العدد : ١٤٥٤٦ - الجمعة ١٩ يناير ٢٠١٨ م، الموافق ٠٢ جمادى الاول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٥٤٦ - الجمعة ١٩ يناير ٢٠١٨ م، الموافق ٠٢ جمادى الاول ١٤٣٩هـ

أخبار البحرين

الدكتور عبدالرحمن الفاضل يتحدث عن أموال الوقف ويقول:

د. الشيخ عبدالرحمن الفاضل.

السبت ١٣ يناير ٢٠١٨ - 01:30

مال الوقف كمال اليتيم نار تحرق آكلها من يعتدي عليها يدخل في حرب مع الله.. وحق هذا المال لا يسقط بالتقادم


في خطبته ليوم الجمعة بجامع نوف النصار بمدينة عيسى أمس.. تحدث فضيلة الدكتور عبدالرحمن الفاضل عن الوقف وأموال الوقف مؤكدا: إن مال الوقف كمال اليتيم نار تحرق آكلها.. كما أنه مال الله ومن يعتدي عليه يدخل في حرب مع الله وهي حرب معلومة النتائج.. كما أن حق هذا المال لا يسقط بالتقادم أبدا، والاعتداء أو تسهيل الاعتداء عليه إثم كبير وجرم مقيم.

وفيما يلي نص خطبة الدكتور عبدالرحمن الفاضل:

الوقف نظام إسلامي ثبتت مشروعيته بالكتاب والسنة والإجماع، لما له من أهمية كبرى للواقف وللمُوقَفِ عليهم، وقد أشار الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى-: «إلى أن الوقف من خصائص أهل الإسلام»،

ليعلم من ذلك أن الأنظمة المالية الإسلامية بمختلف أنواعها وأشكالها أنظمة تُؤمن للأمة نماءها الاقتصادي الدائم والمتجدد الذي لا ينضب، والوقف يعد من الحلول الناجعة في القضاء على الكثير من الأزمات الاقتصادية من الفقر والبطالة؛ بل إنه مساهم مؤثر في حفظ التوازن الاقتصادي لإسهامه الفعال في الأزمات، وهو من أهم الدعامات في القضاء على المشكلات المالية والصحية والاجتماعية للأمة، ويمكن أن نعد الأوقاف مخزونا استراتيجيا للأمة في الأزمات والطوارئ، ولأنه يسد الكثير من الحاجات ويحقق الكفاية من العيش الكريم، ويخفف من الضغوط المالية على الدولة؛ لما يسهم به من توفير الحاجات الضرورية التي تكون عبئا على الدولة؛ لأنه بكثرة الأوقاف ينتقل الإنفاق الضروري على الناس في حال الأزمات والاضطرابات من بيت المال إلى الأوقاف.. ومنافع الوقف على الفرد والجماعة، وعلى الواقف والموقوف عليه لا تكاد تُعد أو تحصى من كثرتها..!!

ولهذا كان الصحابة -رضي الله عنهم- يتخيرون أنفس أموالهم وأغلاها فيوقفونها في سبيل الله تعالى يرجون أجرها وجزاء ثوابها في الآخرة، ويتنافسون في ذلك، والأحاديث عنهم أكثر من أن تحصى؛ لما فهموه ووعوه وأدركوه من أهمية الوقف على الصعيدين الدنيوي والأخروي، ولعلنا نكتفي بإيراد أشهر أحاديث الوقف المقررة لأحكامه، والذي عُدَّ أصلا في نظام الوقف: وهو حديث عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- قَال: «أَصَابَ عُمَرُ بِخَيْبَرَ أَرْضًا، فَأَتَى النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: أَصَبْتُ أَرْضًا لَمْ أُصِبْ مَالاً قَطُّ أَنْفَسَ مِنْهُ، فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي بِهِ؟ قَالَ: إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا، فَتَصَدَّقَ عُمَرُ: أَنَّهُ لاَ يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلاَ يُوهَبُ وَلاَ يُورَثُ فِي الفُقَرَاءِ وَالقُرْبَى وَالرِّقَابِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالضَّيْفِ وَابْنِ السَّبِيلِ، لاَ جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ، أو يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ» متفق عليه. 

وهكذا جاءت الأحاديث تحث على الصدقة وفضلها، فروى مسلم: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقةٍ جارية، أو علمٍ يُنتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له». 

ولا شك أن الوقف في حكم الصدقة الجارية؛ وأن المال الباقي المُثْمر أحب شيء عند الناس؛ لاستمرار غلته، ودوام نفعه، ولهذا كان الوقف أفضل الصدقات، وأعلاها وأنفعها؛ لحبس أصله وتسبيل منفعته، وإن من أشهر الأوقاف الباقية حتى اليوم وقف أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه- فإنه عند مَقدَم النبي -صلى الله عليه وسلم- للْمَدِينَةَ لم يكن بها مَاءٌ يُسْتَعْذَبُ غير بِئْرِ رُومَةَ فقال -صلى الله عليه وسلم -: «من يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ فَيَجْعَلُ فيها دَلْوَهُ مع دِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِخَيْرٍ له منها في الْجَنَّةِ» فَاشْتَرَاهَا عُثْمَانُ -رَضِيَ الله عَنْهُ- من صُلْبِ مَاله فَجَعَل دَلْوَه فيها مع دِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ. ومازالت هذه البئر ينتفع بها! وليعلم أن الوقف يبقى لازمًا، لا يحق لمن أوقف الرجوع فيه، ولا تعديله ولا تبديله، وإنه يثبت بمجرد تلفظه به!! 

وإنه من المؤسف أن نجد بعض الناس يتلاعبون في الوقف بعد أن يوقفوه لله تعالى، فيطلبون الرجوع عمّا أوقفوا، وهذا لا يجوز بعد أن تلفظوا بوقفه، والأدهى من هذا كله نجد من يستحل غلة الوقف بالاستيلاء عليها، بل قد يتجرأ على تحويل الوقف برمته ملكا إلى خاصة نفسه!!

هذا وقد نشرت (صحيفة الأيام في العدد الصادر بتاريخ 21/12/2017) شكوى مقدمة من إحدى العوائل المعروفة بكثرة أوقافها الخيرية والأهلية تناشد فيها صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة رئيس الوزراء حفظه الله تعالى- بتشكيل لجنة تحقيق بشأن ما تم من عملية احتيال قام بها أحدهم أدت إلى تحويل وتغيير الأراضي الوقفية الخيرية إلى ملك خاص به وبأسرته، وقد تم بالفعل تسجيل تلك الأراضي الموقوفة باسمهم دون وجه حق رغم علمهم بثبوت وقفيتها بموجب الصكوك الشرعية الموثقة والمؤكدة على وقفيتها!؟ 

وذلك في جرأة وتعدٍّ صارخ على حق الله تعالى أولا، ثم على قوانين وأنظمة المملكة ثانيا، يقول -تعالى-: «فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ».

وإنه نظرًا إلى خطورة التعدي على الوقف، ولما يمثله من أهمية كبيرة، ومكانة عظيمة، ولما له من أثر فعال في المجتمع المسلم كما سبق بيانه؛ ولِما يؤديه من وظائف مهمة في إعانة، وتقوية الروابط الاجتماعية والأواصر الأخوية الموثقة بين المسلمين، فإنه بناءً على هذه الأهمية المترتبة على الوقف بعامة، ومن منطلق واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر استجابة لقوله تعالى: «وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ»

ومما تقدم فإنه يحق لكل مسلم أن يقول محذرا ومنبهًا من أي تلاعب أو تساهل في أوقاف المسلمين، هذا الوقف الذي عرفه العلماء بأنه: تحبيس الأصل الموقوف من أرض أو عقار ونحوها، بحيث لا يُتصرَّف فيه إطلاقا، وتسبيل منفعته فيما عُيِّنت له مما نَص عليه الواقف، أو تقتضيه طبيعة الوقف، ولم يحدَّ الشارع المنفعة بحدٍّ معين؛ بل جعلها في كل وجه من وجوه البر التي لا تخالف الشرع، وفيها نفع للإسلام والمسلمين.

ولقد جاءت النصوصُ عامةً وخاصةً بالوعيد الشديد في الاعتداء على الأوقاف، منها قوله -تعالى-: «وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إلى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ». 

فالنهي صريحٌ عن أكل أموال الناس بالباطل، ومن ذلك أن مال الوقف مالٌ مصون، خصص ليكون قربةً لواقفه يستمر به من دون انقطاع عمله الصالح، ويتحصل منه على الأجر والحسنات بعد موته، فالوقف أمانة يجب على المسؤول عنه المحافظة عليه، والأمانة تمتد لتطول الدولة من حيث فرض رقابتها اللازمة على المتولين والنظار بغية تحقيق أغراض الوقف وغلاته على الوجه الأكمل، الذي يعود بالنفع على الواقف ومصارف الوقف المحددة..

إننا إذ نلقي الضوء على الوقف بغية التحذير من الأشقياء الطامعين الذين يتطلعون لتحقيق مكاسب مادية من هذه الأوقاف؛ فيقطعون بأطماعهم ومصالحهم الذاتية الطريق على تحقيق منافع هذا الوقف الحقيقية التي تعود على المسلمين؛ لأنهم لا يعنيهم حلال ولا حرام، يجمعون ما يستطيعون جمعه من دون حياء ولا خوف فتراهم يأكلون غلاته لصالحهم من دون وجل، بل إنهم يتحايلون من أجل الاستيلاء على الوقف بتبديله وتغييره، ذاهلين عن قَصْد وتعَمد عمّا جاء من التأثيم لمن تعدى حدوده مع الوقف من تغيير أو تبديل، يقول - تعالى-: «فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ»، وهذا نصٌّ صريح في النهي عن تبديل الوصية، والوقفِ مثلِها، بل إن الوقف أَولى بالإثم!!.

فيستبين العقلاء الشرفاء الأمناء من ذلك خطورة التعرض لتبديل صيغة الوقف أو تغييرها، أو تغيير مصارف الوقف فيها، وإنما يترك الوقف كما أراده المُوقف في مصارفه الشرعية، من دون تعرض لها أو تغيير، ما دامت جارية على سنن الشرع. وإن من أخطر صور الاعتداء على الوقف هو أن يُعْلم أن هذا وقف فيكتم، وذلك بإخفاء ما يعلم من الأمر، ليتصرفوا في الوقف بالبيع وخلافه تصرف المالك في ملكه، وكأنه لم يكن وقفا، ولا شك أن هذا إثم عظيم؛ لأن الكتم أشد إثمًا من التغيير، فإذا كان الله -سبحانه- نهى عن تغييره، فكيف بكتمه الذي هو أشد؟! لا ريب أن هذه جريمة كبيرة، وإثم عظيم يصدق على مرتكبه قولُه -تعالى-: «فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ». 

فالاعتداء على الوقف بالاستيلاء والغصب، ووضع اليد، لا يعدو كونه عملا مشينا مهينا، وأكلا لأموال الناس بالباطل، لقوله -تعالى-: «وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إلى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ»؛ بل ذلك أشد؛ لأن في ذلك نهيا عن أكل المال الخاص، فكيف بالمال الذي أوقفه صاحبه ليكون قربى عند الله -عز وجل-، وليكون فيه منفعة عامة للمسلمين؟ فجريمة المعتدي، جريمة عظيمة منكرة. فإن كان متوليا أو ناظرا فهي الخيانةُ من قِبَلهم؛ بأن يأخذوا ويختلسوا من غلالها لأنفسهم، خيانة للأمانة، والله تعالى يقول: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ»، فويلٌ لمن خان الأمانة عند الله عز وجل يوم القيامة..

وليعلم كذلك أن مال الوقف كمال اليتيم نار تحرق آكلها، وأن من يعتدي على مال الوقف الذي هو مال الله بأي شكل من أشكال الاعتداء إنما يدخل في حرب مع الله وهي حرب معلومة النتائج مدمرة للمعتدين على مال الوقف، إنه مال الله وحق الأيتام والفقراء والمحتاجين وما شرط أو وقف له، إن مال الوقف هو مال الله، وهو لما أُوقِفَ له، فشرط الواقف كنص الشارع، فهو واجب النفاذ، ومن ثَمَّة فإن حق هذا المال لا يسقط بالتقادم أبدًا، والاعتداء عليه أو تسهيل الاستيلاء عليه أو الإهمال في حقه وعدم المحافظة عليه إثم كبير وجرم مقيم، فهو بمثابة مال اليتيم وأشد، فكلاهما نار تحرق جسد من يقترب منهما بغير حق في الدنيا والآخرة، حيث يحول هذا المال الحرام حياة آكله إلى جحيم في الدنيا «وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ»، حيث يقول تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا» وبهذا فإننا على ثقة ويقين باستجابة جلالة الملك وسمو رئيس الوزراء حفظهما الله تعالى- للمناشدة المنشورة في الصحيفة الآنف ذكرها من أجل إحقاق الحق وتثبيت دعائم العدل المعهودة في مملكة البحرين حرسها الله تعالى؛ وذلك بالتحقيق في قضية أراض وقفية خيرية باعتداء جائر وتحويلها إلى أملاك خاصة من دون وجه حق!! إننا في مملكة العدل والإنصاف والأمانة في إحقاق الحق وإزهاق الباطل.. يقول تعالى:«إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ».. 

إن مال الوقف كمال اليتيم نار تحرق آكلها، وإن من يعتدي على مال الوقف الذي هو مال الله بأي شكل من أشكال الاعتداء إنما يدخل في حرب مع الله وهي حرب معلومة النتائج مدمرة للمعتدين على مال الوقف مال الله وحق الأيتام والفقراء والمحتاجين وما شرط أو وقف له، مال الوقف هو مال الله، وهو لما أُوقِفَ له، فشرط الواقف كنص الشارع، فهو واجب النفاذ، ومن ثمة فإن حق هذا المال لا يسقط بالتقادم أبدًا، والاعتداء عليه أو تسهيل الاستيلاء عليه أو الإهمال في حقه وعدم المحافظة عليه إثم كبير وجرم مقيم، فهو بمثابة مال اليتيم وأشد، فكلاهما نار تحرق جسد من يقترب منهما بغير حق في الدنيا والآخرة، حيث يحول هذا المال الحرام حياة آكله إلى جحيم في الدنيا «وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ»، حيث يقول تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا».

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news