العدد : ١٤٨١٩ - الجمعة ١٩ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ صفر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨١٩ - الجمعة ١٩ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ صفر ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

حاجة البشرية إلى القرآن الكريم!

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ١٤ يناير ٢٠١٨ - 01:20

حديثنا اليوم عن حاجة البشرية إلى القرآن الكريم وما جاء فيه من تعاليم صالحة لكل زمان ولكل مكان، بل ولكل الناس.

وقبل الحديث عن هذه الحاجة التي لا مجال لإنكارها، دعونا نقرأ حديث القرآن عن القرآن، والضمانات التي وفرها الحق سبحانه وتعالى حتى يبقى هذا النص المقدس عزيزًا ومستعصيًا على التحريف والتبديل.

يقول سبحانه وتعالى: «إنَّا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون» الحجر/9، وفي هذه الآية الجليلة إشارة واضحة إلى العهد الذي أخذه الله تعالى على نفسه بأن يحفظ هذا الكتاب المعجز باعتباره المعجزة الوحيدة الباقية من معجزات الأنبياء والرسل الكرام، وباعتباره أيضًا الشريعة والمنهاج الإلهين اللذين جعل الحق سبحانه وتعالى صلاح الدنيا وصلاح الآخرة في اتباعهما والعمل بمقتضى ما ورد فيهما من هداية الحق للخلق، وأشار القرآن العظيم أيضًا إلى استحالة أن يتعرض هذا الكتاب المعجز لشيء من التحريف والتبديل، فقال سبحانه وتعالى: «.. وإنه لكتاب عزيز(41) لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد(42)» فصلت. 

ومن الأدلة على عزة هذا الكتاب واستعصائه على التحريف قوله سبحانه: «أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا» النساء/82.

ثم يؤكد القرآن في حديثه عن القرآن أنه السبيل الوحيد والأقوم لهداية الناس إلى صراط مولاهم المستقيم، وذلك حين يقول: «إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرًا كبيرا» الإسراء/9.

هذا بعض حديث القرآن عن القرآن، والآن ما هي حاجة البشرية إليه؟ أظن أننا بعد أن بسطنا القول عند حديثنا عن مقام القرآن في القرآن لا بد أن ندرك أن ما تحتاجه البشرية في حياتها هو في القرآن، في أوامره ونواهيه، وفي السبل التي حض الناس على اتباعها لأمن البشرية وأمانها، ولسعادتها في الدنيا والآخرة.

نبدأ بالحاجة إلى صحيح الاعتقاد، فالإنسان محتاج حاجة شديدة إلى الإيمان بإله قادر عليم، حكيم باق حي لا يموت، وذلك حتى يشعر الإنسان بالطمأنينة والاستقرار، يقول تعالى: «وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا» الفرقان/58.

إحساس الإنسان بالخوف وربما بالرعب لأنه يعتمد على بشر مثله يموتون كما يموت، ويعجزون كما يعجز، وبسبب هذا النقص فيمن يتصدى للتشريع والحماية للإنسان لا تشعر البشرية بالأمان، ولا تذوق طعم السعادة، ولو تدبر الإنسان وجوده وما يطرأ على هذا الوجود من منغصات لعلم أهمية الإيمان بإله حي، لا تأخذه سنة ولا نوم لأنه يمسك السماء أن تقع على الأرض، ويمسكهما أن تزولا، يقول تعالى: «إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليمًا غفورا» فاطر/41، ما أحلمك يا إلهي، فأنت منزه عن الانفعال، وأنت حليم فلا تعجل بالعقوبة، وأنت غفور تغفر لمن تاب وأناب، وما أشد حاجة البشرية إلى إله هذه صفاته.

إنه سبحانه يوفر حماية تامة للناس، وتدبروا قوله سبحانه: «ألم تَر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرءوف رحيم» الحج/65.

ولنتأمل قوله سبحانه: «.. إن الله بالناس لرءوف رحيم»، فهو جل جلاله رءوف رحيم بالناس وليس بالمؤمنين فقط، وهذا ما يؤكد حاجة البشرية إلى الإيمان بهذا الإله الحي القادر، الرءوف الرحيم.

ثم دعونا نتدبر حاجة البشرية إلى الطمأنينة، والراحة النفسية التي هي من أسباب الاستقرار، والسعادة التي تبحث عنها البشرية في مظانها، ولنقرأ قوله تعالى: «فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرجًا كأنما يصَّعَّد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون» الأنعام/125.

فالقرآن والإسلام هما بمثابة الأكسجين للحياة، والبشرية لا غنى لها عن الأكسجين، فإذا ضَل الإنسان وتاه عن طريق الهداية الربانية ضاق صدره واختلجت عظامه، وشعر بضيق في صدره، وحرج في نفسه، واقرؤوا إن شئتم قوله تعالى: «ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى» طه/124، واقرؤوا أيضًا قوله تعالى: «الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب..» الرعد/28.

قد تجد البشرية حلولاً لمشاكلها فيما تضعه من تشريعات، ولكن هذه التشريعات لا تفي بمتطلبات الإنسان المتجددة، وإذا وفت في جانب، فقد تلمس نقصًا في جانب آخر، وليس هذا شأن القرآن وما يقدمه من حلول للإنسان، وها هو القرآن يدعو المؤمنين إلى حياة لا ينعم بمثلها إلا من آمن بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولاً، يقول سبحانه: «يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون» الأنفال/24.

الخطاب في هذه الآية إلى أناس أحياء، فما الحياة التي سوف يضيفها الإيمان بالله ورسوله؟! إنها حياة القيم والمثل العليا التي جاء الإسلام ليرسي دعائمها، ويؤسس عليها حضارة لم تشهد البشرية مثلها بين الحضارات، حضارة قائمة على مكارم الأخلاق، يقول صلى الله عليه وسلم: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»- الإمام مالك.

ولو ذهبنا نعدد ما يحققه القرآن كشريعة ومنهاج للبشرية لطال بِنَا الحديث، ولكن دعونا نختم حديثنا بشهادات علماء ومفكرين غربيين لا يتهمون في حيادهم العلمي، ونزاهتهم الفكرية رغم أنهم لا يدينون بالإسلام، وإنما هم باحثون عن الحق والحقيقة، ومن هؤلاء المفكر النصراني اللبناني نصري سلهب الذي يقول وبصريح العبارة: «الإسلام ليس بحاجة إلى قلمنا، مهما بلغ قلمنا من البلاغة ولكن قلمنا بحاجة إلى الإسلام، إلى ما ينطوي عليه من ثروة روحية وأخلاقية، إلى قرآنه الرائع الذي بوسعنا أن نتعلم منه الكثير». (لقاء المسيحية والإسلام) نقلاً عن كتاب (قالوا عن الإسلام/ د.عماد الدين خليل/ ص69).

أما المستشرق الفرنسي لويس سيديو(1808-1876):، فيقول: «لا تجد في القرآن آية إلا توحي بمحبة شديدة لله، وفيه حث كبير على الفضيلة خلال تلك القواعد الخاصة بالسلوك الخلقي، وفيه دعوة كبيرة إلى تبادل العواطف وحسن المقاصد والصفح عن الشتائم، وفيه مقت للعجب والغضب، وفيه إشارة إلى أن الذنب قد يكون بالفكر والنظر، وفيه حض على الإيفاء بالعهود حتى مع الكافرين، وتحريض على خفض الجناح والتواضع، وعلى استغفار الناس لمن يسيئون إليهم، لا لعنهم ويكفي جميع تلك الأقوال الجامعة المملوءة حكمة ورشدًا لإثبات صفاء قواعد الأخلاق في القرآن..» من كتابه (تاريخ العرب العام) المرجع السابق/ ص 72.

ويكفي هذا الشرح المفصل لحاجة البشرية إلى قيم القرآن ومبادئه العظيمة، وهي قاسم مشترك بين الناس وتسع المؤمن وغير المؤمن بهذا الكتاب المقدس، وهذا المنهاج القويم.

وها هو الدكتور سدني فشر، أستاذ التاريخ في جامعة أوهايو الأمريكية، وصاحب الدراسات المتعددة في شؤون البلاد الشرقية، ومؤلف كتاب (الشرق الأوسط في العصر الإسلامي) يقول عن أثر القرآن في التربية والتثقيف، وحاجة البشرية إلى ذلك: «إن القرآن كتاب تربية وتثقيف، وليس كل ما فيه كلامًا عن الفرائض والشعائر، وان الفضائل التي يحث عليها المسلمين من أجمل الفضائل وأرجحها في موازين الأخلاق، وتتجلى هداية الكتاب في نواهيه كما تتجلى في أوامره..» المرجع السابق/ ص78.

هذه بعض شهادات بعض قادة الفكر في العالم، وحديثهم عن أثر القرآن في النفس البشرية وحاجتها إليه وإلى تعاليمه، وأن القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد المعتمد كمرجعية لجميع رسالات السماء، والذي ليس للبشرية غناء عنه.

 

www.aalbinfalah.wordpress.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news