العدد : ١٤٧٢٤ - الاثنين ١٦ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٣ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٢٤ - الاثنين ١٦ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٣ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

الاسلامي

الإمام محمد الخضر حسين.. التونسي الذي رفعه علمه وجهاده إلى مشيخة الأزهر (10)

الجمعة ١٢ يناير ٢٠١٨ - 10:52

بقلم: د. غريب جمعة

المرحلة السورية (2)

عرفنا ما قاله الشيخ عن دمشق وأهلها، فماذا قال أهل دمشق عنه؟

لقد ذكروا الكثير الحسن من شمائله وفضائله، ولكنا سنكتفي بكلمتين (فقط) لاثنين من أعلام ذلك الوقت الأول هو الشيخ محمد بهجة البيطار علَّامة الشام وعضو المجمع العلمي العربي بها والثاني هو الشاعر الكبير الأستاذ خليل مردم بك وزير خارجية سوريا في ذلك الوقت.

ماذا قال الشيخ البيطار؟

لقد تحدث الرجل واصفًا إقامة الشيخ الخضر بينهم وصفا جميلاً فقال:

«أستاذنا الجليل السيد محمد الخضر حسين عَلَم من أعلام الإسلام هاجر إلى دمشق في عهدي علامتيْ الشام الشيخ عبدالرزاق البيطار والشيخ جمال الدين القاسمي فاغتبطا به واغتبط هو بلقائهما. وكنا نلقاه ونزوره معهما فأحكمت بيننا روابط الصداقة والصحبة والألفة والمودة من ذلك العهد. ولما توفي شيخنا القاسمي عام 1332هـ

لم نجد نحن معشر تلاميذه من نقرأ عليه أحب إلينا ولا آثر عندنا من الأستاذ الخضر لما هو متصف به من الرسوخ في العلم والتواضع في الخلق والبر بالإخوان، وأخذنا منذ ذلك الحين نقتطف ثمار العلوم والآداب من تلكم الروضة الزاهرة، ونرتشف كؤوس الأخلاق من سلسبيل الهدى والتقوى. ولم يكن طلاب المدارس العالية في دمشق بأقل رغبة في دروسه أجلالاً لمقامه وإعجابًا بأخلاقه من إخوانهم طلاب العلوم الشرعيين، بل كانوا كلهم مغتبطين بهذه المحبة والصحبة مجتمعين حول هذا البدر المنير».

ثم يقول:

«وخَيَّرنا الشيخ فيما نحب أن نقرأه من العلوم والفنون والكتب، فكان أن وقع اختيارنا - بتوجيهه وإرشاده - على كتاب «المستصفى في أصول الفقه» لحجة الإسلام الغزالي وكتاب «بداية المجتهد» للفيلسوف ابن رشد في فن الخلاف و«صحيح مسلم» في علم الحديث و«المغني في العربية» لشيخ النحاة ابن هشام، و«الكامل في الأدب» للمبرد.

فتولى شيخنا قراءة هذه الكتب على أفضل طريقة وأنشأ تعليقات مهمة عليها، يصح أن تكون مرجعًا فيما يُشكل على الباحث في مطالبها المنوعة ومقاصدها العليا. وقد نظمت أبياتًا في ذلك العهد في شأنها وقرأتها على أستاذنا الخضر والطلاب في جلسة الدرس فأعجبته - عليه الرحمة والرضوان - من حيث كونها تاريخًا لمجتمعنا وقراءتنا عليه وقدمت له نسخة منها. ونحن نختار منها هذه الأبيات:

يا سائلي عن درس رب الفضل مولانا الإمام

ابن الحسين التونسي محمد الخضر الهمام

إلى أن يقول:

تلك الدروس كما الشموس تغير أفلاك الظلام

فتكون منك حقائق المعنى على طرف الثمام

فالحق عوَّضنا به من شيخنا شيخ الشآم

فعليه ما ذرَّت الغزالة رحمة الملك السلام.

يقولون هو منك على طرف الثمام: أي قريب سهل التناول.

ذرت الغزالة: أي ظهرت الشمس أول شروقها والغزالة من اسماء الشمس.

أما ثاني اثنين الأستاذ خليل بك مردم، فإنه حين علم برغبة الشيخ في الهجرة من دمشق كتب إليه رسالة رقيقة يقول فيها:

«سيدي إن من خير ما أثبته في سجل حياتي وأشكر الله عليه معرفتي إلى الأستاذ الجليل السيد محمد الخضر التونسي، فقد صحبت الأستاذ عدة سنين رأيته فيها الإنسان الكامل الذي لا تغيره الأحداث والطوارئ فما زلت أغبط نفسي على ظفرها بهذا الكنز الثمين حتى فاجأني خبر رحلته عن هذه الديار فتراءت لي حقيقة المثل القائل:

(بقدر سرور التواصل تكون حسرة التفاصل).

فلم يعد لي إلا الرجاء بأن يكون لي نصيب من الذكر في قلبه وحظ من الخطور على باله، لذلك فأنا أتقدم إليه بهذه القصيدة لتكون لي رتيمة عنده (الرتيمه خيط يُشد على الإصبع أو الخاتم للعلم والتذكر) وذكرى أحد المخلصين إليه أمتع الله به وأدام الكرامة عليه وكتب السلامة له في حله وترحاله. وإليك أخي القارئ بعض أبياتها:

طيف لِلَمْياء ما ينفك يبعث لي... في آخر الليل إن هومت أشجانا

يغري الدموع بأجفان مسهدة... من حيث يوري على الأحشاء نيرانا

فلو تراني وأمر الليل مجتمع... مشتت الرأي إثر الطيف حيرانا

حسبتني مُطْفِلاً ضل واحدها... عنها فطبقت الآفاق تحنانا

إلى أن قال:

أكاد أقضي جَوًى والدار جامعة... فكيف حالي إذا وقت النَّوى حانا

المطفل: ذات الطفل من الإنسان والحيوان.

وتلك القصيدة تكشف المكانة العلمية العالية التي تبوأها الإمام في قلوب أهل العلم والأدب في دمشق.

وقد أجابه الشيخ الخضر بقصيدة طويلة بعنوان: الرتيمة

جعل مطلعها:

ما النجم تجري به الأفلاك في غسق... كالدر تقذفه الأقلام في نسق

إلى أن يقول:

هي الرتيمة فيما قال مبدعها... وهل يغيب السنا عن طلعة الفلق

إني على ثقة من أن ذكرك لا... ينفك مرتسمًا في النفس كالخُلق

وكيف أنسى (خليلاً) قد تضوع في... حشاشتي وده كالعنبر العَبِق

الحشاشة: بقية الروح.

وعلى الرغم من تلك الحفاوة والمسامرات التي يأتي بعضها إثر بعض، فإنه لم ينس وطنه تونس، ولم يغب عن باله الأصحاب والأحبة، ولا سيما صفيه وحبيبه عنوان المحبة والوفاء الشيخ الإمام محمد الطاهر بن عاشور فقد أرسل إليه رسالة شعرية يقول فيها:

أينعم لي بال وأنت بعيد... وأسْلُو بطيف والمنام شريد

بعدتُ بجثماني وروحي رهينة... لديك وللود الصميم قيود

إلى أن يقول:

فأين ليالينا وأسمارنا التي... يُبَلُّ بها عند الظماء كبود

ليال قضيناها بتونس ليتها... تعود وجيش الغاصبين طريد

ولما تولى الشيخ محمد الطاهر بن عاشور خطة (منصب) القضاء بتونس عام 1332هـ بعث إليه بقصيدة يهنئه فيها بهذه المناسبة نذكر منها:

بسط الهناء على القلوب جناحا.. فأعاد مسودَّ الحياة صباحا

إلى أن يقول:

يا طاهر الهمم احتمت بك خطة... تبغي هدى ومروءة وسماحا

سحَبتْ رداء الفخر واثقة بما...  لك من فؤاد يعشق الإصلاحا

ستشد بالحزم الحكيم إزارها...    والحزم أنفس ما يكون وشاحا

وتذود بالعدل القذى عن حوضها... والعدل أقوى ما يكون سلاحا

فأدر قضاياها بفكرك إنه  ...       فكر يرد من العويص جماحا

أنسى ولا أنسى إخاءك إذ رمى... صرف الليالي بالنوى أشباحا

أولم نكن كالفرقدين تقارنا...      والصفو يملأ بيننا أقداحا

(وإلى حلقة قادمة إن شاء الله)

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news