العدد : ١٤٧٢٦ - الأربعاء ١٨ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٢٦ - الأربعاء ١٨ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

الاسلامي

(أوراق صحفيّة)
في فريج كانو- 3

الجمعة ١٢ يناير ٢٠١٨ - 10:54

رجاء يوسف لوري

 أذكر أنه في تلك الحقبة الزمنيّة، ضجّ الفريج واستيقظنا على خبر مروّع هزّ الناس، ألا وهو غرق مركب كان مسافرًا من البحرين ومتوجهًا إلى الهند، واحتراقه عن بكرة أبيه في وسط البحر.

وعن مقتل كثير من الأطفال والنساء والرجال الذين كانوا على متنه، وكذلك طاقمه وموظفوه، سواء كان حرقًا أو غرقًا، ولقد كانت أسرة الجيب بأكملها من بين أولئك الركاب.

عائشة وأخوها وزوجها وابنتهما الصغيرة عواطف، والتي التقطتهم السلطات الإماراتية وأنقذتهم بقوارب صغيرة وهم حفاة عُراة.

أذكر أن بيتهم امتلأ بأهالي الفريج بعد عودتهم من الإمارات،وأذكر أن أختي عواطف -وقد كانت أصغر مني- ألبسوها شورتا صبيانيا أسود!

كثيرًا ما كنت أتسابق معها إلى حضن أمها ونتنافس عليه، وأنا أقول: أمّي! وهي تقول ضاحكةً: أمّي! 

لقد كانت النسوة يتستّرنَ بـ«الدفّة» العباية، في الشارع، ويُغطّين وجوههن بـ«الغِشوة» ولا يُبدين أيّا من زينتهن. ثم لاحقًا وبالتدريج بدأن في خلع العباية في الخارج، وانتشر بينهن مُصطلح «آنه كطيت الدفّة!»، أو «آنه كطيتها!». ولم نكن نعرف وقتها الحجاب أو النقاب.

ولكن تجد الطالبات المُتسترات كن يرتدين الدفّة، وما إن تدخل المدرسة حتى تطويها وتضعها في شنطة كتبها، وتلبس تحت «المريول» سروالاً أبيض.

أذكر أنه في أحد تلك الأيام فتحت خالتي باب ذلك المخزن الصغير للحجيره الصغيرة، والذي كان يتطلّب منّا الانحناء لكيّ نتمكن من دخولها -وحتى أنا وبالرغم من أنني كنت وقتها طفلة صغيرة- وكأنها قد فتحت مغارة عليّ بابا! أو مقبرة فرعونية! جرائد ومجلاّت مصريه قديمه.. آخر ساعة.. المصوّر.. روز اليوسف.. حواء.. الكواكب، مكاتيب ورسائل.. أثاث.. مواعين صدئة تعلوها طبقات من التراب.. وغيره. أما أجمل التحف التي وجدناها فقد كان تليفونًا أثريًّا - كالذي نراه في أفلام الأبيض والأسود الأمريكية، والذي يتكوّن من قطعة مخروطيّة طويلة رشيقة، ومُثبّت في قاعدته قرص الأرقام، وفي أعلاه البوق الصغير الذي يُتحدّث فيه، أما سماعته فهي مُعلّقة به بسلك. أذكر خالتي «آمنة» أخت جدّتي، هي خالة أمي، ولكننا كنا ندعوها خالتي. ومنذ أن وعيت عليها وهي كفيفة -رحمها الله تعالى- لقد كانت دائمًا تحمل في جيبها قطعا من «علوج الملوك» تعطيها لمن يوصلها إلى وجهتها.

فكنا نحن الأطفال نتسابق إليها، وعندما كانت تزور جدّتي، وبينما نحن نلعب في المسجد وحواليه،-و«الصبّان» يقجج يشكشك أقدامنا الغضّة الطريّة الحافية- كانت عيناي تُراقب الباب.

فما إن ألمحها خارجةً حتى أسارع إليها وأمسك بيدها؛ لكيّ أحظى بالعلوج!

أذكر أنه بينما نحن نمشي كانت هي تتحسس وتتحسّر على يديّ النحيلة. 

علمت أنها قد فقدت أربعةً من أبنائها، ولكنني لا أعلم التفاصيل.

وفي وسط ذلك الفريج المُسلِم المُسالم، كانت تسكن عجوز عربيّة يهوديّة اسمها «مرواري»، كانت نحيلة سمراء، وضئيلة الجسم، شعرها أبيض، وكانت ترتدي الدفّة، لا أدري ربما قد اعتنقت الإسلام، الله تعالى أعلم.

وكان هُناك «طرّار» شحّاذ مسكين، هزيل الجسم والثياب، وبُنيته تشبه المهاتما غاندي.

جلس في أحد الأيام على الأرض يستظلّ خلف سيارة زوج خالتي المركونة في الشارع، وللمأساة الدراماتيكية أن الأخير لم يلحظ وجوده، فأدار مفتاح السيارة، وداس على دوّاسة الوقود، فقضى عليه فورًا!

أنا شخصيًّا في كل مرّة وقبل أن أسوق السيارة، أدور حواليها لكيّ أتأكد من عدم وجود إنسان أو حتى حيوان؛ حتى لا تتكرر تلك المأساة التي لا أزال أذكرها إلى يومنا هذا.

والطرار: في اللغة العربية مُخالفة لما نتداوله بالعامية وتعني: النشال.

طرّ الثوب: يعني شقه.

ilalah@windowslive.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news