العدد : ١٤٨١٧ - الأربعاء ١٧ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ صفر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨١٧ - الأربعاء ١٧ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ صفر ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

الإيرانيون يودعون عام 2017 بالدعوة إلى سقوط المرشد

بقلم: د. جاسم بونوفل

الجمعة ١٢ يناير ٢٠١٨ - 01:20

الاحتجاجات الإيرانية التي اندلعت في الأيام القليلة الماضية وشملت عدة مدن إيرانية بما فيها العاصمة الإدارية طهران والعاصمة الروحية قم ضد نظام الملالي في إيران والتي انطلقت شرارتها من مشهد مسقط رأس المرشد الأعلى علي خامنئي، إن ما يميز هذه المظاهرات أنها في البداية كانت ترفع شعارات منددة برفع أسعار المحروقات وبالسياسات العامة لحكومة روحاني وفشلها الذريع في حل مشكلات البطالة والغلاء وتحسين معيشة المواطن، لكن سرعان ما تحولت هذه الشعارات إلى مطالبات سياسية وراديكالية لم تخطر على بال الملالي ولم يتوقعها السياسيون، إذ طالت هذه المرة أعلى رمز في هرم السلطة الدينية وهو علي خامنئي فوصفته «بالديكتاتور» بل ذهب المتظاهرون في هذا الاتجاه إلى أبعد من ذلك حينما طالبوا برحيله ونادوا بإسقاط أهم مبدأ ترتكز عليه «الثورة الخمينية» وهذا بحسب رأي أغلب المراقبين تطور نوعي في شعارات الاحتجاجات إذ أنه ولأول مرة منذ قيام «الثورة» تظهر شعارات في المظاهرات تمس الثوابت في «الثورة الإيرانية» وهو ما يدعو المراقبين إلى عدم مقارنتها بالمظاهرات التي خرجت إلى الشوارع في عام 2009 احتجاجا على تزوير الانتخابات التي جاءت بمحمود أحمدي نجاد رئيسًا للبلاد لولاية ثانية بتأييد ودعم من المرشد الأعلى خامنئي، حيث اكتفت تلك الاحتجاجات بشعارات الإصلاح من دون المساس بتلك الثوابت، لكن الاحتجاجات هذه المرة تغيرت شعاراتها وارتقت إلى حد المطالبة برحيل النظام وإسقاط ولاية الفقيه وهو الأمر الذي يدفعنا كمراقبين ومتابعين للمشهد السياسي الإيراني إلى طرح عدة تساؤلات حول هذه الاحتجاجات والتكهن بالمسارات التي سوف يتخذها هذا الحراك الشعبي العارم. في هذا السياق فإن الأسئلة المهمة والحيوية التي تطرح بقوة هي: هل تستمر هذه الاحتجاجات وتزداد وتيرتها حتى تحقق غاياتها بالرغم من المواجهة الشديدة لها من قبل شرطة النظام؟ وهل تفضي هذه الاحتجاجات في النهاية إلى انهيار نظام الملالي ومن ثم سقوطه أم أن القبضة الحديدية لهذا النظام ستقوض تلك الاحتجاجات وستحول دون تحقيق أهدافها؟ في اعتقادي أن تغيير النظام الإيراني ليس بالأمر السهل؛ لأنه قوي ومتماسك لدرجة أنه يصعب اقتلاعه بسهولة لكن ذلك ليس بالأمر المستحيل فأمام التدفقات البشرية الهائلة التي خرجت إلى الشارع وموجات الغضب ترتسم على وجوهها حاملة لافتات تندد بالنظام وتطالب برحيله وبإسقاط ولاية الفقيه هي قادرة على قلب الطاولة على النظام وأنصاره ولكن ذلك مرهون باستمرار هذه الاحتجاجات وصمودها في وجه قوات أمن النظام التي تسعى إلى اجهاضها. في حينها لن يستطيع النظام الصمود والوقوف أمام عاصفة التغيير التي هبت في معظم المدن الإيرانية، وفي الواقع هناك دلائل ومؤشرات على أن الحراك الشعبي سيستمر ولن يقف هذه المرة عند حدود المطالب الإصلاحية المتعلقة بالغلاء وتحسين سبل العيش لأن المواطن الإيراني بات على يقين أن حل إشكالياته لا تكمن في الحزب الذي يصل إلى السلطة في بلاده سواء كان حزب المحافظين أم حزب الإصلاحيين وقد جرب الاثنين وعلمته التجربة أنهما لا يختلفان عن بعضهما وهما يمثلان صورتين لعملة واحدة هي صورة نظام ولاية الفقيه، ولذلك فإن الحكومة الحالية برئاسة روحاني «الإصلاحية» مثلها مثل الحكومات «الإصلاحية» السابقة لم تف بوعودها التي قطعتها على نفسها للناخب الإيراني وفشلت فشلا ذريعًا في مكافحة الغلاء ومحاربة الفقر وتحسين مستوى العيش الكريم للمواطن الإيراني الذي ظل يعاني منذ قيام «الثورة الخمينية» حتى اليوم، وبناء على ذلك فإن الشارع الإيراني فقد الثقة في حكومة روحاني بل في النظام برمته وبات على قناعة تامة أن الحل الجذري لمشكلاته تكمن في تغيير هوية النظام فأصبح الإصلاحيون والمحافظون متساوين بالنسبة إليه ولا يوجد فرق بينهما ونتيجة لهذه القناعات رفع الشعب الإيراني سقف مطالبه وتجسم ذلك في الشعارات المرفوعة التي تنادي بإسقاط المرشد. من هنا لا غرو أن تكون ردود فعل الحكومة الإيرانية ومناصريها هذه المرة إزاء هذه التطورات قوية وغاضبة وهذا ما نلاحظه في تصريحات روحاني التي اتسمت بالغضب حتى وإن حاول إخفاء هذا الشعور عبر بعض الكلمات المعسولة حين قال: «إن للإيرانيين الحق في الاحتجاج وانتقاد الحكومة لكن النقد شيء والعنف وتدمير الممتلكات شيء آخر». وطلب من أعضاء حكومته عقد اجتماع مفتوح لمناقشة الوضع الراهن والخروج بحلول للأزمات التي يعاني منها المواطن الإيراني.

 كما لم يكن المرشد الأعلى علي خامنئي أقل غضبا من الرئيس روحاني بل زاد عليه حين خرج عن صمته ووصف المتظاهرين «بالأعداء». 

إن المتأمل في ردود فعل المرشد ومن قبله الرئيس روحاني يكتشف أن المظاهرات الاحتجاجية قد أصابتهما في مقتل وقد أنتابهما شعور بأن صورة النظام الإيراني قد اهتزت في مخيلة الشعب الإيراني وهذا ما لا يتمناه أي منهما حتى وإن حاولا التظاهر بأن النظام صلب وعلى درجة من القوة والرسوخ وأن ما يجري في الساحة الإيرانية مجرد زوبعة في فنجان وأن تأثيرها سرعان ما سيزول لكن تبقى الحقيقة المرة التي لا يريدان الاعتراف بها هي أن الشعب الإيراني طفح به الكيل وضاق ذرعا بسوءات النظام ومغامراته الخارجية المتهورة وهي التي كلفت الخزينة الإيرانية الشيء الكثير وهي التي تقتطع من قوت يومه ونتيجة لذلك فإن انتفاضته هذه المرة موجهة إلى الملالي في طهران وكان ذلك واضحا في الشعارات المرفوعة التي مست هيكلية النظام الإيراني وفلسفة الحكم التي يقوم عليها. من هذا المنطلق يمكن القول: إن المظاهرات التي اندلعت وشملت عدة مدن أخرى وإن خفت لهيبها بسبب القمع من قبل الحرس الثوري فإنها مرشحة للانبعاث من جديد وليس إلى الانكفاء كما يزعم قائد الحرس الثوري محمد علي جعفري الذي أشار في تصريحاته إلى أن هذه الاحتجاجات قد انتهت وأنه «يعلن هزيمة فتنة 2017». وإذا كانت هذه الاحتجاجات قد انطفأ لهيبها فإن ذلك لا يعني أنها لم تحقق نتائج على الواقع السياسي الإيراني إذ يكفيها أنها هتفت ولأول مرة بسقوط نظام الملالي وعلى رأسه المرشد وهذا بحد ذاته ضربة موجعة للنظام الذي أسبغ على نفسه هالة من القدسية والتي تمرغت في التراب بعد هتافات المتظاهرين بسقوط المرشد وأعتقد أنها بداية الثورة ضد نظام الملالي. إن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو: هل ستحظى هذه الثورة فيما لو استمرت بدعم وتأييد العالم الغربي بحيث يقف إلى جانب الشعب الإيراني الذي يطالب بحريته وانعتاقه من جبروت نظام الملالي قولا وعملا؟ أم أن هذا العالم سيخذل الشعب الإيراني كما خذل من قبله الشعب السوري؛ لأنه دائما يبحث عن مصالحه بعيدًا عن المبادئ والقيم التي يؤمن بها؟

في اعتقادي أن العالم الغربي كعادته سيمارس سياسة مسك العصا من الوسط بمعنى أنه سيبقي على علاقاته مع نظام الملالي في الوقت الذي يطالب فيه النظام بعدم ممارسة العنف ضد المتظاهرين ويحثه على إتاحة الفرصة لهم للتعبير عن مطالبهم ويكتفي بإصدار بيانات تعبر عن استنكاره لممارسة العنف ضد الشعب الإيراني. أما الرئيس الأمريكي فكان صريحا وواضحا في موقفه من الاحتجاجات الإيرانية وقد أشار إلى ذلك صراحة في تغريداته حين قال: «إن الأنظمة القمعية لا يمكن أن تستمر إلى الأبد وسيأتي يوم يواجه الشعب الإيراني خياراته»، وأضاف في تغريدة: «إنه سيأتي اليوم الذي سيتخذ فيه الشعب الإيراني خياره».

أخيرا، لا أعتقد أنه بعد تلك الانتفاضة أن نظام الملالي سيكون بعيدًا عن مرمى التغيير؛ لأن التغيير قادم لا محالة، لكن متى؟ هذا ما ستكشفه المرحلة القادمة. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news