامة مبشر الطرازي الحسيني إبان فترة الاعتقال في أفغانستان التي امتدت لخمس سنوات وشهر وثلاثة أيام. الثاني منهما: عمله في دار الكتب المصرية لما يزيد على الثلاثين عاما وعمله في حقل تدريس اللغات الشرقية في الجامعات المصرية ومركز تحقيق التراث في جامعة القاهرة.

أولا: في جامعة والده العلامة مبشر الطرازي في المعتقل في أفغانستان، حيث اعتقلت حكومة أفغانستان في عهد الملك ظاهر شاه الشيخ مبشر الطرازي مع خمسة وخمسين رجلا من القادة الميدانيين، بعد اضطلاعه بزعامة جهاد التركستانيين؛ لتحرير بلادهم من احتلال الروس البلاشفة بفتح جبهة من شمال أفغانستان بالتنسيق مع الزعيم الألماني هتلر وبواسطة المجاهد الفلسطيني الحاج أمين الحسيني الذي كان في ألمانيا وقتها وبدعم الحكومة الأفغانية على تدريب الألمان أسرى الحرب التركستانيين الذين أسروا مع الجنود الروس وتسليحهم وإرسالهم إلى أفغانستان للانضمام إلى المجاهدين التركستانيين المقيمين في أفغانستان بزعامة العلامة الطرازي وفتح جبهة ضد الروس من شمال أفغانستان؛ لتحرير تركستان، ولكن على أثر هزيمة الألمان في ستالينجراد وانقلاب ميزان القوى ضد الألمان طالب الروس دولة أفغانستان بتسليم الطرازي وعدد من كبار رجاله.. بَيْدَ أن الحكومة الأفغانية اكتفت باعتقالهم في أبريل سنة 1943م؛ رعاية لمصالحها مع الروس، وظل هذا الاعتقال لمدة خمس سنوات وشهر وثلاثة أيام إلى أن أُفرج عنه وعن رجاله سنة 1948 بقرار من البرلمان الأفغاني. (انظر كتاب قمم إسلامية معاصرة – في الدين والأدب والدولة لكاتب المقال – دار الاعتصام بالقاهرة 1996م ص 53)، وقد كانت فترة صحبة الطرازي الابن نصر الله والده إبان فترة الاعتقال في معتقله السياسي بأفغانستان فرصة ذهبية لدراسة العلوم العربية والشرعية واللغات الشرقية، وهي الدراسة التي أهلته للاضطلاع بدوره للإبداع والتميز في مجالي دراسة وتحقيق المخطوطات وفهرسة التراث الشرقي بدار الكتب المصرية فيما بعد، وقد حكى عن ذلك رحمه الله فقال: يقول ربنا سبحانه وتعالى: «وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون» (البقرة – 216)، فعلا فوجودي في المعتقل مع الوالد لمدة خمس سنوات جعلني (بني آدم) حيث إنني كنت محرومًا من الدراسات الإسلامية، وأخذني وطلب مني أن أتتلمذ على يديه وعلى يد الأساتذة المتخصصين من المعتقلين معنا من المجاهدين؛ لكي أتعلم العلوم الإسلامية بفروعها جميعًا والتاريخ الإسلامي واللغات الشرقية، وهذا كان مكسبا كبيرًا لي، فرحمة الله على الوالد «(حدث في منتدى الأدب – بلابل النيل في واحات النخيل. ص267– عبداللطيف الجوهري -مكتبة الآداب في القاهرة 2005م».

ثانيًا: عمله في دار الكتب المصرية، قد أتاحت له أن يَطِّلع على آلاف كتب التراث المخطوط والمطبوع، ومن خلال عمله في حقل تصنيف وفهرسة التراث الشرقي مخطوطا ومطبوعًا ولإلمامه وإجادته اللغات الشرقية دلف إلى عالم الترجمة والتحقيق، وهناك من الأعلام من عمل في دار الكتب ولم يكبوا على الإفادة من ذخائرها؛ ربما لانشغالهم بالعمل الإداري وربما لكسل ورغبة عن القراءة، ولم يعرف عنهم من أثر خالد في مجالي الفهرسة أو التحقيق والترجمة، كما حكى الرواة عن شاعر النيل الذي عمل قرابة العشرين عاما في دار الكتب المصرية، من عام 1911 حتى إحالته إلى التقاعد ووفاته 1932م، وغيره ممن عملوا في دار الكتب المصرية من ذوي الاسماء اللامعة، أما الطرازي فقد مر بخبرات العمل في دار الكتب المصرية في حقل الفهرسة بدءًا من وظيفة مفهرس فمفهرس أول فرئيس لقسم الفهارس الشرقية، وتمخض عن تلكم الخبرات المتراكمة «إعداد الفهارس الشاملة للكتب والمخطوطات الشرقية في ستة عشر مجلدًا موسوعيا «وفي هذا يقول البروفيسور الطرازي» وهنا أذكر فضل مصر الثاني والكبير، حيث عُيِّنتُ في دار الكتب واطلعت على أكثر من ثلاثة وعشرين ألف كتاب مطبوع ومخطوط؛ لكي أفهرس وأصنف، وبالتالي قرأت هذه الكتب من (الجلدة للجلدة)، وخصوصًا بهدف التصنيف، والتصنيف شيء صعب جدًا، حيث إن لكل علم فروعا وشعبا مختلفة، والأمر يستلزم أن أقرأ الكتاب من أوله إلى آخره، وبالتالي اطلعت على أشياء كثيرة وتعلمت على مكتبي من أغسطس سنة 1951 إلى 1982 حيث أُحلت إلى التقاعد (حدث في منتدى الأدب – بلابل النيل في وحات النخيل – عبداللطيف الجوهري – مكتبة الآداب بالقاهرة ط 1 -2006 م).

ومما تربينا عليهِ وشكَّل وعْيَنا إبَّان الدرس والتَّعلُّمِ أن المدرسة تعطينا مفتاح العلم أما العلم ففي المكتبة بالقراءة والتعلم، وهذا بالضبط ما حدث في مسيرة أستاذنا نصر الله الطرازي الذي عمل عند وصوله إلى مصر عام 1950م مترجمًا في السفارة الأفغانية براتب يُقَدَّرُ بستين جنيهًا مصريا وكانت قيمة الجنيه الورقي حينذاك تفوق قيمة الجنيه الذهبي، بَيْدَ أن والده العلامة مبشر الطرازي أمره أن يتقدم للعمل بدار الكتب المصرية براتب يقدر باثني عشر جنيهًا وكان ذلك راتب من يحمل مؤهلاً عاليًا في وقتذاك، وكان الموقف صعبًا على أستاذنا الطرازي، كيف يدبر أمر معيشة أسرته الصغيرة بذلك الراتب المتواضع فما كان من العلامة الوالد إلا أن ضمَّ أسرة الابن نصر الله إلى بيته الكبير، فصار يعيش في بيت العائلة ولا يحمل همّ مؤونة الطعام ولا الشراب ولا المسكن، (وليس من شك أن عمل أستاذنا في دار الكتب المصرية وتحديدا في مجال كتب التراث الشرقي قد أفاده كثيرًا، الأمر الذي أدرك حكمته في مرحلة متأخرة من عمره المديد، عندما ألزمه والده العلامة مبشر الطرازي أن يعمل بدار الكتب المصرية براتب يقل كثيرا جدا عن الراتب المقرر لوظيفة أخرى في السلك الدبلوماسي في السفارة الأفغانية في القاهرة؛ ولذا قال الطرازي الابن المكرم في حواره الإذاعي والإعلامي الأستاذ محمد الطنبداوي عقب حفل تكريم الجمهورية التركية في قصر السفير التركي بالقاهرة: «إن عملي في دار الكتب هو الذي جعل نصر الله نصرالله») ‭{‬للحق والنهضة والجمال – في الأدب والتربية والثقافية – ط1-ص 265 و266 لكاتب الدراسة القاهرة 2000م‭}‬.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news