العدد : ١٤٨١٩ - الجمعة ١٩ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ صفر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨١٩ - الجمعة ١٩ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ صفر ١٤٤٠هـ

الاسلامي

الدر المنثور في الكتاب المكنون (13)

الجمعة ٠٩ فبراير ٢٠١٨ - 10:36

الشرك والكفر 

يقول أبو حنيفة «قولنا هذا رأي، وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن جاءنا بأحسن من قولنا فهو أولى بالصواب منا» قول الإمام أبي حنيفة هذا يتضمن أمورا جليلة عدة منها: عدم احتكار الحقيقة، الاعتراف بالآخر، والإقرار بسنة التطور، ورحابة صدر لتقبل الرأي الصائب ولو جاء من عند غيره، وهنا يظهر أُولو العزم من الرجال بالانحناء للحقيقة لا للذات، بدلا من إطلاق جُمل فيها شواظ من نار على الخصوم في الفكر والأراء، وبمتابعتي المتواضعة لكل من يُدلي بدلوه في شؤون الدين ويأتي بجديد، ومن دون المساس بجواهر وثوابت الدين، يبدأ الرجم عليه بحجارة من سجيل من كل حدب وصوب، وكأنه كفر بما أُنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، مع انّ العقل الإنساني مهبط الوحي ومكمن الحيوية، ومركز الكونية. وأن دور العلم هو الكشف عن الخطة الإلهية في الكون، والعلم من دون الدين كسيح والدين من دون العلم كفيف، فالعلاقة عضوية مُقررة من لدن العليم الخبير.

لذا سنتحرى معنى مفردة الشِرك والكفر من اللغة، ودلالاتهما في التنزيل الحكيم، ومن ثم انعاكسات الفهم الدقيق لهاتين المفردتين، في حياتنا، وما له من أثر في التعاطي مع الحاضر واستشراف المستقبل، بما ينسجم مع القاعدة التي سطّرها الإمام العالِم أبو حنيفة رضي الله عنه، فالشرك من الفعل الثلاثي «ش ر ك» بمعنى الندية والتكافؤ ومنه جاءت الشركة والشراكة، كما في قوله تعالى «وأشركه في أمري». (طه 32)، وقوله عز وجل: «وهم شركاء في الثلث» (النساء 12) وتمظهر الشرك بمظاهر كثيرة في تثبيت الظواهر الطبيعية والاجتماعية وإضفاء صفة الأبدية لظاهرة ما، والركون إليها والدفاع عنها، لذا من المُستحسن إلقاء الضَوْء على اسم الله «الباقي» وهو أحد اسمائه الحُسنى وكلمة «الدائم» التي تُطلق على البشر، لعلاقتهما الوثيقة بالموضوع، فالدائم هو في حال تغيير مستمرة والعامل الحاسم في التغيير هو الزمن، الذي يفرض سطوته على مظاهر الكون الطبيعية منها والاجتماعية، أما الله فهو الباقي والثابت، خارج الزمان والمكان وتأثيراتهما.

وللشرك نوعان: الشرك الخفي «شِرك الربوبية» من خلال تثبيت مظاهر الطبيعة وحركة التاريخ عند زمن «لحظة» معينة والاعتقاد بثبات الأشياء، بمعنى جعل الطبيعة والظواهر الاجتماعية متكافئة مع الله في الثبات، ما يؤدي إلى الإشراك الخفي برب الناس الذي يتفرد بصفة الثبات ولسان حالهم يُخرج تأثير الزمن وحركته عن تلك الظواهر، وما يكون ذلك إلا لله وحده، فيقع الشرك بجهالة أو بعلم، وجلّاه ربي سبحانه في سورة (يوسف 106) «وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون». وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم «اتقوا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل». والنوع الثاني من الشرك هو الشرك الظاهر «شرك لأُلوهية» وهذا لا يخفى على أحد كعبادة الأصنام، وبعض مظاهر الطبيعة، وتأليه الأفراد، وعبادة الهوى، وتثبيت التشريع، حيث إن التشريع متطور دائمًا «حنيف» ضمن حدود الله تبارك وتعالى «أفرأيت من اتخذ إلاهه هواه...». (الجاثية 23)، وكما قال في (النساء 48): «إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يُشرك بالله فقد افترى إثمًا مُبينا». والعرب قبل البعثة جمعوا بين الشركين الخفي والظاهر، فشركهم الخفي تمثل في تثبيت الوضع القبلي العشائري، ومحاربة التقدم والتطور، أما شركهم الظاهر فكان بالوثنية، ومع هذا لا يقرون بالشرك، حيث إن الشرك لسان وليس لسان مقال.

وبقراءة النص القرآني «قراءة لا تلاوة» نستشف الربط القرآني بين الشرك والثبات، وبين التوحيد والتطور، من خلال ضرب الأمثال التي لا يعيها إلا العلماء، لأن في كل مثل قرآني قانون «وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون». (العنكبوت 43)، ومن تلك الأمثلة التي ضربها الله لنا على الشرك هي المحاورة في سورة الكهف بين الرجلين، الرجل الذي يملك والذي لا يملك، حتى نربط بين الشرك والثبات وعدم القبول بالتطور حسب السُنة الإلهية «واضرب لهم مثلاً رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا.....». (الكهف من الآية 32 إلى 38)، العِبرة من هذا المثل ان الرجل الذي أنعم الله عليه ظن أنّ هذا الوضع يحمل صفة الأبدية والثبات ولا تجري عليه سنن الله في الكون، فقال «وما أظن أن تبيد هذه أبدا». وهو ما أدى به إلى نكران الساعة والبعث واليوم الاخر «وما أظن الساعة قائمة» وتمثل ردَّ صاحبه عليه بموقفين: الأول اتهمه بالكفر، حيث قال «أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سوّاك رجلا» لأنه أنكر قانون التطور والتغيير في الصيرورة مع علمه ان هذا القانون موضوعي، ثم اتهمه بالشرك قائلا: «لكنّا هو الله ربي ولا أُشرك بربي أحدا» ويجب أن نلحظ أن الله ربط الشرك بالظلم «ودخل جنته وهو ظالم لنفسه» وفي (لقمان 13) قال الحق سبحانه وتعالى: «يا بُني لا تُشرك بالله إنّ الشرك لظلم عظيم» وحسب سياق النص، فإن تهمة الإشراك جاءت بسبب إيمانه بثبات جنته وهي إحدى مظاهر هذا الكون، ونفى الطرف الآخر عن نفسه هذه التهمة بإقراره بذلك «ولا أُشرك بربي أحدا» أي لا اجعل صفة الثبات إلا له سبحانه وتعالى علوا كبيرا عن الخضوع لقوانين التطور وتغير الصيرورة، ومن هنا يجب أن يتنبه المسلم أنه لا ثبات في لأشياء والمجتمعات، وكل شيء متحرك قابل للتغيير، ومن هنا أوجد الله لنا العبادات التي هي صلة العبد مع المُطلق وهي ثابتة كطوق نجاة لنا من الوقوع في براثن الشرك. 

الكفر بلسان العرب هو التغطية والستر ونكران الموجود بجهل أو بعلم، والكفر بالمعنى العقائدي هو تغطية وستر للحقيقة ويُعبر عن هذا الموقف بلسان مقال لا بلسان الحال لا كما في الشرك، حيث لم يقل أحد من عرب الجاهلية إنه مشرك لكن لسان حالهم يقول ذلك، فإذا ما قال أحدهم أو أعلن موقفه قولاً فإنه يضيف الى شركه الكفر بحسب النص القرآني في (سورة التوبة 17) «ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أُولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون» بعد الإفصاح علانية عن موقفهم المُخالف «لسان المقال» أصبحوا كافرين علاوة على أنهم مشركون. 

محمد بن عبدالله قبل البعثة «محمد الرجل الإنسان» القُرشي المتحنث في غار حراء كان يرفض واقع قومه من دون أن يكون لديه البديل فجاءه الوحي مُقدمًا له البديل مصداقًا لقوله تعالى في سورة (يوسف 3): «نحن نقُص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين» ومن باب التأكيد كذلك قال الله في سورة (الشورى 52): «وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان...» ومن هذا نفهم أن الرفض في اي مجتمع يسبق وجود البديل وبالتالي ينقسم الناس فرقًا وجماعات إزاء الجديد القادم، فمع حالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم انشطر الناس إلى ثلاث فِرق: منهم من آمن به «هؤلاء هم المؤمنون» ومنهم لم يؤمن ولم يُفصح عن ذلك قولاً «هؤلاء هم المشركون» ومنهم لم يؤمن وجهر بعدم إيمانه هؤلاء هم المشركون الكافرون».

وهذه الطائفة الثالثة الجامعة بين لسان الحال ولسان المقال تم التعبير عنه بوضوح كبير وصراحة لا تحتاج معها إلى مزيد من التوضيح بسبب إشهار القول بالكفر، كما في سورة (مريم 17) «لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم...» لنلاحظ كلمة «قالوا» قُضي الأمر بالكفر نتيجة قولهم الصريح، وأيضًا قوله تعالى: «لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة..» (المائدة 73). ولا نغفل عن قول الذي آتاه المُلك مع إبراهيم حين قال «أنا أُحيي وأُميت» فقال له سيدنا إبراهيم «فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأتِ بها من المغرب «الجواب» فبُهت الذي كفر وليس الذي أشرك».

وختامًا لا نجد في الكتاب الكريم كله إلا آية واحدة تقول «وقال الذين أشركوا» (النحل 35)، لأن الشرك دائما يكون لسان حال غير مُعبر عنه قولاً صريحًا، وآية واحدة تتحدث بصيغة المستقبل «سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرّمنا من شيء وكذلك كذَب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون» سورة (الأنعام 148). فجزى الله عنا خيرا كل من أعمل النظر في القرآن الكريم مجتهدا، فالنهضة مرهونة بنظرة إلى الأمام ولفتة إلى الوراء، حيث التاريخ والتراث وأضافة على المُنجز، وهذا لن يتأتى إلا بوضع قاعدة الإمام أبو حنيفة نصب أعيننا، وتحويلها إلى سلوك مُعاش، وليس نظرية نلوكها بألسنتنا وعند أول اختبار نلفظها، وكلنا يعي أنه لن تتماسك بُنية تتزلزل فيها قواعد الأخلاق والاعتراف لأصحاب الفضل بفضلهم هو عين الأخلاق.

عاطف الصبيحي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news