العدد : ١٤٧٥٣ - الثلاثاء ١٤ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ٠٣ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٥٣ - الثلاثاء ١٤ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ٠٣ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

الاسلامي

تغريدات إيمانية (8)

بقلم: د. نظمي خليل أبوالعطا

الجمعة ٢٦ يناير ٢٠١٨ - 10:12

 الفعل الجيني في القرآن الكريم


تتحكم العديد من العوامل في المواصفات النباتية من حيث الطعم واللون والتركيب، ومن هذه العوامل التربة الزراعية وخصائصها التركيبية، ونوع النبات والماء المستخدم في الري والهواء الجوّي ونقاؤه أو تلوثه والصفات الوراثية من حيث التركيب الجيني، وقد بين الله تعالى عوامل التربة والماء والهواء ونوع النبات صراحة وترك العوامل الوراثية للأيام والتقدم العلمي يتوصل إليه قال تعالى: «وَفِي الأَرضِ قِطَع مُّتَجَاوِرَت وَجَنَّت مِّن أَعنَب وَزَرع وَنَخِيل صِنوَان وَغَيرُ صِنوَان يُسقَى بِمَاء وَاحِد وَنُفَضِّلُ بَعضَهَا عَلَى بَعض فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَت لِّقَوم يَعقِلُونَ) (الرعد: 4).

عامل التربة والهواء: (وَفِي الأَرضِ قِطَع مُّتَجَاوِرَت).

جنس النبات: (مِّن أَعنَب وَزَرع وَنَخِيل).

عامل ماء الري: (يُسقَى بِمَاء وَحِد).

عامل الضوء والحرارة واحد: (قِطَع مُّتَجَاوِرَت).

العامل الجيني: (وَنُفَضِّلُ بَعضَهَا عَلَى بَعض فِي الأُكُلِ).

قال الشيخ عبدالرحمن بن السعدي رحمه الله: 

(يُسقَى بِمَاء وَحِد) أي: وأرضه واحدة.

(وَنُفَضِّلُ بَعضَهَا عَلَى بَعض فِي الأُكُلِ) أي: لونًا وطعمًا ونفعًا ولذة. (انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان)

فالأرض الواحدة المتجاورة ذات التركيب الواحد والمحتوى المعدني الحيوي الواحد، وماء الري واحد والهواء واحد بكل مكوناته، والبيئة واحدة والشمس واحدة، ولكن البذور والحبوب مختلفة الأجناس والأنواع والأصناف، فجنس الحمضيات (Citrus) يحتوي أنواع الليمون واليوسفي والبرتقال والنارنج، ونوع البرتقال يحتوي العديد من الأصناف، البرتقال بسرة، البرتقال الصيفي، البرتقال السكري، البرتقال الحلو، البرتقال الشديد الحموضة، ونفس الشيء مع جنس الحلويات (Pirus) منه التفاح، والكمثرى، والمشمش والخوخ. ومن هذه الأنواع الأصناف المتعددة المختلفة في الحجم واللون والطعم والرائحة ولكل جنس نباتي في المملكة النباتية لون وطعم وتركيب ورائحة وملمس مختلف، ولكل نوع خصائص، ولكل صنف من نفس النوع خصائص، ولكل تحت الصنف خصائص، والعوامل البيئية والمائية والزراعية، وهذا يعود لعامل واحد مهم هو التركيب الجيني والعوامل الوراثية.. ونحن لم نعلم ذلك إلا بالعلم الحديث، كذلك يختلف إحساس الإنسان الآكل بحسب التركيب الوراثي لحلمات اللسان، حيث يؤثر محلول النبات المأكول على الخلايا الحسية التذوقية الموجودة في حلمات لسان كل فرد فيتولد عنها سيالات عصبية حسية يتم انتقالها إلى مركز الإحساس بالتذوق الموجود في قشرة المخ فيتم ترجمتها وإدراك طعم المادة المأكولة في سرعة فائقة ويتم إدراك تركيب المادة وتفضيلها أو عدم تفضيلها والإحساس بالتذوق في الإنسان إحساس كيماوي - حيوي من حيث الحلاوة والمرارة والحموضة والملوحة والقلوية والحامضية وطعم المعادن والأومامي (Umami) وهو الطعم اللذيذ للبروتينات، أما النكهات التي نعرفها فهي مزيج من الصفات السابقة، ومن المعجزات الأشخاص يختلفون في درجة إحساسهم بالتذوق بالنسبة لمادة واحدة أي أن طعم مادة معينة حين نتذوقها يختلف من شخص إلى شخص وهذه أيضًا صفة وراثية.

من السابق نجد أن هناك عوامل تحدد تفضيلنا للطعم، منها التركيب الجيني وهذا هو العامل المذكور ضمنا وليس صراحة في الآية وهذا هو الإعجاز العلمي الخفي في الآية.. فماذا يقول المنكرون لألوهية القرآن الكريم الكارهون للشرح العلمي للآيات الكونية في القرآن الكريم الداعون إلى خطورة تفسير الآيات القرآنية تفسيرًا علميًا في ضوء العلوم التطبيقية البحثية الحديثة؟! 

الأسباب العلمية لاستمرار فعل القرآن

قال الشيخ محمد الغزالي رحمه الله في كتابه نظرات في القرآن الكريم كلامًا عظيمًا عن الأسباب العلمية لاستمرار فعل القرآن الكريم وإعجازه الدائم، قال: وخلود القرآن يرجع إلى جملة الحقائق التي حواها. إن هناك معارف يلحقها الخطأ والصواب فطروء التغيير عليها مفهوم، أما ما ثبتت صحته فإن مر الأيام لا ينال منه شيئًا.. والمعارف التي حواها القرآن الكريم كلها من القبيل المقطوع بصدقه سواء في ذلك وصفه الكون، أو سرده لتاريخ الأوائل، أو الأسس والعبر التي قدرها لازدهار الأمم وانهيارها وما يتبع ذلك من توجيهات مطلقة للناس أجمعين.

هذا الحق كما يمد رواقه على ما جاء في القرآن الكريم من الأوصاف والأخبار والحكم المستفادة، يشمل جميع الأوامر والنواهي التي تضبط السلوك العام، تقيمه على نهج محدود، فإنه لا يفوت واحدًا منها.

ثم قال: والمرء قد يغير كلامه إذا تطرق الخطأ إليه في قصة يحكيها، أو تطرق القصور إليه في حكم يصدره أو لحقه سوء التقدير وهو يصدر أمرًا ما، فإذا كان بريئا من هذه العلل كلها، وكان بمنأى عن أعراضها، فلم يتغير القول؟

إن القرآن الكريم خلد على الزمان لأن كل كلمة فيه تنزهت عن هذه العلل، قال تعالى: «الر كِتَبٌ أُحكِمَت آيَتُهُ ثُمَّ فُصِّلَت مِن لَّدُن حَكِيمٍ خَبِيرٍ» (هود: 1)، وقيام معانيه على الحق كقيام الشعاع على النور، والحق لا يزول ولا يحول. نعم فهو كتاب قديم، والمشاهد أن العالم بلغ في هذا العصر درجة من التفوق العلمي لم يسبق له نظير، وأن الكشوف العلمية أقامت في الدنيا حضارة تكاد تنسلخ عن ماضي الإنسانية بما فيها من تفوق وسيطرة، فكيف تطرد هذه المكانة الأدبية لكتاب من مخلفات العصور الأولى، وكيف يستمع له بهذا الإجلال وهو يحدث ويوجه؟!

إننا لا نفزع لهذا السؤال بل نجيب عنه في هدوء قائلين: لو أن القرآن نزل يوم الناس هذا ما تغيرت نظرته للكون ولا وصاياه لسكانه. نعم ولا فاتته مع ذلك ذرة من الصدق في حديثه وتوجيهه ووصفه العام ونصحه للناس.

ثم قال: والذي قال هذه الآيات، والذي أنزل هذا القرآن من قرون طوال هو رب العالمين.

فحديثه عن خلقه حديث الخبير المحيط، ومن ثم تتجدد معارف البشر ويماط اللثام عما في هذا الكون من أسرار ويبقى مع ذلك الوئام قائما بين مكتشفات العصور، وحقائق الكتاب العزيز لم؟ (قُل أَنزَلَهُ الَّذِي يَعلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَتِ وَالأَرضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورا رَّحِيما) (الفرقان: 6).

ثم قال: إننا لا نزعم أن القرآن الكريم كتاب كيمياء وطبيعة وأحياء وجيولوجيا وفلك، ولكننا نقرر أن الصورة الكاملة للكون -كما ترسم ملامحها هذه العلوم- ترتسم في ذهن قارئ القرآن الكريم، تتلاقى معها على كل حال، بينما تنسب إلى السماء كتب مقدسة -في نظر أصحابها- تتحدث عن الكون حديث راكب الدابة عن الطيارات النفاثة.

ذلك هو الفرق بين كلمات يؤلفها الناس من عند أنفسهم، فهي مزيج من حق وباطل، وجد وهزل، وبين كلمات ينزلها الخالق البارئ المصور (عَالِمِ الغَيبِ لَا يَعزُبُ عَنهُ مِثقَالُ ذَرَّة فِي السَّمَاوَتِ وَلَا فِي الأَرضِ وَلَا أَصغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكبَرُ إِلَّا فِي كِتَب مُّبِين) (سبأ: 3)، وذلك هو السبب في أن الإسلام عقد صلحًا دائمًا مع العلم، بل يسر له السبيل، وزين له الغاية، أما غيره فقد دخل معه في عراك وحشي كان له أكبر الأثر في تاريخ الحياة، ومسير الحضارات. انتهى..

وهكذا وضع الشيخ الغزالي الحقائق في نصابها، ولذلك يفزع العلمانيون [بفتح العين] والملحدون والمرجفون من التفسير العلمي الحديث للإشارات الكونية في الآيات القرآنية ويحاولون التحذير من جهود العلماء في بيان الإعجاز العلمي والعطاء العلمي في القرآن الكريم. (انظر ص: 2، من كتاب الشيخ الغزالي السابق طبعة بيت القرآن، مملكة البحرين، 1993م). 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news