العدد : ١٤٦٤١ - الثلاثاء ٢٤ أبريل ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ شعبان ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٦٤١ - الثلاثاء ٢٤ أبريل ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ شعبان ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

الاقتصاد الدائري.. مفهومه وأهميته وموقعه في الثقافة الخليجية (3)

بقلم: د. أسعد حمود السعدون

الجمعة ١٢ يناير ٢٠١٨ - 01:20

أشارت العديد من الدراسات الاقتصادية المعاصرة إلى أن الاقتصاد الدائري Circular Economy سيحدث ثورة في مجال استغلال الموارد الضخمة من النفايات والضياعات التي لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات، وأعدته واحدا من القطاعات المستقبلية النهمة ذات القيمة المضافة الكبيرة للكثير من الاقتصادات الوطنية، وخاصة أنه القطاع الإنتاجي الوحيد الذي توجد وفرة متراكمة في مدخلاته وبكلف منخفضة، وقد بادرت شركات الدول الصناعية المتقدمة بشكل مبكر في استثماره، ليكون خزينا للقيمة المضافة، ومصدرا ديناميكيا للتشغيل، ورافدا جديدا للابتكار، ووسيلة جديدة لحماية البيئة واستثمارها بشكل متواصل، ومن دون استهلاك جائر لمواردها الطبيعية غير المتجددة، وأسلوبا اقتصاديا للتخلص من النفايات، والاقتصاد في استهلاك الطاقة. ويبقى السؤال أين موقع وطننا العربي من الاقتصاد الدائري؟ وعلى الأخص أين موقع الاقتصاد الدائري في الثقافة الخليجية المعاصرة؟ هذا ما سنتناوله في مقال اليوم. وبدءًا لا بد من الثناء على جهود منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (اليونيدو) في مملكة البحرين والمجلس الأعلى للبيئة وجامعة البحرين ومركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة (دراسات) والمركز العربي الدولي لريادة الأعمال والاستثمار، على عقد ورشة العمل الدولية المتخصصة في مجال (التنمية الصناعية الخضراء نحو مسارات الاقتصاد الدائري) في السابع من ديسمبر 2017 والتي كان من أهدافها تعريف المشاركين بالاقتصاد الدائري وأهميته ودوره في تحقيق استدامة الموارد، والتعرف على الأدوات والسياسات الحديثة والفعالة للتعامل مع متطلبات تطبيقه، والمجالات الاستثمارية الواعدة فيه ولا سيما أننا نلاحظ عدم وضوح إن لم يكن غياب الرؤية الاستثمارية للاقتصاد الدائري في الوطن العربي عموما، بالرغم من أن قسما من تطبيقات الاقتصاد الدائري ظهرت أثناء الحربين العالميتين الأولى والثانية، حيث كانت الدول تعاني من نقص شديد في بعض المواد الأساسية مثل المطاط، ما دفعها إلى تجميع تلك المواد من المخلفات لإعادة استخدامها. وبعد سنوات أصبحت عملية إعادة التدوير من أهم أساليب إدارة التخلص من المخلفات في الدول المتقدمة، وذلك لفوائدها البيئية والاقتصادية.

وكانت عملية إعادة التدوير المباشر لسنوات عديدة عن طريق منتجي مواد المخلفات (الخردة) وهو الشكل الأساسي لإعادة التدوير، ولكن مع بداية التسعينيات من القرن العشرين ومع بروز الاقتصاد الدائري كفرع جديد لعلم الاقتصاد بدأ التركيز على إعادة التدوير غير المباشر أي تصنيع مواد المخلفات لإنتاج منتجات أخرى تعتمد على المادة الخام نفسها مثل إعادة تدوير الزجاج والورق والبلاستيك والألمنيوم وغيرها من المواد التي يتم الآن إعادة تدويرها.

وتشير دراسة اقتصادية صادرة عن جامعة الدول العربية عام 2012، إلى أن حجم خسائر الدول العربية بسبب تجاهلها إعادة تدوير المخلفات بنحو (5) مليارات دولار أمريكي سنويا، وأن كميتها تبلغ نحو (89.6) مليون طن سنويا، وتكفي لتصنيع نحو (14.3) مليون طن ورق بقيمة (2145) مليون دولار، وإنتاج (1.8) مليون طن حديد بقيمة (135) مليون دولار بالإضافة إلى حوالي (75) ألف طن بلاستيك قيمتها (1.4) مليار دولار وكذلك نحو (202) مليون طن قماش.

وتوضح الدراسة الآنفة الذكر أن الخسائر العربية لا تقتصر على قيمة المنتجات التي يمكن الحصول عليها من عمليات إعادة التدوير وإنما تمتد إلى الكلفة الباهظة التي تدفعها الدول العربية للتخلص من المخلفات ومعالجة الأضرار الناتجة عنها، حيث تنفق الدول العربية على ذلك نحو (2.5) مليار دولار سنويا. 

وتشير الدراسة أيضا إلى أن الاستثمارات العربية الموظفة في مجال تدوير المخلفات بصفة عامة والصلبة بصفة خاصة متواضعة ومحدودة ولا تتجاوز (200) مليون دولار أمريكي، وأن معظم هذه المشروعات فردية وبإمكانات محدودة، وبتقنيات قديمة، في الوقت الذي ينبغي فيه إنشاء صناعات متكاملة وبتقنيات جديدة قادرة على إعادة تدوير المخلفات والاستفادة مما تنتجه من حديد ومعادن أخرى، وأسمدة وبلاستيك وورق وزجاج ومواد أخرى يمكن إدخالها كمستلزمات إنتاج في صناعات عديدة. 

لكن ذلك لا ينفي وجود بعض التجارب العربية الناجحة، كجمهورية مصر العربية حيث كانت السباقة عربيا في جمع وتصنيف وتدوير وإعادة تصنيع النفايات ولا سيما في مجال مخلفات القطاع الزراعي نظرًا إلى كثرتها، وخاصة قش الأرز، والتي يؤدي عدم الاستفادة منها إلى أضرار بيئية وصحية واقتصادية، فبعد أن كان المزارعون يتخلصون من هذه المخلفات بصورة خاطئة ومضرة وأغلبها يكون عن طريق الحرق، قامت الحكومة المصرية بدعم وتحفيز القطاع الخاص لتدوير المخلفات الزراعية بعدة طرق واستخدامها في عدة صناعات مهمة، مثلا لإنتاج أعلاف غير تقليدية، وإنتاج السماد العضوي، وكذلك الدخول في إنتاج الورق وصناعة الخشب وتنقية مياه الصرف الصحي وغيرها من الصناعات التي حققت عوائد إيجابية للاقتصاد الوطني فضلا عن تشغيل الأيدي العاملة، والحفاظ على البيئة من التلوث، كما كانت جمهورية مصر العربية السباقة في إعادة تدوير المخلفات المنزلية. أما دول الخليج العربي فإن من تداعيات الطفرة النفطية في منتصف عقد السبعينيات من القرن الماضي أن خلقت ثقافة لدى شعوب دولها تعد صناعة التدوير صناعة دونية لا تليق بمواطنيها، ما قاد إلى عزوف شبه تام من المواطنين للعمل فيها، وأنها إن وجدت هنا أو هناك فهي مقتصرة على الوافدين، على الرغم من أنها تمثل ثروات وموارد ضخمة لو تم استثمارها بشكل إيجابي، حيث يشير بحث صادر عن (تدوير المخلفات) في المملكة العربية السعودية مطلع عام 2016 إلى أن المملكة تنتج نحو (15) مليون طن من النفايات البلدية الصلبة سنويا، وبمعدل (1.4) كيلوجرام لكل شخص، ومن المتوقع أن يتضاعف هذا العدد ويبلغ نحو (30) مليون طن، مع زيادة عدد السكان في المملكة بنسبة (3.4%) بحلول عام 2033. 

وتتألف مصادر النفايات في المملكة من نفايات بقايا الطعام حيث تمثل نسبة (40% إلى 51%) وتليها النفايات البلاستيكية (5-17)% والنفايات الورقية والورق المقوى، والنفايات من بقايا الزجاج (3-5)% وبقايا الخشب (2-8)% وبقايا الأقمشة (2-6)% وبقايا الحديد (2-8)%. 

ومما ينبغي ذكره أن الجهات الحكومية المختصة سواء البلدية أو وزارة التجارة منحت تراخيص لنحو (500) شركة للاستثمار في هذا المجال خلال السنوات الثلاث الماضية، إلا أن الذي باشر العمل فعلا لم يتجاوز الـ(200) شركة، ولم تزل تستخدم الأساليب التقليدية في جمع وفرز وإعادة تدوير النفايات، بحيث إن ما يتم تدويره من نفايات لا يتجاوز نسبة (20%) من إجمالي النفايات المتاحة، ويذهب الباقي إلى الحرق أو الردم. أما دولة الإمارات العربية المتحدة فقد باشرت منذ مطلع عام 2008 بإنشاء مركز إدارة النفايات «تدوير» كشركة مسؤولة عن السياسات والاستراتيجيات والنظم التعاقدية لإدارة الفضلات والنفايات في إمارة أبوظبي، فيما باشرت شركة أبوظبي الوطنية للطاقة ش.م.ع (طاقة) وبالتنسيق مع مركز تدوير، ببناء محطة لتحويل النفايات إلى طاقة بالقرب من ميناء المصفح في إمارة أبوظبي بكلفة (850) مليون دولار أمريكي، وذلك لتوليد كمية من الكهرباء تكفي لسد احتياجات أكثر من (20) ألف منزل، إضافة إلى إنتاج كميات كبيرة من الاسمدة العضوية والمنتجات الأخرى بقيمة تتجاوز (1225) مليون دولار 

فيما تعتزم بلدية دبي إنشاء أكبر محطة لتحويل النفايات الصلبة إلى طاقة في منطقة (الورسان 2)، وبكلفة نحو ملياري درهم إماراتي ويهدف المشروع إلى أن تكون دبي أكثر المدن استدامة وذكاء بحلول عام 2021، تحقيقًا للأجندة الوطنية بتقليل طمر النفايات بنسبة (75%) بحلول 2021، وتوفير مساحة الأراضي المهدرة في مكب النفايات، علاوة على حماية البيئة من غاز الميثان، المنبعث من مكبات النفايات، بالإضافة إلى العديد من مشروعات إعادة التدوير التي أنشأها القطاع الخاص مثل مصانع تدوير زيت الطعام المستخدم وتحويله إلى زيوت للسيارات. وأسست إمارة الشارقة مركز شركة الشارقة للبيئة «بيئة» الذي يعد أكبر مركز في منطقة الشرق الأوسط والثالث من نوعه على مستوى العالم والذي يضم العديد من المرافق الحيوية كمنشآت تحويل النفايات إلى طاقة، وأخرى لصناعة الاسمدة العضوية من النفايات، إلى جانب مرافق متطورة لإعادة تدوير المعادن وغيرها.

أما مملكة البحرين فإنها لا تزال تعالج النفايات بالطرق التقليدية المضرة بالبيئة والتي تؤدي إلى هدر كبير بالفرص الضائعة لاستثمارها، حيث ينقصها وجود مشروع استراتيجي لتدوير النفايات، وأما ما هو موجود حاليا فهو عدد قليل من المشروعات الخاصة الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد على الأيدي العاملة الوافدة في جمع وفرز النفايات بأساليب بدائية.

وختاما لا بد من الدعوة إلى إعادة تشكيل وتحديث الثقافة الخليجية فيما يتصل بالاقتصاد الدائري عموما، والنظر إليه باعتباره فرعا جديدا من فروع علم الاقتصاد، رديف للاقتصاد البيئي، وداعم لاستدامة البيئة، والتعامل مع مخرجاته كما نتعامل مع الاقتصاد الصناعي أو الاقتصاد العقاري متجاوزين عقدة الدونية في العمل في قطاعاته والاستثمار في مشروعاته ولا سيما في ظل حالة التشبع والركود التي تشهدها القطاعات الاستثمارية الأخرى. 

‭{‬ أكاديمي وخبير اقتصادي

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news