العدد : ١٤٨٢٤ - الأربعاء ٢٤ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٥ صفر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٢٤ - الأربعاء ٢٤ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٥ صفر ١٤٤٠هـ

الاسلامي

الإمام محمد الخضر حسين.. التونسي الذي رفعه علمه وجهاده إلى مشيخة الأزهر (12)

بقلم: د. غريب جمعة

الجمعة ٠٢ فبراير ٢٠١٨ - 11:46

محنة السجن في عهد جمال باشا السفاح:

كانت حياة الإمام في جميع مراحلها حياة جهاد من أجل الإسلام الذي آمن به وبدعوته

المرحلة السورية (4)

وأحب أن يكون في صدر حياته من الذين قال الله فيهم: «إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ» (فصلت: 30) فاستقام على طريق الله بعلم وحزم وحكمة ويقين، فإذا تعارضت مصلحة الدين مع مصلحة الدنيا أمامه آثر مصلحة الدين على مصلحة الدنيا ومضى على ذلك في حياته المباركة، فكان من أولياء الله أي من أنصاره، والولاية هنا هي النصرة، لا يرده عن ذلك رد راد ولا يصده صد صاد ولا يحيك فيه لوم لائم.

وقد جرت سنة الله أن يأخذ بيد من ينصر دعوته وسنته في الأرض وينصره نصرًا مؤزرًا مصداقًا لقوله تعالى «وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ» (الروم: 47).

وحياة الجهاد محفوفة دائمًا بالمحن والشدائد والأذى ليميز الله الخبيث من الطيب.

ولكن الرجولة الحقة التي بثها الدين بين جوانحه جعلت منه مظهرًا من مظاهر البطولة الصادقة، والتضحية النبيلة، فقد وهبه الله إيمانًا لا تزعزعه الشدائد وصبرًا جميلاً على المكاره وعملاً دائبًا في نصرة الحق والدين، وتطلعًا إلى المثل العليا وهيامًا بمعالي الأمور وترفعًا عن صغارها وسفاسفها. وعلى الرغم من اعتدال الرجل واتزانه وحكمته فقد أصابه شواظ من شرور السفاح الجنكيزي التركي أحمد جمال باشا حاكم سوريا في ذلك الوقت الذي لم يسلم فيه فاضل من شروره. لقد كان ذلك الشواظ هو صدور الأوامر باعتقاله في شهر رمضان عام 1334هـ الموافق أغسطس 1916م. وقدم للمحاكمة أمام المجلس العرفي العسكري برئاسة فخري باشا وطلب المدعي العام من هيئة المحكمة إنزال عقوبة الإعدام به وهي ولا شك أقصى عقوبة.

وقد استمرت فترة الاعتقال ستة أشهر وأربعة عشر يومًا في (خان مردم بك) وهو مكان مخصص لاعتقال رجال السياسة في عهد جمال باشا وكان من رفاقه في السجن السيد شكري القوتلي الذي شغل منصب رئيس الجمهورية السورية فيما بعد، وفارس الخوري الذي أصبح رئيسًا للوزراء في لبنان، وسعد بك الملا الذي كان رفيقًا للإمام في زنزانة واحدة، وقد أصبح رئيسًا للوزارة في لبنان فيما بعد وكان سكرتيرًا لشكري الأيوبي أثناء فترة الاعتقال.

ثم حكم المجلس العرفي على الإمام بالبراءة ووافق على ما قدمه لهم المدعي العمومي من مخاطبة جمال باشا بطلب مكافأة للإمام. ولن نجد أحدًا أصدق من الإمام حديثًا عن هذه الفترة القاسية حين يصفها بأسلوبه الرصين وقلمه المؤمن الحر كما جاء في رسالة كتبها ردًا على رسالة بعث بها أحد الأدباء التونسيين إليه يستوضح فيها عما جاء في ترجمة حياة الإمام التي نشرتها مجلة «البدر» التونسية من عبارات يُستشف منها انحيازه لخدمة الدعوة العربية دون الجامعة الإسلامية.

يقول الإمام في رسالته التي لم نحذف منها حرفًا واحدًا أداء لأمانة النقل في رواية التاريخ وتأكيدًا لما ذكرناه من قبل من أن الرجل لم يكن يعمل لحساب أية جهة من الجهات ونعتذر إن طالت هذه الحلقة بسبب ذلك؛ لكنها الأمانة:

«أشكركم على تنبيهي لتحرير مقال يرفع اللبس الذي حام على بعض الخواطر من فحوى كلمات وردت في مجلة «البدر» وقد جاذبكم القلم باستفساركم هذا إلى التعرض لبعض حقائق ما كنت أنوي الخوض فيها على صفحات الجرائد حيث أرى أن مهْمَة (طريق) السياسة لم يزل مغبر الأرجاء بشيء من الأوهام والغطرسة، علاوة على أن طلاب الحقيقة وذوي البصائر التي تنفذ من معاني الألفاظ إلى مناجاة روح منشئها ليسوا بكثير. ولكني ألقي إليكم نبذة من تاريخ حياتي في الشرق أيام كان العرب في اتصال مع الدولة العلية (العثمانية) وهي - فيما أحسب- كافية لكشف اللبس الذي ثار من خلال تلك الكلمات.

قدمت سورية سنة 1331هـ، فشعرت من نفحات الجرائد، ولحن بعض الخطب والمسامرات: أن بين سكانها فئة قليلة تعمل للإنفصال عن الدولة العلية غير متحرزة من عقر الوقوع في قبضة دولة أجنبية ولكن الجمهور منهم إنما يشكون شيئًا من سوء الإدارة ولا تزيد أمنيتهم على أن يصلح الخلل ويعيشوا في ظل الخلافة هادئين.  ولما أمسكت القلم لأطرق باب الدعوة إلى الوفاق، بدا لي أن أكون على بينة من مجرى السياسة، لأجمع بين النصح للدولة، وعدم الإغضاء عن حق الأمة، فكنت أنشر مقالات وقصائد في مجلة «البلاغ» (البيروتية) وغيرها أقيم فيها على أن في نفوس أولئك المتطرفين لطخًا (قليلاً) من الغباوة أو القصد إلى العبث بمستقبل الأمة، ثم أنبه الدولة على وجه التذكرة لإصلاح بعض مغامز هى بأجمعها لا تبلغ جزءًا من مائة إذا قيست بما تعانيه الشعوب الإسلامية الأخرى من أخف الدول الأجنبية وطأة. ومما قلت في قصيدة أدعو فيها إلى اتحاد العنصرين:

ما العرب والترك إلا إخوة نشآ... في مهد دين فكانوا السيف والبطلا

وقد حاز هذا الأسلوب الذي توخيته رضاء الدولة وارتاحت له نفوس الطبقة العالية من أهل الفضل والعلم.

وكانت الدولة العلية حينئذ تصغي أذنها إلى المطالب العادلة وأخذت تعمل على تنفيذها، كإنشاء مدارس يكون التعليم فيها باللسان العربي، وتشريك أبناء العرب في تقلد المناصب الكبيرة، وفتح باب حرية التحرير والخطابة في النوادي الجامعة على مصراعيه، إلى أن أقبلت سنة 1914م تجر من ورائها الحرب الطاحنة، وما كان مني إلا أن أدرت القلم عن مواقع الإصلاح جملة، وأخذت أعمل على ما تقتضيه حال دولة ينشب بها العدو مخالبه من كل ناحية وتساورها من تحت ثيابها ضئيلة... من الرقش* في أنيابها السم ناقع.

أما اعتقالي «بخان مردم بك» ستة أشهر وأربعة عشر يومًا، فسببه أني حضرت مجلسًا أخذ فيه بعض المحامين يخوض في سياسة الدولة بعبارات جافية، حتى استفتى في نكث العهد من طاعتها فأخذت أكافحه بالحجة وأقاومه بالموعظة وضرب المثل، كما شهد بذلك الشيخ صالح الرافعي، واعترف به هو نفسه أمام المحكمة العرفية إلى أن انقطع الكلام وانفصم عقد المجلس، فانصرفت وتحاميت لقاءه من ذلك اليوم. وما مرَّ شهران على الواقعة حتى بلغ الحكومة أن ذلك المحامي يسعى في تكوين جمعية باغية، وانجر البحث إلى استدعاء الشيخ صالح الرافعي المذكور آنفًا لما بينه وبين المحامي من صلة القربى، فكان مما بثه بين يدي إدارة البوليس: أن ذلك المحامي كان يطعن في سياسة الحكومة ويسأل عن حكم الخروج عنها، وذكر لها عني أني كنت حاضرًا في هذا المجلس وأنكرت عليه حتى قنع ولاذ بالتوبة. دعتني إدارة البوليس، وسألتني عما جرى فأخبرتها بالواقع ولم تتهمني إدارة البوليس بأن لي علاقة بهذه الجمعية قط، بدليل أنها لم ترسل من جانبها من يتحرى ما في منزلي من الأوراق كما فعلت مع كل من اشتبهت في أمره. ولكنها ألحت في استجوابي، عسى أن يكون ذلك المحامي حين نثر بعض ما في كنانته بذلك المجلس، قد تحدث بأكثر مما قصصته عليها ثم رأتني مسؤولاً عن عدم إبلاغ ما صدر من ذلك المحامي للحكومة في حينه وأذنت باعتقالي حتى يرى المجلس العرفي رأيه. وكان جوابي عن هذا السؤال:

أنه لم يكن لدي ما يشهد بثبوت ما أبلغه عن المتهم إذا وقع على قضية طالبتني الحكومة بالإثبات، وذكرت لهم قضايا عديدة غضبت منها الحكومة على من بلغها أشياء، ولم يستطع إثباتها ونسبته إلى الافتراء والتهويش عليها، بل حكمت على بعضهم بالسجن الطويل حيث أبلغها عن أناس أنهم يعقدون مؤامرة ضدها، وعجز عن إثبات ذلك وقد تلقى المجلس العرفي هذا العذر بالقبول، وحُكم بالبراءة وتلطف عليَّ رئيس المجلس فخري باشا وقال لي في نفس الجلسة:

هل لك مطلب لدى الدولة نتوسل لك في قضائه؟ فأجبت بأني لا أبتغي شيئًا، وعدها بعض الحاضرين إضاعة لفرصة سنحت. وقرر المجلس ما قدم له المدعي العمومي من مخاطبة جمال باشا بطلب مكافأتي على القيام في وجه ذلك المحامي والإنكار عليه، ولكني لم أتشبث بهذا القرار وقنعت بما ظهر للدولة والأمة من طهارة ذمتي، وعدم تسرعي إلى النفخ في لهيب الفتنة على غير هدى. لم أنحرف يومًا عن تأييد الدولة العلية ومقاومة خصومها جهد استطاعتي حتى في أثناء اعتقالي «وكان سعد أفندي الملا» أحد أعيان طرابلس الشام الذين رافقوني بمكان الاعتقال يقول في شأني للوفود التي ترد عليه للتهنئة بالإفراج عنه: ما رأيت أحدًا يدافع عن الحكومة وهو في معتقلها إلا فلانًا. وحيث لم يقدح في نفس الحكومة خاطر اتهامي بمشاركة الذين مالؤوا أعداءها عليها عينتني بعد تخلصي من ضائقة الاعتقال محررًا بالقلم العربي في دائرة من أقسام وزارة الحربية، وكنت أصل إلى سرائر لا يدنو منها إلا من نزل عندها منزلة الناصح الأمين، وتماديت على العمل إلى أن عقدت الهدنة ووضعت الحرب أوزارها.

لم يسعني بعد انعقاد الهدنة ورجوعي من أوربا إلا أن قفلت راجعًا إلى الشام مفوضًا الأمر إلى الله وبعد أن استقر بي النوى في دمشق، أضمر لي قائدها العربي ما لا تحمد عاقبته وشرع يناقشني الحساب بواسطة إدارة الأمن العام على علاقتي بالدولة العثمانية، وكان بيني وبينه تعارف أدبي كدت اسميه صداقة، ولما انتهى خبر هذه المعاملة الجافية إلى بعض أصحابنا الذين لهم به صلة متينة، تقدموا إليه باللائمة والإنكار، وجادلوه بشدة حتى أقنعوه بأني لا أرجح عنصرًا على غيره إلا بالعمل لترقية شأن الأمة الإسلامية وتأكيد جامعتها فطوى عندئذ بساط المناقشة والاستجواب وكتب بيده إلى وزير المعارف يذكر أني عالم فاضل وأنه لا بد من الاستفادة من مقدرتي. قدمت دمشق فوجدت بها لجنة دولية أعلنت بأن لمن لحقه أذى من الحكومة العثمانية ماليًا أو غيره، أن يقدم طلب تعويض لتسجيله وتدفع له المقدار المطلوب في وقت قريب، وهي ترجع به من بعد على الحكومة العثمانية، فتهافت عليها الناس من كل حدب، ومن بينهم طائفة اعتقلوا لبضعة أشهر وبرئت ساحتهم فتقدموا إلى اللجنة يطلبون ألفي جنيه تعويضًا (وهو مبلغ كبير جدًا في ذلك الوقت) وقررت لهم اللجنة ذلك، ولقد حثني بعض القوم على أن أفعل مثل ما فعلوا فأجبته: بأن الدولة لم تظلمني فتيلاً واقتضاء المال من بيت مال المسلمين غير جائز بإجماع (ونقول: أين هذا مما يفعله البعض للاحتيال على نهب مال المسلمين) هذا ما اسمح ببثه اليوم، وأراه كافيًا في إماطة اللبس الذي أتى من ناحية بعض الكلمات المعبر عنها في مجلة «البدر» وللتاريخ بعد هذا لهجة ينكشف لصراحتها كل لبس، وحكم نافذ ليس من ورائه استئناف.

محمد الخضر حسين

القاهرة سنة 1342هـ

انتهت الرسالة وأترك التعليق عليها للقارئ الكريم.

(وإلى حلقة قادمة بإذن الله)

*الرقش الحيات مفردها: رقشاء سميت كذلك لرقشة جلدها أي لوجود بعض النقط التي تشبه الزخارف.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news