العدد : ١٤٦٦٩ - الثلاثاء ٢٢ مايو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٦ رمضان ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٦٦٩ - الثلاثاء ٢٢ مايو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٦ رمضان ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

محنة الأمة العربية.. إلى أين؟ (1-2)

بقلم: حسن علي البنفلاح

الأربعاء ٠٧ فبراير ٢٠١٨ - 01:30

كتب الأستاذ السيد زهره في أخبار الخليج ضمن مقالين متتابعين عن محنة الأمة العربية.. وتساءل: إلى متى ستبقى صورة حالة الأمة كئيبة ترفض الحياة؟ وتمنى من خلال موضوعه المطروح هذا أن تقف الأمة بين الحين والآخر لتتأمل صورتها العامة وأحوالها البائسة بين معظم شعوب العالم التي عرفت طريق النهضة ومسار التطور ومجال التقدم سالكة الطريق الصحيح وهي واثقة من نفسها في تحقيق أفضل النتائج في كل قطاعات معيشتها لتضع نفسها على خط سباق دولي حميم يحثّ على لمّ الشمل والسعي نحو التعاون والاتحاد لأن ذلك يمثل قوة في يومنا الحاضر، به تتحقق الأهداف الطموحة من أجل بلدان قوية تسعى نحو الرقي الذي يمنحها رقما ذا شأن عظيم على مستوى العالم المتقدم، وهي بهذا مدركة مدى أهمية عنصر الزمن الذي يمر مر السحاب من دون أن يرحم العاجز الكسول الذي لا يستطيع أن يلحق به من أجل تحقيق الإنجازات وإنجاز الأهداف وخلق الشخصية الطموحة المطمئنة التي تحقق لأصحابها العيش الآمن المطمئن السعيد.

طرح الأستاذ السيد عدة تساؤلات عن الحالة الراهنة التي تعيش فيها الأمة العربية، ولفّ معظم أسئلته بطابع التعجب والاستغراب! وكأن صاحبها -أي السيد- لم يدرك حتى هذه اللحظة جذور هذه النكبة ونوعية أسباب تلبد غيوم سمائها ومنبع أمراضها وعللها، حيث ركزت أسئلة الأخ السيد على: ماذا جرى للوطن العربي في السنوات الماضية بل الحالية ولا تزال ماضية؟ كما يسأل: لماذا تبدو الأمة عاجزة وقليلة الحيلة في الدفاع عن الأوطان والحقوق؟ وما الذي ينقص الأمة بالضبط كي توقف الدائرة الجهنمية من الدمار لبلدانها وتحمي أوطانها؟ ثم اختتم أسئلته واستفساراته المتعددة بالسؤال التالي: هل هذا هو قدر الأمة الحتمي؟ وقد استغاث بالجميع لكي يقدموا فكرهم بالاجتهاد معه في تقديم إجابات عن تساؤلاته المصيرية، لعل أن يكون في بعضها ما يريح القلب ويهدئ النفس ويجلو الكآبة ويمحو التشاؤم ويؤطر لأمل قادم في مستقبل قريب.

سأحاول في هذا المقال أن أكوّن بعض الأجوبة على ما أثاره الأخ الكريم كمواطن عربي يحب ويقدّر ويفتخر بماضي وحاضر ومستقبل أمته العربية. متمنيا لها الخير والصلاح على الدوام، وأرجو أن تكون مساهمتي المتواضعة هذه إيجابية معززة بشعور وطني عربي فياض يتحسس مقاصد ما طرحه السيد زهره في محاولاته واجتهاداته لوضع الأمور في مسارها الواقعي ومآلها المنطقي كأسباب خذلت الأمة وجعلتها ألعوبة في أيدي الآخرين أيا كان حجمهم أو قوتهم أو نظرتهم. ولنبدأ بسبب حقيقي واقعي يمثل وجهة نظر لم يتطرق إليها السيد مع احترامي وتقديري لجهوده الكتابية التحليلية التي عكس فيها أزمة أمة قد تطول وتطول.

يقول السيد إن نقطة الانطلاق الكبرى لبداية النكبة هي غزو واحتلال العراق الذي أرسى -كما يقول- أسس أخطر ثلاث نكبات فرعية شهدتها المنطقة العربية، أحدها وأشدها خطرا كما يقول هي إطلاق الطائفية لتكون بداية تدمير الدولة الوطنية العربية التي أحسبها من وجهة نظري لم توجد على الإطلاق طوال تاريخ الأمة العربية من شرقها حتى غربها، فكيف يراد لها أن تكون اليوم وطنية! فالوطنية لا تأتي إلا بتوافر قواعد مبدئية تكاد تكون مطبقة في معظم بلدان العالم ولكنها مع الأسف مفقودة في عالمنا العربي. فما نراه اليوم عبارة عن صورة تكاد تكون لغزا محيرا يعجز العقل والفكر السليم أن يجد له حلا ناجعا. فالنكبة الحقيقية برأيي بدأت معالمها حين انكسر المبدأ وطمست القيم العظيمة التي نادى بها ديننا الحنيف تمثلت بغزو دولة عربية كبرى لجارتها العربية عام 1990 واحتلال أرضها بالقوة المفرطة، كانت هذه النقطة تمثل في رأيي بداية انطلاق حالة اختلال الميزان في أنحاء الأمة العربية التي حددت لها مستقبل الأيام التي تلتها، والمؤلم حقا أننا إذا تكلمنا عن حالة العالم العربي سلبا فإننا دائما ما نلوم الغرب أو الآخرين، مع أنه من المفترض أن نلوم أنفسنا قبل غيرنا، فنحن جل العرب نعتبر فكرنا على مختلف الأصعدة والمستويات سبب أزمتنا ونكبة أحوالنا وعائق تقدمنا ووهن همتنا، وقد يقول القائل، كيف؟ وعلى أي أساس بنيت هذا؟

وجوابي هو أنه من النواحي السياسية والأمنية والأخلاقية وهو الأهم لا أعتقد أن هناك اثنين في العالم العربي يختلفان في الرأي أن غزو صدام حسين للكويت سنة 1990 كان النكبة الكبرى للعالم العربي باعتباره بداية انطلاق اختلال الفكر العقلاني السليم، وتقلص الشعور الوطني الأخلاقي النابض بالحياة نحو مستقبل عربي موحد يملؤه الأمل في قيام تكتل وتكامل سياسي واقتصادي وأمني بين الأقطار العربية، وعندما جاء هذا الغزو المفاجئ المحبط بدد كل الآمال المتفائلة وأحل مكانها شعور التشاؤم والخيبة وخاصة عندما توالت الأحداث الحزينة لتقسّم العالم العربي بين مؤيد للغزو وبين رافض له، عندها هلل الغرب والصهاينة وأعداء الأمة جميعا لهذا الانقسام وبدأت بوادر التدخل الاستعماري البغيض تظهر من جديد لتبدأ ملامح أزمة كبرى نحو أمة عربية ضعيفة ومتقوقعة في حدودها ضمن محيط مشاكلها التي لا تنتهي، ولتكون الحالة الحزينة التي عاشها العالم العربي أيام الأزمة نقطة ارتكاز في الفكر العالمي الاستعماري الذي سعى بكل قوته وجبروته لينهش في لحم هذه الأمة لأنها آنذاك أصبحت لقمة سائغة لمن يريد النيل منها وتحقيق المكاسب الرخيصة على حساب أمن شعوبها.

إن غزو الكويت يعتبر النقطة السوداء التي ستظل تطارد الشعور القومي والوطني لكل دول العالم العربي، لأنها ببساطة حولت القناعات المبدئية بالوحدة والتضامن والتعاضد بين دول الأمة إلى آلام مرضية، وشعور وطني منكسر ومنهزم نفسيا، وتحول الأمل إلى يأس مشبع بالإحباط.

فالذاكرة لا تنسى أنه في خضم هذه الحالة الكئيبة نجحت بعض الدول والقوى الإقليمية والأجنبية نجاحا كبيرا في تدمير وتمزيق بنية فكر الأمة العربية في مجالات كثيرة كان أهمها وأعظمها قدسية أمنها وسلامة أراضيها ووحدة كلمتها وقوة شعورها القومي الوطني، حتى وصل الأمر إلى التشكيك في سلامة وصحة دينها القائم على السلام والعدل ورسالة الإيمان العظيمة المتمثلة في القرآن الكريم المحفوظ في قلوب المؤمنين الصادقين المخلصين. إن الشعور العربي الوطني الأصيل يجب أن تُؤَطّر مناهجه لكل الأجيال ليخلق في نفوسهم العزة والكرامة وقدسية الانتماء إلى أمة كرمها الله في كتابه المقدس.

وللعلم فإن قرار الرئيس الأمريكي رونالد ترامب الأخير اعتبار القدس عاصمة للكيان الصهيوني، وتوجه إدارة حكومته إلى نقل السفارة الأمريكية إلى القدس ما هو إلّا إحدى الخطوات الصادمة من خطوات كثر تعوّد عليها العالم العربي بشرقه وغربه بدأت بوعد بلفور عام 1917م، مرورا باتفاقية سايكس – بيكو، وأكثر الاحتمالات أنها لن تنتهي بقرار ترامب الأخير مادامت الأمة العربية تجتر مآسيها الواحدة تلو الأخرى من دون حراك ومن دون النظر إلى ما يحيط بها من مخاطر تتربص بحاضرها ومستقبلها. وليس ببعيد أن تتوالى الصدمات المفاجئة لهذه الأمة وهي غارقة في حروب لا تنتهي وخلافات لا تحل. ورغم أنها جزء مهم من العالم المتحضر فإن هذا العالم اسقطها من الحسابات الدولية عندما يتداول مناقشة موضوعات واتفاقيات دولية ذات علاقة بمصالحه ومستقبله، والمثال القريب على ذلك الاتفاق النووي الذي تم بين الدول الكبرى (5+1) وإيران، واعتراف دولة صغيرة من دول أمريكا اللاتينية بالقدس عاصمة لإسرائيل تبعا لخطى أمريكا وهي ضامنة غياب ردود الفعل العربية.

أخيرا لقد تساءل الأخ السيد زهره في مقاليه حول محنة الأمة العربية بكلمتَي.. (إلى متى)؟ ولكني اخترت بديلا عنهما وحول نفس المحنة كلمتَي.. (إلى أين)؟ فإلى متى؟ تعني زمانا وتاريخا لا يُعْرف كنههما ولا مداهما، أما إلى أين؟ فلربما تعطي بصيصا من الأمل في تغيير المسار وتصحيح التوجه.

https://halbinfalah.wordpress.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news