العدد : ١٤٥٤٥ - الخميس ١٨ يناير ٢٠١٨ م، الموافق ٠١ جمادى الاول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٥٤٥ - الخميس ١٨ يناير ٢٠١٨ م، الموافق ٠١ جمادى الاول ١٤٣٩هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

إيران في مواجهة تحديات قائمة

لم يكن السؤال، ما إذا كانت أجهزة الأمن الإيرانية قادرة على إخماد الاحتجاجات التي اندلعت في البلاد نهاية ديسمبر من العام الماضي، مطروحا على طاولة النقاش والتحليل التي رافقت هذه الأحداث وشخصتها، بل السؤال الأهم والقائم حتى الآن هو ما إذا كانت إيران قادرة على معالجة الأسباب التي أدت إلى اندلاع تلك الأحداث التي تعتبر الأعنف منذ الصدام الدموي الكبير الذي رافق انتخاب الرئيس السابق أحمدي نجاد عام 2009 ونزول مؤيدي التيار الإصلاحي إلى الشوارع احتجاجا على نتائج تلك الانتخابات واتهام السلطات الإيرانية بتزوير نتائجها، فالأحداث الأخيرة وإن خفت حدتها بعد التدخل الكثيف من قبل أجهزة الأمن الإيرانية، وإن كانت حتى الآن لا تشكل خطرا حقيقيا على مركز النظام، إلا أن الحل الأمني الذي لجأت إليه السلطات الإيرانية ليس هو الحل الذي يمكن أن يعالج الأسباب.

فالأسباب التي أدت إلى اندلاع تلك الأحداث التي تسببت بحسب الأرقام الرسيمة الإيرانية في سقوط أكثر من عشرين قتيلا وعشرات الجرحى واعتقال المئات، لا يمكن معالجتها بالطريقة التي لجأت إليها السلطات الإيرانية، فهذه الأسباب مرتبطة بمطالب ذات جذور اجتماعية واقتصادية ومعيشية، وسياسية أيضا، وكلها مطالب ليس لها علاقة ولا يمكن التعامل معها بالوسائل الأمنية، فاتهام السلطات الإيرانية للمحتجين بالعمالة إلى الخارج لم تعد حجة مقبولة، حتى لو افترضنا وجود عناصر مندسة لها ارتباطات خارجية، فإن الشعارات التي رفعها المتظاهرون والمطالب هي مطالب مشروعة ومحقة، وحتى السلطات الإيرانية نفسها تعترف بأحقيتها ومشروعيتها.

تمكن الأجهزة الأمنية الإيرانية من إخماد الاحتجاجات لا يعد نصرا، فليس هناك أدنى نسبة من التكافؤ بين المتظاهرين العزل وبين أجهزة أمنية مدججة بكافة أدوات القمع والتسليح، فالإخماد الأمني للاضطرابات إنما هو في الواقع ترحيل لأسبابها وليس حلها، وهذا بحد ذاته يعني أن معاودة اشتعالها وتفجرها من جديد وفي أي لحظة أمر وارد جداد، ولا أحد يستطيع أن يجزم بمدى حدتها في المرات القادمة إذا ما استمرت الأسباب قائمة دون علاج، والتعامل الأمني مع مثل هذه المطالب والتظاهرات يتناقض مع رفع الصوص الدستورية والقانونية التي تبيح وتعطي حرية التظاهر والاحتجاج، ذلك أن العبرة بالترجمة العملية لهذه الحقوق وليس بتدوينها النظري.

فالحكومة الإيرانية مطالبة بالإصغاء بأمانة ونزاهة وصدق للمطالب المشروعة والمستحقة التي رفعها المتظاهرون خلال احتجاجاتهم التي اجتاحت عشرات المدن الإيرانية، فنزول مؤيدي الحكومة الإيرانية إلى الشوارع لإظهار تأييدهم لها واحتجاجا على ما أسموه بأعمال العنف والتخريب التي رافقت تلك الاحتجاجات، لا يعني أن مطالب المحتجين ليست مشروعة أو أنها ليست مطالب جامعة للشعب الإيراني، فهناك فئات مجتمعية واسعة معنية بهذه المطالب، خاصة المتعلقة بالحياة المعيشية والاقتصادية وما يسببه الفساد من إهدار لثروات الشعب الإيراني.

هناك أخطاء كبيرة وكثيرة تراكمت داخل المؤسسة الحاكمة في إيران وهذه الأخطاء من شأنها أن تكبر وتتسع وسوف تشكل المزيد من المشاكل للسلطات الإيرانية، فالشارع الإيراني الذي أعطى ثقته على مدى ما يقارب الأربعين عاما لنظام الحكم، يتطلع إلى حياة أفضل من تلك التي يعيشها الآن، أضف إلى ذلك، فإن هامش الحريات السياسية و الاجتماعية ليس هو الهامش الذي يطمح إليه الشعب الإيراني، وبالتالي فإن سعي الحكومة إلى طمر الأسباب اتي تقف وراء هذه الاحتجاجات بدل الاعتراف بها ومعالجتها، لن يكون في صالحها مستقبلا، بل على العكس من ذلك سيفاقم من حجم المشاكل والمصاعب ويرفع من درجة حنق الإيرانيين من سياسة النظام.

فالذين نزلوا إلى الشوارع رافعين مطالبهم المشروعة، هم مواطنون إيرانيون ومن حقهم التمتع بخيرات وثروات بلادهم، ومن حقهم أن يعترضوا على سياسة الحكومة الإيرانية وينتقدوا تصرفاتها وطريقة تسييرها لشئون بلادهم وكافة أنشطتها الداخلية والخارجية، فهذه من الحقوق المسلم بها من قبل الأنظمة الديمقراطية، وإيران تحسب نفسها واحدة من هذه الأنظمة، لكن ذلك يتناقض مع تصرفاتها تجاه المحتجين، الذين رفعوا مطالبهم المشروعة التي اعترف بها الرئيس الإيراني روحاني نفسه.

فبالإضافة  على الشعارات المعيشية والاقتصادية التي رفعها المحتجون خلال احتجاجاتهم في مختلف المدن الإيرانية، بما فيها المدن الكبرى مثل طهران وأصفحان، هناك شعارات سياسية ترفع لأول مرة في إيران بعد الإطاحة بنظام شاه إيران الراحل محمد رضا بهلوي، فشعارات "يسقط الديكتاتور" وإسقاط ذلك على مرشد الثورة الإيرانية أية الله على الخامنئي، تعتبر تجاوزا خطيرا لما تعتبره السلطات الإيرانية بالخطوط الحمراء، وهذا مؤشر على أن جدار الخوف من إجراءات النظام يمكن أن يتهاوى في أي لحظة خاصة إذا ما استمرت الأسباب التي أدت إلى تفجر تلك الاحتجاجات.

فالحكومة الإيرانية تستطيع أن تسمي المحتجين مثل ما تشاء وتستطيع أن تتعامل معهم بالطريقة التي تروق لأجهزتها، لكن ذلك ليس سوى هروب إلى الأمام وترك المشكلة والأسباب على علتها، مثل هذا التعامل مع المشاكل الداخلية ومع علاقة النظام بقوى المعارضة المختلفة، أثبت فشله في أكثر من مرة ومنطقة، وفي نهاية الأمر فإن السلطات هي التي سوف تدفع الثمن الباهض جراء مثل هذا التعامل، فليس "في كل مرة تسلم الجرة"، كما يقول المثل، فلا يمكن للسلطات أن تضمن قدرتها على قمع الاحتجاجات في كل مرة، وليس هناك من يضمن نجاح مثل هذه الإجراءات.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news