العدد : ١٤٦٤١ - الثلاثاء ٢٤ أبريل ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ شعبان ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٦٤١ - الثلاثاء ٢٤ أبريل ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ شعبان ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

إسرائيل تسطو على الثقافة الفلسطينية

بقلم: جيمس زغبي

الثلاثاء ٠٩ يناير ٢٠١٨ - 01:30

خلال الفترة الفاصلة ما بين أعياد الميلاد وبداية السنة الميلادية الجديدة وجدت نفسي وسط معمعة اسمتها صحيفة جيروزاليم بوست «حرب تويتر» وزعمت أن هذه «الحرب تثير الاستغراب على جانبي المحيط الأطلنطي».

كانت بداية المواجهة الحامية ما كتبته أنا ردا على تغريدة أرسلتها كبيرة الطباخين راكيل راي والتي زعمت أن هذه الأكلات «إسرائيلية» وقد سردت في تغريدتها «المزة وأوراق العنب المحشوة والحمص والشمندر والباذنجان، والطماطم المجففة والجوز والفلفل الأحمر والتبولة». 

لم تكن لي أي نية في إشعال هذه الحرب غير أن الدم قد بدأ يغلي في عروقي عندما رأيت تغريدة راكيل راي فبادرت ببث تغريدة ردا عليها وقد كتبت فيها ما يلي: «اللعنة! هذه إبادة ثقافية. هذه ليست بأكلات إسرائيلية. إنها أكلات عربية (لبنانية وفلسطينية وسورية وأردنية...). استولى الإسرائيليون على الأرض أولا ثم راحوا يمارسون فيها التطهير الاثني للتخلص من العرب وكل ما يمت لهم بأي صلة. ها هم اليوم يسطون على ثقافة العرب وأكلاتهم التقليدية ويزعمون أنها تابعة لهم!.. يا للعار».

يجب أن أنوه هنا إلى أنها لم تكن المرة الأولى التي تدخل فيها راكيل راي مثل هذه المعمعة وتنكر سمة من سمات الثقافة الفلسطينية العربية. ففي سنة 2008 أطلت على شاشة التلفزيون وشاركت في إعلان للترويج لنوعية من الدونت وهي تضع على رأسها الكوفية. كانت تهدفت راكيل يومها إلى وابل من الهجمات من دعاة الكراهية للإسلام والمسلمين والذين اعتبروا أن الكوفية رمز لما اسموه «الجهاديين الفلسطينيين القتلة». في نهاية الأمر اضطرت شركة Dunkin Donuts إلى إلغاء ذلك الإعلان الترويجي.

لقد تفاقمت القضية بسرعة كما أن الشركة صاحبة الإعلان الترويجي قد تعاملت مع الموقف بسرعة، لذلك فإننا لم نتمكن من الرد على تلك الحركة. أما هذه المرة فقط بلغ الأمر مداه وهو ما جعلني أرد بسرعة وهو ما قمت به فعلا. 

ما إن قمت بإرسال تلك التغريدة حتى جاءتني الردود سريعا وقد تضمنت انتقادات وهجمات من كبار كتاب الأعمدة الأمريكيين والإسرائيليين ورئيس المنظمة اليهودية الأمريكية. كانت أغلب تلك الانتقادات على قدر كبير من الغباء والسذاجة. راح البعض أيضا يهددني ويطالب بطردي من الحزب الديمقراطي فيما وجه إلي البعض الآخر الكثير من الشتائم المقذعة مثل «مضحك» و«متعصب معاد للسامية». لقد أخطأت كلها الهدف. 

اتسمت بعض الردود بالغباء والسذاجة واختزل أصحابها المسألة في «من ابتكر الحمص» كما سقطوا في الخلط الثقافي والتبس عليهم الأمر. أما أنا فقد قلت إنه لا ضير من إعداد البيزا أو الاسباجيتي في المطاعم الأمريكية لأن ذلك لا يعد إبادة ثقافية وذلك ما لم تقدم الولايات المتحدة الأمريكية على احتلال إيطاليا وتزعم بعد ذلك أن هذه الأكلات «أمريكية». 

قمت أيضا بالرد على التغريدة المسعورة التي أطلقها الكاتب الصحفي في جريدة نيويورك تايمز بريت ستيفنس والذي قال إنه إذا ما استخدمت خدمة Messaging أو Waze (وهما من اختراع إسرائيل) فإنني لن اتهم بالسطو الثقافي ما لم استخدمهما أو أزعم أنهما من أدواتي الخاصة واعتبرهما اختراعين لبنانيين. 

أنا أدرك بطبيعة الحال أن عددا لا بأس به من الإسرائيليين ينحدرون من الدول العربية وقد جلبوا معهم عادات الطبخ من اليمن والعراق والمغرب ومصر وغيرها.. غير أن ذلك لا يعني أن هذه الأكلات اليمنية والعراقية والمغربية والمصرية ستصبح «إسرائيلية» مثلما أن «البيزا والتاكو والسوشي والأرز المقلي ليست بأكلات أمريكية وإنما هي أكلات إيطالية ومكسيكية ويابانية وصينية جيء بها إلى الولايات المتحدة الأمريكية». 

إن ما قلته من كلام دفاعا عن رأيي ليس بعداء للسامية كما أنه لا ينطوي على أي رفض لوجود إسرائيل. إن ما دفعني إلى القيام بذلك إنما إنكار إسرائيل نفسها للشعب الفلسطيني والاستيلاء على ثقافته بعد الاستيلاء على أرضه. 

عندما أعلن عن قيام دولة إسرائيل تم طرد وتهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين وتجريدهم من حقهم في العودة إلى منازلهم وأراضيهم وممتلكاتهم. فقد قامت الدولة الوليدة بالاستيلاء على تجارتهم وأراضيهم ودمرت 385 قرية فلسطينية. ومثلما قال يوسف منير فإن إسرائيل هي التي سعت بشكل منظم لمحو التاريخ الفلسطيني– «تغيرت الشواهد التاريخية الدالة على اسماء الأماكن والمناطق والطرقات. غرست غابات الأشجار فوق ركام القرى من أجل محو بقايا تاريخنا وقبور آبائنا وأجدادنا». 

لم تكن «حرب التويتر» إذن تتعلق بإنكار وجود دولة إسرائيل بل إنها تتعلق بإنكار إسرائيل للوجود الفلسطيني، وهو المسار الذي لا يزال متواصلا حتى اليوم في داخل إسرائيل وهو يزداد اليوم ضراوة في الضفة الغربية على وجه الخصوص. 

على سبيل المثال، كان جبل أبو غنيم في شمالي مدينة بيت لحم، في الماضي يزدان بالخضرة قبل أن تستولي عليه إسرائيل وتعزله بالجدران عن سكان بيت لحم وتبني فوقه مستوطنة غير قانونية اسمها «هار هوما» ويسكنها اليوم ما لا يقل عن 20 ألف مستوطن إسرائيلي ويتم ضمها بالتالي إلى ما تسميه إسرائيل «القدس الكبرى». 

لم يكن السؤال: «من اخترع الحمص»؟ هو الذي جعلني أرد الفعل بل مسألة استيلاء إسرائيل على أراضي الفلسطينيين ومحو كل ما يدل على وجودهم وعملية السطو الآن على ما تبقى من ثقافتهم – ذلك هو السبب الذي جعلني أرد على تغريدة الطباخة راكيل راي عن «الأكلة الإسرائيلية» واعتبر أن ذلك يدخل في خانة الاستلاب الثقافي عبر الاحتلال. 

لقد عملت دائما على ربط هذا الواقع الفلسطيني بتجربتي الشخصية حيث إنني نشأت في وسط ولاية نيويورك، في مكان كان في الماضي موطن قبائل أمة هنود الإيروكوا، علما بأن آثارهم الدالة على تاريخهم وثقافتهم لا تزال تعيش معنا حتى اليوم. فبعض المدن لا تزال حتى اليوم تحمل اسماء هندية كما أن العائلات تحب إمضاء إجازاتها في منتجع مواهاوك. أما الأطفال فهم يحبون ارتداء أزياء الهنود في حفلة الهالوين التنكرية. أما الأطفال في الكشافة فقد تعلموا الرقصات الهندية التقليدية وتنافسوا من أجل الفوز بجائزة «وسام القوس». 

في الوقت نفسه نجد أن بقايا ذلك الشعب الذي كان يعرف فيما مضى بقوته وبأسه يعيشون اليوم معزولين في فقر مدقع في أماكن خاصة بهم ويتم تعليم أطفالهم على التنكر لإرثهم وتراثهم وعاداتهم وتقاليدهم. أما إذا تعلموا الدرس وأصبحوا يعبرون عن تمسكهم بحقوقهم التاريخية فإنهم يوصمون بألقاب من قبيل «اللعنة على الهنود الحمر».

لقد تذكرت تجربة شخصية أخرى: فقبل أربعة عقود من الآن ذهب أطفالي إلى حفل هالوين تنكري في إحدى المدارس الأساسية التي يدرسون فيه في إحدى ضواحي مدينة نيويورك. أتذكر حتى اليوم مدى استيائهم لأن أطفالا آخرين كانوا يومها يرتدون ملابس «العرب» التقليدية ويحملون أوعية من النفط أو ألعابا في شكل أسلحة. 

بعد مرور أسابيع قليلة أقامت نفس المدرسة «مهرجانا إثنيا» وقد طلبت من الأطفال أن يرتدوا ملابسهم التقليدية وإحضار أكلات من تراثهم. قال أطفالي إنهم سيحضرون تلك الاحتفالية غير أنهم ترددوا في ارتداء ملابسهم التقليدية أو إحضار أكلات تعكس تراثهم من شأنها أن تدل على جذورهم العربية. 

لقد لاحظنا يومها وجود طاولة مع بطاقة كتب عليها «إسرائيلي» وقد وضعت عليها تشكيلة من الأكلات التقليدية مثل الحمص وبابا غنوج والتبولة. كانت تجلس خلف تلك الطاولة فتاة ترتدي ثوبا تقليديا معروفا في مدينة رام الله بالضفة الغربية. 

مازلت حتى اليوم منزعجا من التشابه الكبير مع مرارة تجربة الهنود الحمر في الولايات المتحدة الأمريكية. فقد سُلب الهنود الحمر أيضا أراضيهم وأُنكر تاريخهم وحقوقهم، كما أن نفس الناس الذين سلبوهم أراضيهم يسطون حتى على ثقافتهم. هذا ما يسمى «إبادة» بنص المادة الثامنة من إعلان منظمة الأمم المتحدة حول حقوق السكان الأصليين. 

إذا كان الإسرائيليون والفلسطينيون سيتعايشون في كنف السلام – وهو ما أدعو لأجله- فلا بد أن يتأسس ذلك على مبدأ الاحترام. هذا يعني وضع حد لكل المساعي الرامية إلى اجتثاث واقع الفلسطينيين والاعتراف بحقوقهم وردها لأصحابها كما يعني احترام الثقافات المتداخلة اليوم في الأرض المقدسة – اليهود الإسرائيليون (من الشرق والغرب) والفلسطينيون العرب.

‭{‬ رئيس المعهد العربي الأمريكي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news