العدد : ١٤٥٧٦ - الأحد ١٨ فبراير ٢٠١٨ م، الموافق ٠٢ جمادى الآخرة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٥٧٦ - الأحد ١٨ فبراير ٢٠١٨ م، الموافق ٠٢ جمادى الآخرة ١٤٣٩هـ

الثقافي

ســـرديــــات

بقلم: د. ضياء عبدالله خميس الكعبيّ

السبت ٢٠ يناير ٢٠١٨ - 10:19

التخيّل التاريخيّ: السرد والإمبراطورية والتجربة الاستعماريّة!

في كتاب «الإمبراطورية، إمبراطورية العولمة الجديدة» لمايكل هاردت وأنطونيو نيغري يوظف الباحثان مصطلح «الإمبراطورية» بوصفها مفهومًا يتميز أساسًا بغياب الحدود، إذ لا يعرف الحكم الإمبراطوري أي معنى للقيود أو التخوم. وبالتالي فإن الإمبراطورية لا تقدم حكمها بوصفه مرحلة انتقالية عابرة من مراحل حركة التاريخ، بل تقدمه بوصفه نظامًا ليست له حدود زمنية أبدًا بما يبقيه خارج التاريخ أو يضعه عند نهاية التاريخ. وفي كتاب «التخيّل التاريخي: السرد والإمبراطورية والتجربة الاستعمارية» يشتغل الناقد والمفكر العراقي د. عبدالله إبراهيم على حفريات عميقة متصلة بسرديات التخيل التاريخي في إطار اشتغاله الكلي بفكرة المركزيات على مدى أكثر من عقدين من الزمان من المركزية الإسلامية إلى المركزية الغربية، وفي إطار اشتغاله المعمق أيضًا بالسرديات الثقافية. 

 يقدم هذا الكتاب مقاربات سردية ثقافية تناولت خطابات عربية روائية معاصرة لكل من رضوى عاشور في روايتها «ثلاثية غرناطة» وواسيني الأعرج في «البيت الأندلسي» ويحي أمقاسم في «ساق الغرب» وربيع جابر في «بيروت مدينة العالم» وبنسالم حمّيش في رواياته «العلامة» و«مجنون الحكم» و«هذا الأندلسي» ويوسف زيدان في «عزازيل» و«النبطي» وأهداف سويف في «خارطة الحب» وبهاء طاهر في «واحة الغروب» إلى جانب روايات أمين معلوف وطارق علي. وتنتقل فصول الكتاب بين الإمبراطورية، السرد والتاريخ إلى التهجين السردي وتمثيل الأحداث التاريخية إلى السرد والتاريخ واللاهوت إلى كتابة مقدسة وكتابة مدنسة وانشقاقات دينية إلى التخيل التاريخي وتفكيك الهويات الطبيعية ثم التوثيق والتخيل التاريخي والتخيل السردي والتمثيل الاستعماري للعالم والتجربة الاستعمارية والهوية المرتبكة.

يجترح عبدالله إبراهيم في هذا الكتاب مصطلحًا جديدًا هو «التخيل التاريخي» لإحلاله محل المصطلح الرائج عربيًا وهو «الرواية التاريخية». إنَّ هذا الإحلال كما يرى «سوف يدفع بالكتابة السردية التاريخية إلى تخطي مشكلة الأنواع الأدبية، وحدودها، ووظائفها، ثم إنه يفكّك ثنائية الرواية والتاريخ، ويعيد دمجهما في هوية سردية جديدة، فلا يرهن نفسه لأي منهما، كما أنه سوف يحيّد أمر البحث في خضوع التخيلات السردية لمبدأ مطابقة المرجعيات التاريخية». إذن لا ينشغل الناقد بعمليات المطابقة المرجعية التاريخية بين العوالم المرجعية للشخصيات التاريخية وكتابتها السردية؛ فمصطلح «التخيل التاريخي» لديه يحرِّر السرد التاريخي من هذه المطابقات في حدودها الضيقة جدًا ليجعل السرد التاريخي سردًا إمبراطوريا عابرًا للتخوم، وسردًا مجازيًا عابًرا للماضي ليتمثَّل في الحاضر من خلال المصائر والمآلات. ولذلك فالكتاب لم يكتفِ بالخطابات الروائية العربية لبعض الروائيين العرب المشتغلين في مجال السرديات الروائية التاريخية وإنَّما عضد قراءته لها بتنقيبه في الأرشيف التاريخي للمصادر التي اعتمدت عليها تلك الروايات. فعلى سبيل المثال في رواية «ثلاثية غرناطة» للروائية المصرية رضوى عاشور يعود الناقد إلى تاريخ الموريسكيين (عرب الأندلس الذين اجبروا على اعتناق المسيحية بعد انهيار حكم بني الأحمر في غرناطة)، كما جاء في بعض المدوَّنات الإسبانبة عنهم ويستقرئ بعض المصادر التاريخية مثل لسان الدين بن الخطيب في كتابه المهم «الإحاطة في أخبار غرناطة»، ولا يهتم بقضية المطابقة التاريخية الحقيقية بين التاريخ الفعلي وانعكاسه على السرد الروائي وإنَّما يهمه كيف وظَّف الروائي هذا التاريخ في متخيله السردي ليشكل زمانه المروي الخاص به، وليتشكَّل بهذا سرد إمبراطوري عابر لا يرتهن للزمان والمكان وإنَّما يرتهن للارتحالات المجازية الثقافية الكبرى التي تشكَّل صيرورته.

 يشتغل عبدالله إبراهيم على تطوير المعرفة النظرية النقدية الخاصة بتلقي السرديات الثقافية عربيًا بما في ذلك إشكاليات السرد في مرحلة ما بعد الكولونيالية أو ما أطلق عليه كل من بيل أشكروفت وغاريت غريفيث وهيلين تيفن تسمية «الرد بالكتابة، النظرية والتطبيق في آداب المستعمرات القديمة». وإذا كان كتاب «الرد بالكتابة» قد انشغل ببيان الآليات السردية التي وظَّفها كتاب الشعوب المستعمرة سابقًا في حقبة ما بعد الكولونيالية للرد على الخطاب الكولونيالي فإن عبدالله إبراهيم يتبنى هذا الخطاب في سياق تفكيكه لخطابات بعض الروائيين العرب ممن كتبوا بلغة المستعمر ذاته أو ما يُسمى بالنص المزدوج الهوية مثل رواية «خارطة للحب» المكتوبة باللغة الإنجليزية للروائية المصرية أهداف سويف.

 وختامًا نستطيع اختزال فكرة هذا الكتاب الاستثنائي جدًا في محورين هما «السرد التاريخي» بوصفه بديلاً عن المصطلح الرائج عربيًا الآن الرواية التاريخية والفكرة الأخرى بيان آليات اشتغال السرد التاريخيّ في كتابات ما بعد الكولونيالية، وهذا محور يستحق بذاته لإفراد كتاب كامل عنه. وخاصة أنَّ عدد الروائيين العرب ممن يكتبون بلغات أجنبية كبير ويحتاج إلى تتبع واستقصاء في ظلّ اختلاف المرجعيات الثقافية التي شكَّلت عوالم هؤلاء الروائيين. فثمَّة رؤية مشتركة للعالم يصدر عنها هؤلاء ولكن في الوقت نفسه ثمَّة تباينات تحكمها خصوصية التجارب الروائية لهؤلاء الروائيين. فعلى سبيل المثال نجد أن تجربة أهداف سويف تختلف عن تجربة الروائية الجزائرية الراحلة آسيا جبّار رغم أن كلتيهما تكتبان بلغة «المنفى» أو لغة أجنبية الأولى تكتب بالإنجليزية والثانية بالفرنسية، ورغم ذلك توجد تباينات كبرى بين الاثنتين في عوالمهما الروائية. وهذا الكتاب الذي أعده مصدرًا حقيقيًا لبيان التلقي العربي النقدي المعاصر في مرحلة ما بعد الكولونيالية يمكن أن تتفرع وتصدر عنه مقاربات مهمة جدًا لموضوع أعده مهما لاشتباك روايات السرد التاريخي المعاصرة بعوالم السياسة وعوالم التاريخ الإشكالي المتغير أبدا الذي لا يثبت على صور واحدة. ولأنَّ الاشتغال المنهجي الثقافي في هذه التخوم السردية يتطلب من الناقد توفره على ذخائر نقدية وفكرية وثقافية وعلى قراءات معمَّقة في الأصول، وأخرى في النظريات النقدية الغربية، وعلى مواكبة دؤوب لكل ما يكتب إبداعيًا في هذا المجال من إبداع روائي متدفق عربيًا وعالميًا كي يتمكن الناقد من انتقاء مدونته. وهذا ما فعله عبدالله إبراهيم في اختياره لمدوَّنة نقدية وإبداعية في غاية الرصانة النقدية والإبداعية.

أستاذة السرديات 

والنقد الأدبي الحديث المساعد، كلية الآداب، جامعة البحرين

dheyaalkaabi@gmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news