العدد : ١٤٧٥٤ - الأربعاء ١٥ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ٠٤ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٥٤ - الأربعاء ١٥ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ٠٤ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

الاسلامي

الدر المنثور في الكتاب المكنون (12).. الطاعة والإكراه

الجمعة ٠٢ فبراير ٢٠١٨ - 11:34

كم أساءني وصدمني أحد وعاظ الفضائيات حين قال نصًا «لم أر كلمة الحرية في الشريعة الإسلامية إطلاقًا» صادم ومُرعب هذا الكلام الصادر عن رجل دين يحتل مساحة إعلامية كبيرة في الفضاء العربي والإسلامي، كيف يستقيم هذا القول مع قوله تعالى «لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم» (البقرة 256)، ألا يُدرك الأخ الداعية اّنه بهذا القول ينفي العدل الإلهي، وينسب للذات الإلهية الظلم تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرا, إذ كيف يحاسبنا الله جل جلاله ونحن لا نملك حرية الاختيار في العبودية، وسبق أن قلنا أننا لا نملك الخيار في كون الله هو رب الجميع «الربوبية» فالله رب العالمين ورب الناس شاء من شاء وأبى من أبى. ومن هذا المُنطلق المُطلق في العدالة يرزق الجميع ولكن كون الله هو إلهي الذي أعبده وأمتثل لأوامره، وأصدع له بكل ما أمر ونهى هي مسألة اختيارية عقلية بحتة، فالله هو إله «محمد بن عبدالله» وليس إله أبو جهل وأبو لهب وكل من دار في فلكهم لأنهم لم يعترفوا به كإله وهذا مصدر الخلاف بين الرسول الكريم وبين من ناصبوه العداء، ولكنه ربهم جميعًا، هذا الخلط الذي نطق به الأخ الواعظ «غفر الله له» نابع من ثقافة تقليدية سطحية، لا من قراءة واعية متدبرة للذكر الحكيم. 

ديننا الحنيف يُعبر عن الفطرة الإنسانية، والإسلام يمثل الهوية الحقيقية للإنسان في هذا الكون، وهي هوية لا تخضع ولا ترضى بالخضوع للقهر والاستعباد، أما وجود الإكراه فإنه ليس من الدين بل ماركة إنسانية بامتياز، وهذا ما نصبو إليه، هوإلقاء الضوء على الطاعة والإكراه من معينه النقي والأصيل، من المرجع الأول الذي دونه كل المراجع، بل منه تنهل وتستقي كل الأقلام مدادها.

الطاعة جاءت من الفعل «طوع» والتي تعني الانقياد والخضوع بكل حرية، والطوعية تعني الخضوع الإرادي وهي عكس «الإكراه» المرتبط بالإجبار الذي يجرح كرامة الإنسان، ويخدش إنسانيته، والتي قدّرها الله حق قدرها، فالطاعة والإكراه يستحيل عليهما الاجتماع في وقت واحد، لأن الطاعة تترتب عليها مسؤولية لأنها ناشئة عن الاقتناع، وهذا هو منشأ المسؤولية، وبالتالي المحاسبة إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، فأول ما نستشهد به من مرجعنا الخالد الآية 32 من آل عمران «قُل أطيعوا الله ورسوله فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين», وكذلك الآية 132من نفس السورة الكريمة «وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون». وبالنظر إلى الآيتين نلحظ أمرين غاية في البساطة الأول «فإن تولوا» للدلالة على مطلق الحرية في الاختيار والأمر الثاني قوله تعالى «وأطيعوا الله» والتي نقرؤها بمعنى الانقياد الطوعي لله عزوجل بكل حرية واختيار في الامتثال لحاكميته الإلهية. ومن لا يلحظ المعنى المُضمر في قوله «فإن تولوا» أنّ الرسول الكريم لم يعط أي وسيلة إكراه أثناء إعراضهم عن قول الحق؟ فهل لهذا معنى إلا الحرية للإنسان في الطاعة أو المعصية، والله يتولى الأمر كله يوم الحشر.

النقلة النوعية للإنسان والنعمة التي تُعتبر أم النِعم هي تكريمه بنفخ الروح فيه، والتي تم بعدها اصطفاءه لحمل الأمانة التي أبت الجبال أن تحملها، وحملها الإنسان بحريته ووعيه بعد إكرامه بالنفخ من روح الله، فهذا قرار الله تتجلى فيه حكمته التي لا نستطيع الإحاطة بكل جوانبها، والآية 72 من سورة الأحزاب تُجلي هذا المعنى حسب ما فهمناه منها «إنَّا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولا» وسبق هذه الآية قول الله «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديدا *يُصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما» 71.70 الأحزاب، سياق الآيات يوضح أن الطاعة الاختيارية هي امانة حمّلها الله للإنسان عند نفخ الروح فيه، التي أصبح بها الإنسان واعيًا ومُدركا ومن ثمّ قادرًا على اتخاذ القرارات بكل حرية بما فيها الطاعة المسؤولة لله ولرسوله في ما جاء به عن ربه من رسالته الخاتمة.

الإكراه يدُل لغةً على خِلاف الرضى والقبول والقناعة، ولكن يجب التوقف قليلا للتفرقة بين الكره بالفتح والكره بالضم فالحركة هنا تغيرالمعنى، فالكَره بفتح الكاف يُعني المشقة النفسية مِصداقًا لقوله «... ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم اخيه ميتًا فكرهتموه واتقوا الله إنَّ الله تواب رحيم» الحجرات 12, والكُره بالضم يعني المشقة الجسدية كقوله تعالى في سورة الأحقاف 15 «ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أُمه كُرها ووضعته كُرها وحمله وفِصاله ثلاثون شهرا...», أو يعني الإثنين معًا حيث تجتمع المشقة النفسية والجسدية في عين الوقت «كُتب عليكم القتال وهو كُره لكم وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شرٌّ لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون» البقرة 216.

عندما يُمارس الإنسان الإكراه ضد الإنسان فإنه يُجبره على القيام بعمل على غير رغبة ولا قناعة منه بذلك، ولنستعرض بعض آيات الكتاب الحكيم، للوقوف ما استطعنا لذلك سببيلا على طرف من دلالاتها مُقرين بعدم الإحاطة بغور المعاني الأُخرى، فكما هومعلوم فهو كتاب فوّار بالمعاني والدرر، ففي التوبة الآية 53 يقول الله تعالى: «قل أنفقوا طوعا أو كَرها لن يُتَقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين», الإنفاق هنا يكون طواعية بمحض الإرادة أو مُرغم على غير رغبة مع ما يصحبه من مشقة نفسية، وصورة أُخرى من سورة طه 73 «إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى», تُصور لنا الآية أن فرعون أرغم السحرة على اقتراف السحر وهم له كارهون بدليل تحولهم عنه، حين تبين لهم الحق في قول موسى عليه السلام، مع ملاحظة أن هناك إكراهات مرفوضة وهناك بعض الإكراهات المسموحة كما في سورة التوبة حيث كان المنافقون مرغمين على إنفاق أموالهم لتجهيز جيش المسلمين رغم كرههم لذلك، ولكن خضوعهم لسلطة المجتمع هي سبب الإرغام، مع أنهم لا يشعرون بالإنتماء إليه وجدانيًا، ومن أهم الإكراهات المرفوضة هو الإكراه الديني كما توضح الآية 106 من سورة النحل حيث يقول الله جل جلاله فيها «... إلا من أُكره وقلبه مُطمئن بالإيمان». والإكراه الديني يحتل الصدارة في البشاعة لأن الله سبحانه وتعالى ترك كامل الحرية للإنسان في اختيار الدين دون حتى شُبهة الإكراه، ومن هنا جاء العِتاب الإلهي لنبيه عليه الصلاة والسلام في سورة يونس 99 «..أفأنت تُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين». هذه الآية قاطعة باترة بصون حرية الإنسان في الاعتقاد الذي يراه لنفسه وإلى الله تُرجع الأمور في نهاية المطاف، وكذلك جاء الطلب النبوي من سدنة المعارضة أن يخلوا بينه وبين الناس ليأخذ الحوار مجراه، ليُفضي للإيمان أو الإعراض، وبكلا الحالتين يكون الاختيار الطوعي سيد الموقف وهذا ما فهمه الرسول الكريم عن ربه، حيث قال: (يا ويح قريش لقد أكلتهم الحرب ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر الناس فإن أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرون، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة). 

طبيعة الموضوع تفرض حتمياتها بإطالة الحديث بعض الشيء، لذا لا بد من المرور البرقي «السريع» على الفرق بين الإكراه والاضطرار، حيث أن الاضطرار يكون بسبب عوامل طبيعية، كما في الأنعام الآية 119 «وما لكم ألا تأكلوا مما ذُكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حُرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه», اضطرار بسبب جوع يُفضي إلى تهلُكة، وينتفي ذلك فور انتفاء السبب، هذا جانب من رحمات الله على الإنسان، بأن لا شيء يعلو على قدسية حياته، ومن هنا قعَّد الفقهاء قاعدة «الضرورات تبيح المحظورات» انطلاقًا من اهمية حياة الإنسان.

عاطف الصبيحي 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news