العدد : ١٤٧٢٤ - الاثنين ١٦ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٣ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٢٤ - الاثنين ١٦ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٣ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

الثقافي

وهج الكتابة: هل توقف زوربا عن الرقص؟!

بقلم: عبدالحميد القائد

السبت ١٣ يناير ٢٠١٨ - 01:30

زوربا هذا المتمرد، المشاكس، المغامر، المجنون جنونًا لذيذًا تارةً، العاقل بجنونٍ أحياناً، ولكن الحكيم الأبدي كما يَعتقدُ هو، يصبُّ الفرح في قناني الحزن ويحيله الى فرح يصنعه هو بيده، ربما فرحٌ وهمي، ربما فرحٌ مخادع، ربما فرحٌ بلا لون، المهم انه يعشق الحياة، يسخر من مآسيها وتقلباتها، لا يؤمن بالحزن فقد وجد له علاجًا/سلاحًا يتغلب بواسطته على كل هموم الدنيا: انه الرقص «الزورباوي» بطريقة صعلوكية، يقفز إلى الأعلى لأمتار، مستغلاً كل ما هو حوله من بشر أو من أدوات، يرقص وهو في قمة الحزن أو في قمة الفرح، مودعًا كل شيء ومسافرًا الى الرقص، هامساً للطيور والكائنات بحركاته بأنه أقوى من الهمّ والغمّ وأن الحياة لا تستحق غير السخرية. هذا الرجل شخصية حقيقية، التقاه الكاتب اليوناني نيكوس كازنتزاكيس وتوطدت علاقة الصداقة بينهما على الرغم من بساطة شخصية هذا الرجل شبه الأمي، واختاره شخصية لروايته الشهيرة «زوربا». هذه الرواية نالت شهرة واسعة وخاصة بعد تحويلها الى فيلم هوليودي عام 1964 حين جسد الممثل الرائع انتوني كوين شخصية زوربا وأجاد الدور، حتى أصبح الكثيرون يطلقون على انتوني كوين اسم زوربا. وبسبب هذا الفيلم أيضا انتشرت «رقصة زوربا» وموسيقى الرقصة هي من تأليف الموسيقار اليوناني العظيم ميكيس ثيودراكيس. هذه الرقصة يعشقها البعض، حتى يمكنك أن تُفاجأ برؤية أناس يرقصونها جماعات في وسط الساحات العامة والجادات في أوروبا من دون موعد. هي فعلا رقصة الوجوديين، المغتربين، الحالمين وصعاليك الفن والشعر وهم في قمة تشظيهم وتغربهم العبثي.

رواية «زوربا» تحكي عن لقاء بين شخصين نقيضين يلتقيان صدفةً: الأول يمثل شخصية المثقف ذي القيم والمبادئ الراقية، شغوف بالكتب والقراءة والاطلاع ويسمى «الرئيس»، والآخر (زوربا) شخص أمّي، عبثي يمثل نموذج الإنسان المتحرر من كل القيود، لا يعترف بالكتب والثقافة ويسخر من كل شيء. لا يخشى زوربا من أي شيء فهو رجل شجاع، والشيء الوحيد الذي يخشاه هو الشيخوخة لأنه لا يحتاج الى مساعدة من أحد. ويسخر زوربا من «الرئيس» ومن كتبه: «كتبك تلك أبصق عليها، فليس كل ما هو موجود، موجودا في كتبك»، وفي مكان آخر: «كوّم كلّ هذه الكتب، وأشعل فيها النّار. أنت لست أبله! أنت رجل شجاع يمكن أن تصنع شيئًا أفضل».

إنهما قطبا التناقض فكريًا وسلوكيًا لكن تجمعهما صداقة وثيقة ومحبة عميقة من دون أي مصالح أو منافع، صداقة نقية، كل شخصية تجد في الآخر الجزء المفقود منه. مرةً يتوجه زوربا الى المدينة وهو في حالة تعب شديد، يدخل إحدى الحانات، فتدنو منه واحدة من تلك الغانيات، فيصدها ويرفضها، لكنها تسخر وتطعن في رجولته ولكن كرامة زوربا لا تتقبل تلك الإهانة ويصرف كل ما معه من أموال عليها، ويكتب رسالة إلى «الرئيس» معلقًا بأنه قد «دافع عن الرجولة كلها في العالم».

حوارات عديدة تدور بين «الرئيس» و«زوربا» حين يسخر أو يشفق زوربا على هذا المثقف: «أيّها الرّئيس: أستمحك عذرًا.. أنت إنسان يهتمّ بأصغر هموم الآخرين. إنّك إذا وجدت قملة إلى جانب لحافك أيّام الشتاء فإنّك تضعها تحته كي لا يصيبها برد. كيف تستطيع أن تفهم لصًّا هرمًا مثلي؟ إنني لو وجدت قملة لسحقتها. ولو وجدت خروفًا لحززت عنقه، ووضعته على السّفود، وتلذّذت بأكله مع الرّفاق. قد تقول لي: إنّ هذا الخروف ليس لك. إنّني أعترف بذلك. لكن دعنا، أيّها الأخ، لنأكله في البدء! وبعد ذلك نتحدّث ونتناقش بكلّ هدوء عمّا هو ملكك وعمّا هو ملكي. إنّك تستطيع أن تتكلّم قدر ما تشاء، بينما أنا منهمك في تنظيف أسناني بعود ثقاب.. أنت تفهم! أنت تفهم، وهذا ما سيضيعك. لو كنت لا تفهم لكنت سعيدًا».

ويسخر زوربا من عقل ورزانة «الرئيس»، ويقول: «هذا صعب أيّها الرّئيس صعب جدًا. لا بدّ من شيءٍ من الجنون. الجنون.. أتسمعني؟ أن تجازف بكل شيء، لكن أنت لديك عقل متين وسوف يتغلّب عليك». انه الجنون يا صديقي، وما أجمل الجنون حين يسكن عقل وقلب كاتب أو شاعر أو فنان، العقلاء مملون جدًا وصحبتهم أكثر سأمًا. 

نيكوس كازنتزاكيس (1883 -1957م)، كاتب وفيلسوف يوناني أبدع روايات خالدة مازالت مؤثرةة حتى هذا اليوم، انه كاتب الملاحم العظيمة التي أكسبته شهرة واسعة. ومن أشهر رواياته: رواية «زوربا»، «الإغواء الأخير للمسيح»، «المسيح يُصلب من جديد». رشحته جمعية الكتَاب في اليونان في عام 1946 لنيل جائزة نوبل لكنه خسر بفارق صوت واحد أمام الكاتب الفرنسي البير كاميه لكنه مُنِحَ في عام 1957جائزة لينين للسلام في مدينة فيينا.

كان نيكوس مغامرًا اختار أن يعرج على مدن العالم ويضيع في شوارعها وسماواتها من باريس الى برلين، إيطاليا، روسيا، إسبانيا، ثم في وقت لاحق قبرص، مصر، جبل سيناء، تشيكوسلوفاكيا، نيس، الصين، واليابان. اختارته الحكومة اليونانية وزيرًا بدون حقيبة ولكنه لم يجد نفسه مفقودًا في الكراسي الفارهة والمناصب القاتلة للإبداع فاستقال من المنصب بعد سنة من تعيينه.

وكعادة المتزمتين دينيًا في كل مكان ومواقفهم المريبة من الكتَاب والمثقفين، رفضت الكنيسة الأرثوذكسية أن يُدفن في المقبرة بسبب بعض رواياته التي اعتبرتها الكنيسة تمس الدين، فدُفِنَ على الجدار المحيط بمدينة هيراكليون. وقد كُتب على قبره بناءً على طلبه: «لا آمل في شيء. لا أخشى شيئاً. أنا حر». لم يتوقف زوربا عن الرقص، ففي كل زاوية ترى إنسانًا يشبهه، إنسانًا دمّره الحزن وما عاد قادرًا على التكيف إلا مع الجنون، وما أجمل الجنون في زمن تحوّل قلبه الى فولاذ ولكن الجنون على إيقاعات رقصة زوربا!!

 Alqaed2@gmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news