العدد : ١٤٧٢٤ - الاثنين ١٦ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٣ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٢٤ - الاثنين ١٦ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٣ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

الاسلامي

الدر المنثور في الكتاب المكنون (10)

الجمعة ١٢ يناير ٢٠١٨ - 10:53

المسلمون والمجرمون

 أي بناء فكري لن يُكتب له النجاح ما لم يبدأ بنقد الإخفاقات وتقييمها بُغية الإصلاح، وتحقيق الانطلاقة الصحيحة. هذه قاعدة تنطبق على لُغتنا الثكلى، فهي مُحاطة بنسيج عنكبوتي مُحكم من الحُزن، نسيج أحكم شِباكه حولها، فخنق الفكر العربي الإسلامي، على اعتبار أنّ اللغة والفكر صنوان لا يفترقان، إذ كيف نُفكر من دون لغة، أو بلغة سقيمة مهجورة، لذا كان الصحابي من الرعيل الأول لا يملك عيونه عند قراءة القرآن فهمًا وخشية؛ فلا خشية لمن لا يفهم النص الذي يقرأه، فكانت تفيض شؤونهم «دموعهم» والدمع إفراز إنساني نبيل. 

أما الآن فضاع القلم واندثر الحرف، وتلعثم اللسان العربي في التعبير عن مقاصده، في عتمة الوقت وظلمة اللا معنى، وأيامنا العجاف هذه جرفت الأحلام واستلبت ربيع العربية وأبقتها خريفا تتساقط أوراقها على مكث كامرأة تتعرى على مهل، من دون نخوة من ذويها على عريها وذبولها أمام أترابها من لغات الاقوام الأُخرى، هذه ليست مرثية في لُغتي العزيزة بل هي واقع صافع نعيشه ببلادة، وسيتضح ذلك من خلال فكرة المقال الأساسية.

بقراءة مُعمقة في النص القرآني الخالد، والتي لا أدعيها، نلاحظ أنّ المُصطلح المُضاد للإسلام هو «الإجرام ومنه المجرمون التي تُضاد المسلمين، وهذا جليٌّ في الاستفهام الاستنكاري في سورة القلم 36.35 «أفنجعل المسلمين كالمجرمين * ما لكم كيف تحكمون» وقد وردت لفظة «جرم» في الكتاب المكنون 67 مرة وتضمنت معنى القطع، ومنه جاء قول الحق سبحانه وتعالى في سورة النحل 109«لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون» القطع بخسارتهم، حيث لا شك في ذلك ولا ريب أمر محسوم من لدُن الحكيم الخبير.

وبالنظر إلى معنى الإجرام في القرآن نجده بمعنى القطع، أي الذي يقطع صلته بالله ناكرًا وجود الله والحساب والبعث، وقطع صلته كذلك بالعلاقات الإنسانية فلا يُقيم لها وزنًا، مُصادمًا لها ومخالفًا، وهنا تجدر الإشارة الى أنّ ما نُطلق عليه بمصطلحنا المعاصر «المُلحد» وصفه الله في مُحكم الكتاب «المُجرم»، حيث إن المُجرم أشدُّ خطرًا من المُلحد، فقد نجد مُلحدًا يُقر العلاقات الإنسانية ويقف عندها، في حين المُجرم قطع صلته بالله وبتر صلته بما هو إنساني، ومما يؤكد هذه التفرقة بين الإثنين، فعن الملحدين قال الله وقوله الحق في سورة الأعراف 180 «لله الاسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يُلحدون في اسمائه سيُجزون ما كانوا يعملون» وفي سورة النحل الآية 103 يقول تعالى: «ولقد نعلم أنّهم يقولون إنما يُعلمه بشر لسان الذي يُلحدون إليه أعجميٌّ وهذا لسان عربي مبين» وفي سورة فُصلت الآية 40 «إنّ الذين يُلحدون بآياتنا....».

من الآيات السابقة نُدرك أنّ الإلحاد هو الميل عن الاستقامة ويتجلى هذا المعنى في سورة النحل آنفة الذكر بمعنى أنّ اللسان الذي مالوا إليه أعجمي وتركوا اللسان العربي اللسان المستقيم، والإلحاد في اسماء الله هو الميل في الدعاء عنها إلى اسماء غيرها. أما الإجرام فمختلف بحسب النص القرآني فهو قطع الصلة من دون بديل كحال الإلحاد، والأمثلة القرآنية تظهر هذا المعنى كما في سورة الروم 12 «ويوم تقوم الساعة يُبلس المجرمون». وصف لحالة المجرمين يوم الحساب، حيث الدهشة والبهتة، ويظهر ذلك جليًا على وجوههم. وفي سورة القصص 78 «.. ولا يُسأل عن ذنوبهم المجرمون». أما سورة الرحمن تذكر المجرمين في آيتين متتاليتين 41-43 «يُعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام* فبأي آلاء ربكما تُكذبان * هذه جهنم التي يُكذب بها المجرمون».

وغني عن القول أن الإسلام لا يتم ولا يكون إلا بربط الصلة بالله، هذه الصلة تتوثق من خلال الإيمان به عز وجل، واليوم الآخر يوم الحساب الحق الذي يمثل نقطة انطلاق للحياة الفضلى السرمدية للذي يحظى بالفوز وينجو ولا ينجو من دون القيام بالعمل الصالح بمعناه الشمولي،  وتم تكيثف هذا المعنى في سورة الأنعام 163.162 «قل إنّ صلاتي ونُسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أُمرت وأنا أول المسلمين». فمن الركائز الأساسية للإسلام بدءًا من سيدنا نوح عليه السلام وانتهاء بسيدنا مُحمد صلى الله عليه وسلم الإيمان بالله وباليوم الآخر والعمل الصالح، قواسم مشتركة لا يزيغ عنها إلا هالك ومن هنا يتميز المجرمون من نكران وجود الخالق من جهة والعبث في نسيج المجتمع وإلحاق الأضرار بالناس التي جعلها الله من حق أصحابها لا يتجاوز عنها إلا برضا أهل الحق، فلا يخفى على أحد أن هناك حقوقا لله وأُخرى للعباد بارتكاب المخالفات التي نهانا الإسلام عنها، وهذا يُدخلنا إلى باب التفرقة بين الذنب والسيئة، حيث إن السيئة لا تكون بحق الله، فمن ذا الذي يملك الاساءة لله القاهر فوق عباده، أو الإحسان لمالك المُلك، بخلاف الذنب مع الله حين يُقصر العبد بالصلاة أو بالصوم.

جوهر الإسلام وأساسه المتين واحد من نوح مرورًا بموسى وعيسى وإبراهيم وبقية الرسل الكرام وصولاً لخاتم الأنبياء والمرسلين محمد بن عبدالله توحيد الله والإيمان بحياة آخروية أبدية وعمل صالح نافع، بينما التطور والتغيير حدث في الشرائع لا في الأُسس، فمع تطور الأزمنة تطورت الشرائع مع ثبات صارم للعقيدة وكيف لا وهي من منبع واحد، من لدن الأول والآخر والظاهر والباطن، فصيام الصديقة البتول مريم يختلف عن صيامنا الآن، وكل ذلك لحكمة أرادها الله سبحانه وتعالى.

خارج النص: بالاستناد إلى معنى الإجرام المتمثل بالقطع، ألا يحق لنا ولو من باب الغيرة على هوية الأُمة ومصدر عزها وفخرها ألا وهو القرآن المجيد أن نتساءل سؤالاً ذاتيًا خفيًا يسأله كل منا لنفسه «ألا نعتبر جميعًا إلا ما رحم الله قاطعين لصلة الرحم بيننا وبين لغتنا وبالتالي بيننا وبين القرآن الحكيم؟.. فكما قلنا في مقال سابق إن كتابنا الكريم ودستورنا الخالد يحتاج الى قراءة لا لتلاوة وإلا لماذا قرر الله أن أكثر الناس خشية له جل جلاله هم العلماء؟ ألا هبوا لنجدة لُغة مجدها الأعاجم من فقهاء اللغات ونبذها أبناؤها جهلاً! وهم بذلك فرحون!!!! هذه مجرد تساؤلات تنسجم مع مقدمة المقال حول بناء الفكر الجديد لمن أراد أن يزاول دور الشهود الحضاري، ومحاولة الإقلاع من جديد في فضاء العالم، ويكسب موطئ قدم بين الأُمم، ويزجي خدمة لدينه وينجو يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون.

عاطف الصبيحي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news