العدد : ١٤٥٧٦ - الأحد ١٨ فبراير ٢٠١٨ م، الموافق ٠٢ جمادى الآخرة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٥٧٦ - الأحد ١٨ فبراير ٢٠١٨ م، الموافق ٠٢ جمادى الآخرة ١٤٣٩هـ

الثقافي

صلاة الوحشة.. تحية إلى روح فوزية الكوفي

نص: فضيلة الموسوي

السبت ٠٣ فبراير ٢٠١٨ - 10:25

- «هل تسمحان لي بالمرور»؟

وقطَعَ الطريق من أمامهما. 

* * *

عباءة يملؤها الهواء بالفرح الجديد. تكشف قليلا عن جدائل أنيقة. للمدرسة مشوار مقدَّس برفقة الصديقة الحميمة. تعرفها كل المسافات القصيَّة من فرط الإخلاص. تعرف الضحكة الصافية والخطوة المؤجلة.

نفس الهواء ينحسر من الرئتين ويجمِّد العيون المحدِّقة في الفراغ بلا هدف. «واحفظني قائما وقاعدا ويقظانا وراقدا». 

دم يعيث بسموم راكضة في الأوردة، نازلا، طالعا، مهرولا، مخربا، طاعنا، جارحا، قاتلا..

متباهيا بانتصاراته الخاسرة.

«وعافها عافية كافية شافية عالية نامية».

جُثَّة ضامرة في ثنايا الكفن لامرأة ارتضت بالكفاف، اتَّشحت بالحياء، وأقصى توسلاتها: سرا لا يُهتك، عيبا لا يُجهر، وأملا لا يصغر. «وابثُّك من سرِّه ما أنت أعلم منه خضوعا».

طوت أحزانها، لملمت جراحها خجلا من رجاء لا يلوي على أمل، «سبحانك سبَّحت في الأعلى تسمع وترى ما تحت الثرى».

رحلت بلا وصيَّة ولا ضجَّة. 

ثملا بنخب الدموع، يتقافز على شواهد القبور مزهوّا، هائلا، مهولا، هادرا، ممتشقا رهبة العدم. 

«سبحانك اللهم وحنانيت وتعاليت». 

آه.. متى يكُّف عن أن يكون موتا؟

اسم وطيف، 

ربما يعيدا شيئا من كينونة نتشبَّث بها مليَّا لئلا تتلاشى في هوى النسيان.. «جاعل الملائكة رسلا أُولي أجنحة مثنى وثلاث». كلما صدَّقنا أنها في سديم البرزخ، تعلَّقنا بيأس، بآخر رمق من ذاكرة الحياة. تحضر بكل التفاصيل في الزقاق الأثير المكتظّ بخطوات قديمة، منذ وطر الطفولة، صداقة البحر، وأراجيح الضحك.

- «هل تسمحان لي بالمرور»؟ 

 وقطَعَ الطريق من أمامهما. 

في دالية النخيل وليمة كلام، ومطاردة ذكريات ضاربة في الضلوع، عصيَّة على النسيان. «وخفقت لها الرياح في جريانها وخمدت لها النيران». انكسر العمر، واحتشدت الفجيعة، وصهلت الروح على جادَّة الغروب. «صلاة تبيِّض بها وجهه وتقرُّ بها عينه»، قبل النجمة الأولى.

- «هل تسمحان لي بالمرور»؟ 

 وقطَعَ الطريق من أمامهما. 

صاخب طيفها. يكاد يتجلَّى واقعا، واقفا هناك في زحمة السواد، «الذين يؤتون ما أتوا وقلوبهم وجِلة». كلما اشتد الصراخ والعويل التفتُ بحثا عنها، فأجدها تحمل أكواب الشاي، للمعزيات، تُبلِّل مرارة الفقد بحلاوة القند.. «وأوردنا حوضَه واسقنا بكأسِه».

هالة نور تمسح غمام القلوب، تواصل الضيافة، تواسي الأفئدة المتكسرِّة على الكراسي، «واجعلني في كل حالاتي محفوظا مكلوءا ممنوعا معاذا مجارا». تتجاوز مُنشدة العزاء المعفَّرة بالكرب الكربلائي كي تقوم بالدور على أكمل حزن، من لحن جنائزي يسحل شغاف القلب. «الحمد لله الذي تسربل بالبقاء». 

لها كل الشَّجن الأزلي وهي تهيِّء المكان وتؤثّثه بالحسرة للقادم من غدر الأيام. 

«كيف تعذّبني سيدي وحبُّك في قلبي». سيدة المشهد، تتشاغل عنا بترتيب أجزاء القرآن المقروءة على الروح المهيضة. «واحللني بحبوحة جنَّتك»، صدقات وهدايا، وفاء ورحمة واسعة من كريم مغفرته، «سبحانك ذي الجلال الباذخ العظيم». الفاتحة وسورة الرحيل «والحمد حقّه كما يستحُّقه كثيرا». 

«وهب لي يوم الثلاثاء ثلاثا».. قلبا ينزُّ صبرا، فمًا يقطر صمتا، وبابا يفتح المدى والصدى. «أمسيت على عهدك ووعدك ما استطعت».

يا واهبة الفرح، يا حاضنة السِّر، يا فضَّة القمر، «هل أنت على العهد الذي فارقتنا عليه» من السلام على الأرواح التي ازدحمت في طريق الرحمة؟.. التي لم تكمل الحلم، التي لم تنجز البنفسج، التي ارتفعت للشهادة بلا صلاة ولا جنازة، التي بايعت الحرية، الأرواح التي هجَّت إلى غربة المنافي، والأحباب الذين على جوارك، كلما زرناك انسكبوا من كأس النسيان واندلقوا سريعا على أرجوحة الحنين، ولو إلى حين. 

- «هل تسمحان لي بالمرور»؟ 

 وقطَعَ الطريق من أمامهما. 

من سواد النعي يستنشقون المشموم ويشربون ماء العصافير، يتنفسون بخورا يصد الجن، يرممون عظامهم قبل أن يلتهمها جشع التراب، يستظلون بشجر الرحمة، يثرثرون مع الأحبة، يتناوبون معهم في قراءة كهيعص. وفي كل هذه الأنحاء، تتجول قصيدة عرجاء، مازالت ترتل الشموع وتجترح الشواهد الناتئة بزخرف الفقد.

تطالعنا، قالت له وهي تلكزني وترسم بسمة على قلبي، وتكتم ضحكة خجولة لمراهقتين:

- تفضل، لك كل الطريق.

* * *

ملاحظة: بين التنصيص أدعية مأثورة

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news