العدد : ١٤٨٢٠ - السبت ٢٠ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١١ صفر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٢٠ - السبت ٢٠ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١١ صفر ١٤٤٠هـ

الاسلامي

مفهوم القوة والضعف في الإسلام (1)

الجمعة ٢٦ يناير ٢٠١٨ - 10:25

بقلم: د. علي أبو هاشم 

يفسر الناس القوة والضعف تفاسير متنوعة ومتباينة، كل بحسب نظرته واعتقاده وفكره، والسبب في ذلك اختلاف مفهوم القوة والضعف لدى الناس، فمنهم من جعل القوة مفهوما ماديا، والمقصود به القهر والبطش والاستعلاء والاستيلاء، وربما عززت الثقافة المادية هذا الاتجاه، حيث صورت القوي بصورة المنتصر المسيطر، الذي يهابه الناس ويحترمونه. يظهر ذلك في وسائل الإعلام وما يقدمونه من مادة إعلامية تؤثر في الفكر وتوجه النشء، وحينما نطالع الفكر الإسلامي في بيان مفهوم القوة والضعف، نرى أنه على العكس تماما من الاتجاهات المادية، حيث ركز الإسلام على حقيقة القوة التي يبتعد فيها المسلم عن الشر والاعتداء إذ يتحكم بها في انفعالاته، ويسيطر على نفسه، فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب. رواه البخاري ومسلم، ويوضح الرسول صلى الله عليه وسلم أن القوة المرغوبة التي يجب أن يتحلى بها المؤمن، والتي دعا الإسلام إلى التحلي بها، هي قوة الإيمان، وقوة العقيدة، فيقول صلى الله عليه وسلم: المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير. احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا وكذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان. رواه مسلم. ولا شك أن المراد بالقوة هنا قوة العقيدة والإيمان، وقوة التمسك بالحق، كما كان موقف بلال بن رباح، وياسر وزوجته سُمية أول شهيدة في الإسلام، وكما كان من عمر بن الخطاب في قوته في الحق وجرأته، حتى إن الشيطان كان يهابه، فإذا سار عمر في فجّ سلك الشيطان فجّا آخر، مع عدله ورحمته وحرصه على إيصال الحقوق إلى أهلها، كما هو معلوم من سيرته رضي الله عنه. إن قوة الإيمان أعظم قوة وأشدها، تضعف أمامها كل قوة مادية أو إغراء مادي (شهوة أو مال أو سلطان أو أي شيء من متاع الدنيا الفانية) إنها قوة الحق واليقين، يقول تعالى: «فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون». يونس:32. إن للحق قوة من قوى الديان، ومن أسماء الله الحسنى الحق، وهو سبحانه القوي المتين الذي يقول للشيء كن فيكون، يقول تعالى: إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين. الذاريات:58، ويبين أبو بكر الصديق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول بيان له بعد مبايعته للخلافة الراشدة أن صاحب الحق عنده هو القوي، وإن كان ضعيفا، وأن الظالم والمعتدي على غيره هو الضعيف ببغيه واعتدائه حتى يأخذ الحق منه، وإن كان قويا من ذوي الهيئات، ومن أصحاب المنازل المرموقة، لأن الحق هو مقياس القوة، والبغي والظلم هما مقياس الضعف، على عكس ما يرى الماديون، وما تروجه الثقافة الغربية التي تدعو إلى القوة المادية والتي أهملت الجوانب الإنسانية، إلا فيما يبرر مصالحها وأطماعها، لكنها حتما ستفقد تأثيرها ورونقها وسلطانها لأنها قائمة على البغي والاستعلاء، وجزى الله خيرا من قال: 

 لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا....... فالظلم ترجع عقباه إلى الندم 

 تنام عيناك والمظلوم منتبه........ يدعو عليك وعين الله لم تنم 

ولقد ذكر القرآن الكريم نماذج للقوة والضعف المادي الذي دمر أمما وأزال ممالك وبدّل الحياة الآمنة إلى خوف وعناء، وذلك حين ينحرف صاحب القوة من العدل إلى الظلم، ومن الاستقامة إلى الانحراف، ومن التواضع إلى الكبر والغرور، يقول تعالى: «وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون» النحل 112. وكان من دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك. ويخبر القرآن أن الإفساد في الأرض والتجبر فيها سبب للهلاك والدمار في الدنيا، وسبب للخسارة ودخول النار في الآخرة.  يقول تعالى: «وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم». محمد:13، والمقصود بالآية إخبار النبي بإهلاك العتاة المتجبرين والمتكبرين من قومه، كما أهلك الله أمثالهم في الأمم السابقة، وفي الآية تهديد ووعيد للمتكبرين من مشركي مكة، ومن غيرهم في كل زمان ومكان، وفيها من النصح لهم ولأمثالهم ومن على شاكلتهم، ليثوبوا إلى رشدهم، ويبادروا بالتوبة والإصلاح، كما أن الاية تحمل البشرى للرسول ولأهل الإيمان بالنصر والتمكين، وهذه سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا، ومن النماذج التي ذكرها القرآن ممن اغتروا بقوة المال والجاه والسلطان واستكبروا على العباد، ما قصه الله في سورة القصص في شأن قارون، فقال تعالى: «إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة اولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين». القصص 76، وتمضي الآيات تقص قصته وتوضح جبروته وغروره بقوته الزائفة، حتى أهلكه الله وجعله عبرة وعظة لأولي الألباب على مر الدهور والأيام. يقول تعالى: «فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين». القصص 81، والله المستعان.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news