العدد : ١٤٥٨١ - الجمعة ٢٣ فبراير ٢٠١٨ م، الموافق ٠٧ جمادى الآخرة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٥٨١ - الجمعة ٢٣ فبراير ٢٠١٨ م، الموافق ٠٧ جمادى الآخرة ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

بين الحرية والديمقراطية

بقلم: د. محمد العباسي {

الجمعة ٠٩ فبراير ٢٠١٨ - 01:20

مصطلح «أنا حر» يبدو في ظاهره أن قائله يؤمن بمفهوم الحرية.. رغم يقين أغلب المثقفين وعلماء الاجتماع أن مفهوما كهذا هو «عبارة ذات حدّين»: فإما أن نعيش الحرية بطريقة إيجابية وندرك كيف نستغل هذه الحرية ونتحرّر من قيود معيّنة تعود بالفائدة على المجتمع، وإمّا أن نعيشها بطريقة سلبيّة لدرجة «الفلتان» والإساءة إلى المجتمع. فالرجل في مجتمعنا الشرقي يردد «أنا حر» بمعنى أنه لا يجب محاسبته على أفعاله غير المقبولة وربما غير السوية، بحسب العادات والتقاليد المجتمعية والدينية.. مع أن المنطق يقول إن كل الأعراف المتفق على كونها غير انضباطية ومخالفة للمفاهيم المجتمعية هي في واقع الأمر تخالف مفهوم الحرية ذاتها.. غير أنه في ذات الوقت يبدو أن الرأي العام يتفق على أن حرية الفرد تنتهي عند خط التعدي على حرية وحقوق الآخرين.

إن مفهوم الحرية هو مفهوم واسع وكذلك مبدأ التحرر، ومهما اختلفت النظرة إلى ممارستها فهناك مبدأ واحد: ما من حرية مطلقة، بل هي ممارسة نسبيّة تِبعاً لعوامل متعددة وأهمها نظام المجتمع الذي يعيش فيه الفرد والتربية وخليط من العادات والتقاليد والممارسات المتفق عليها، وهكذا.

فمن حيث الظاهر بل الواضح، أننا منذ الولادة، نحن لسنا أحرارا.. فليس لنا خيار فيمن ننتسب إليهم من أهل وعشيرة.. لا نختار أسماءنا ولا لون بشرتنا ولا ديننا ولا مذهبنا.. لا نتحكم في مصائرنا ولا يد لنا في تربيتنا ولا نشأتنا.. والمجتمع الذي نولد فيه يقوقعنا في إطار المكانة الاجتماعية لأسرتنا.. وبالحظ المحض يكون بعضنا من أولاد «الذوات» وآخرون من التعساء.. حتى نوعية المهن التي يمتهنها أهلنا تلبسنا أثوابا مجتمعية، فإما نكون من خيرة المجتمع أو من أدنى ما في قاع المجتمع.. فأين الحرية في ظل هذه التقاليد المجتمعية المجحفة التي تحكمنا منذ نشأتنا؟ 

قد يجادل البعض بأن الحرية الشخصية إنما نكتسبها مع الوقت.. رغم أننا لم نختر أبسط الأمور المتعلقة بكينونتنا.. لم نختر الأهل أو الاسم أو  المدرسة وحتى هناك البعض من لم يختر احيانا حتى التخصص الجامعي.. ولكن في الواقع، إن الحرية هي نوع من الممارسة والإدراك يوم يصبح في أيدينا الحق في اتخاذ أي قرار وفي أي مجال كان، سياسياً أو عملياً أو شخصياً. وسواء على الصعيد الشخصي أم المجتمعي ككل، فلا بد لنا أن ندرك كيف نعيش ونمارس هذه الحرية بشكل صحيح ونتحرر كي لا نخطئ بحق ذاتنا وبالتالي بحق كل من يحيط بنا.. فإن الحرية إذًا تنطلق من الذات لتنعكس على الآخر.

من هنا تتكون أهمية معرفة كيفية استغلال الحرية بالشكل الصحيح من أجل التطوير الذاتي من جهة، والمجتمعي من جهة أخرى، والتمكن من التحرر من قيود عديدة فرضتها السياسة أو المجتمع ذاته وإن كان مفهوم الديمقراطيّة وحرية التعبير هما السائدان في الشكل، ولكن ليس بالضرورة في المضمون.. لذا يصبح لزاماً علينا أن نفهم في البداية معنى الحرية والتحرر؟ كيف لنا أن نستغل الحرية بالشكل الصحيح؟ ماذا عن ممارسة التحرر من دون التعرض لمبادئ المجتمع أو الإساءة إلى طبيعة المجتمع؟ وماذا عن الانعكاس النفسي لطريقة ممارسة هذه الحرية المكتسبة ومن ثم ممارسة التحرر؟

إن كانت الحرية هي من أهم الحقوق الفردية التي يقرّها مبدأ حقوق الإنسان، فلا بد إذًا لضمان هذا الحق أن يكون الفرد في مجتمع يقر بمبدأ حقوق أفراده.. ومن ثم يكون هذا التكوين المجتمعي جزءا من دولة ديمقراطية مبنية على مؤسسات تتجاوز أهواء السلطات وقادة العشائر وأرباب الأسر.. لا بد أن يكون من حق الأفراد أن تكون لهم خيارات مستقلة عنهم.. أما عندما يكون الحاكم الفرد هو الدولة، وشروط التقاليد وحيثيات الدين والمذهب هي المبدأ المهيمن، فآنذاك، يصبح الحديث عن حقوق الإنسان كلاما فارغاً.. لأن إرادة ذلك الحاكم الفرد وسلطته ورأيه تحول الدولة إلى سلطة اعتباطية مشلولة مطبوعة بعقلية هذا الحاكم الفرد مع معاونيه من حزبيين أو مرتزقة وأصحاب المصالح.. ولن يكون لمبدأ التطور وممارسة الحرية مكان ضمن دائرة المنفعة التي تصب فقط في مصلحة المتحكمين في المجتمع.

فإن آمنا بأن ممارسة الحرية الشخصية هي ممارسة ديمقراطية وحق إنساني واجب، فكيف إذن نمارس هذه الحرية في الإطار المتعارف عليه لمفهوم الديمقراطية.. حيث إن الديمقراطية من حيث الممارسة الفعلية هي حكم الأغلبية وفرض إرادتها على دفة شؤون المجتمع وأفراد المجتمع.. أي أنه لا مكان للممارسات الفردية والحرية الشخصية إلا في إطار ما تحدده الأغلبية.

فإعلان حقوق الإنسان هو الطرف الآخر في معادلة التساوي بين المواطنين والحفاظ على كرامتهم والدفاع عن حقوق الأقليات التي لا تشارك بدور كبير  في الحكم ولا يكون لها الدور الأبرز في سن القوانين والتشريعات وتنفيذ الأحكام. فميثاق حقوق الإنسان يجب أن يضع حدوداً لسيطرة الأغلبية التي قد تجنح إلى التسلط والاستبداد باسم شرعية الأغلبية الدستورية. ويجب على مبدأ حقوق الإنسان وممارسة الديمقراطية أن يكونا متلازمين ومتممين لبعضهما بعضا.

لقد تعلمنا فقط مفردات الديمقراطية النظرية من دون تطبيقاتها العملية اليومية.. حيث تحولت الديمقراطية إلى مجرد ممارسة الانتخابات.. تحولت إلى مهرجانات دعائية بعيدة كل البعد عن التعددية الحزبية وللدفاع عن الحقوق الفردية.. أصبح مفهوم الديمقراطية محصوراً في كسب الأصوات بأي شكل كان حتى إن كانت الممارسات غير نزيهة وفيها الكثير من الغش وشراء الأصوات.. حتى أصبحت برلماناتنا منابر للمناكفات التي لا علاقة لها بترسيخ الحقوق ولا الدفاع عن مصالح أفراد المجتمع ورفاهيتهم.. وضاعت مع هذه الديمقراطيات الممسوخة كل معاني الحريات ومبادئ حقوق الإنسان المرجوة من نشأتها في الأساس.

الديمقراطية هي أسلوب في الحكم وهي جزء ملازم من حقوق الإنسان وحريته. فالديمقراطية ليست غاية في ذاتها بل هي «وسيلة» أفضل من غيرها لتسيير دفة الحياة والعيش بسلام ضمن حدود معقولة. الغاية هي في حياة وكرامة الإنسان وحرياته وتحرره وخياراته. الحرية غاية في ذاتها نابعة من وجود الإنسان كإنسان.. الحرية هي ركيزة كل سياسة وكل نظام إنساني. على الديمقراطية أن تتيح للحريات، مثل حرية العقيدة وحرية الفكر، أجواء واسعة للتعايش مع حرية الآخرين بأقل ما يمكن من الصراعات والتناقضات. طريق الحرية متمم للديمقراطية وهو طريق شاق وصعب من الناحية التطبيقية لشعوب لم يتيسر لها السير فيه طويلاً. طريق الحرية والديمقراطية هو أطول طريق بين نقطتين، لأنه يحتاج إلى وقت ونقاش وتنازلات للوصول إلى حلول معقولة وعادلة لجميع المواطنين.

لقد أصبحت الحرية والديمقراطية في عصرنا التكنولوجي من أكثر المصطلحات تداولاً وتناقلاً بين أفراد المجتمعات على اختلاف ثقافاتهم وأفكارهم وارتباطاتهم الدينية والدنيوية، حيث إن الحرية مطلب أساسي ومهم، ولا يمكن الاستغناء عنه، فكانت المطالبة بالحرية سبب قيام العديد من الثورات حول العالم، مثل: ثورة الجزائر، والثورة الفلسطينية، والثورة الفرنسية والكثير من الثورات العمالية حول العالم. وتتفق الدراسات الحديثة على أن النظام الديمقراطي في بلدٍ ما لا يمكن أن يُقام إلا في ظل جو تسوده الحرية الدينية والسياسية والفكرية، إلا أن مصطلح الديمقراطية ومصطلح الحرية وُضِعا في دائرة جدلية؛ لأن مفهومهما بقي متعدداً ومُختلَفاً فيه.

لقد استخدمت كلمة الحرية عبر التاريخ للتعبير عن معانٍ مختلفة، ففي العصور القديمة كان معنى الحرية عدم الاسترقاق أو الاستعباد؛ أي ان لكل فرد في المجتمع الحق في الحياة والحرية.. ومن المعاني الأخرى التي انتشرت هي التحرر من القيود والالتزامات الاجتماعية من دون تدخل الآخرين.. أما المعنى الذي ارتبط بتجارب شعوب وقارات آسيا، وافريقيا، وأمريكا اللاتينية بسبب الاستعمار الأوروبي فهو الاستقلال، وتقرير المصير، والتخلص من القوى الاستعمارية الظالمة والمستبدة، وحصول الشعوب على السيادة التامة في بلادها.

 ويرتبط مفهوم الحرية في العصر الحديث ارتباطاً وثيقاً بالدستور المتبع في الدولة، فالحرية هي مجموعة الحقوق الأساسية التي يجب أن تُقَدمها الدولة للفرد، بحسب ما نصَّ عليه الدستور والإعلان العالمي، مع ضرورة الحفاظ على كرامة المواطنين وحمايتهم من أيّ انتهاك أو ظلم أو قمع من الأفراد أو السلطات أو الجماعات المتطرفة، مع ضرورة التزام أفراد المجتمع بعدم الإضرار أو التعدي على حقوق الآخرين.

ومن أكثر المفاهيم المنتشرة في عصرنا الحاضر حول مصطلح الديمقراطية هو «حكم الشعب بالشعب ومن أجل الشعب»، حيث تتكون كلمة الديمقراطية من مقطعين يونانيين هما (ديموس) أي الشعب و(كراتوس) أي الحكم، وبجمع المقطعين يتكون لدينا مفهوم «حكم الشعب»، ونعني بحكم الشعب أن يختار أفراد المجتمع السلطات الحاكمة في الدولة التي تَحكُمه، مع ضمان السيطرة الشعبية على الحكومة المنتخبة. الديمقراطية هي حكم سياسي يقوم على أساس حكم الغالبية في المجتمع، مع ضمان حماية حقوق وحريات الأقليات والأفراد، والتداول السلمي للفئات والسلطات الحاكمة في البلاد.

وقد بات لزاماً على كل دولة، كما أوصت هيئة الأمم المتحدة، أن تشرع إعلانا مفصلا لحقوق الإنسان يوضح ما ورد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وغيرها من الإعلانات العالمية. تلحق هذه المواثيق بالدستور وتصبح جزءا منه، وبهذا يكون المرجع الأول لكل القوانين اللاحقة في الدولة. ولكي تنمو مفاهيم الديمقراطية في عقول الشبيبة يجب تعليمهم، في كل مراحل الدراسة، مواثيق حقوق الإنسان ودراسات مقارنة لأهم الديمقراطيات في تطورها التاريخي، لتكون مرجعا أساسيا في السلوك الاجتماعي للأجيال القادمة في وطننا العربي. حينها فقط تستوي المفاهيم القويمة لمصطلح الحرية سواء كانت ممارسة فردية أو مجتمعية.. سيتعلم وسيقبل حينها الفرد ثقافة ممارسة الحرية في ظل قيود مقبولة وعادلة ومنطقية.. وستتحول الممارسات السياسية والخيارات الديمقراطية إلى أدوات بناء نحو حياة أمثل.

 

‭{‬ أكاديمي بحريني متقاعد

mazeej@gmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news