العدد : ١٤٧٢٤ - الاثنين ١٦ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٣ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٢٤ - الاثنين ١٦ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٣ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

فــــــــي وداع أمــــــــي الـــــثــــانــيـــة

بقلم: د. نبيل العسومي

الاثنين ٠٨ يناير ٢٠١٨ - 01:30

إن أسوأ اللحظات تلك التي تسمع فيها خبرا غير سعيد أو غير سار لا تتوقعه أبدا، وهذا ما حدث لي عندما صحوت من نومي يوم الثاني من يناير 2018 بسماع خبر وفاة أمي الثانية زوجة عمي المرحوم عبدالله العسومي الفقيدة رقية بنت يوسف مبارك أجور بالرغم من أنني في البداية لم أصدق الخبر لأنها كانت في صحة جيدة عندما زرتها آخر مرة قبل أسبوع من وفاتها رغم مرضها، حيث إنني تعودت على زيارتها كل يوم جمعة عندما أذهب إلى بيت الأهل الذي يجمعنا كل يوم جمعة في الحورة في إطار الوفاء بوصية الوالدة رحمها الله قبل وفاتها، فكانت تتحدث معي بمعنويات عالية وكعادتها بمجرد رؤيتي تبدأ بالسلام ثم بالحديث عن زوجتي وعيالي وعن أحوالهم وأخبارهم وصحتهم ثم بتقديم واجب الضيافة والإصرار على دعوتي لتناول الغداء بعدها تتبادل معي أطراف الحديث عن الحياة وعن الماضي وعن ذكرياتها مع والدتي ثم تجهش بالبكاء على رحيلها تجعلني أحبس دموعي في عيني وأحيانا لاختصار الزيارة والمغادرة متعذرا بارتباطي بعمل لأني لا أتحمل مشهدها وهي تبكي أمي، كما تحدثني عن ذكرياتها مع الحورة وناسها الطيبين وتاريخها وأيامها الجميلة.

لقد نزل عليّ خبر وفاتها كالصاعقة غير مصدق وتمنيت أن يكون الخبر مجرد كذبة أبريل وبدأت أذرف الدموع بحرقة وألم على فراق أمي الثانية والدتي رقية مسترجعا شريط الذكريات معها منذ الصغر ومنذ ذلك الزمن الجميل عندما كنا صغارا نعيش في البيت العود الذي احتضن أربعة إخوان ناصر وعبدالرحمن وعبدالله ويوسف وعائلاتهم تحت سقف واحد في كنف جدتنا أم والدي المرحومة هيا الدليمي كأسرة واحدة متحابة تقتسم لقمة العيش عندما كانت الحياة بسيطة والإمكانيات متواضعة ومحدودة فقد كانت رحمها الله نعم الأم ونعم زوجة العم تعاملنا كأبنائها إن لم يكن أحسن، تشملنا برعايتها وعنايتها وعطفها عندما تكون أمي مشغولة أو في خارج البيت ولم نسمع منها يوما كلمة تكدر خاطرنا فقد كانت من نساء ذلك الزمن الجميل كما نسميه امرأة قنوعة متواضعة بسيطة تحب الكبير والصغير وتشمل الجميع بحبها وكرمها وحتى بعد أن ابتلاها الله بمرض غريب قبل أكثر من ثلاثة عقود ونصف شل جزء من حركة رجلها آمنت بقضاء الله وقدره وتحملت آلامه وأوجاعه ومشقته وويلاته بصبر كصبر أيوب وبإيمان قوي بالله وحتى بعد أن زاد عليها المرض وأصبحت حبيسة البيت لا تخرج منه إلا لزيارة الطبيب.

ويستمر شريط الذكريات مع أمي رقية فأتذكرها عندما ذهبت معها بصحبة المرحومة والدتي إلى سوق المنامة القديم -كما نسميه- لمساعدتي في اختيار احتياجات بيت الزوجية بعد أن قررت الزواج وكيف كانت تختار بعناية شديدة احتياجاتي مع التركيز على الجودة والنوعية حيث كانت خبيرة رحمها الله في تحديد متطلبات البيت واحتياجاته، وأتذكر كيف تحملت مشقة الذهاب من الحورة إلى مستشفى الرفاع للولادة رغم بُعد المسافة وصعوبة حركتها لزيارة زوجتي بعد ولاتها والاطمئنان على صحتها رغم معارضتي لهذه الزيارة وإعطائها رقم المستشفى للاتصال بزوجتي وغيرها من الذكريات مع هذه المرأة البحرينية الفاضلة التي ستبقى خالدة في ذاكرتي وذاكرة عائلتنا العسومي التي فجعت برحيها المفاجئ.

أما على مستوى حينا الحورة فقد كانت تحتضن الجميع بالحب والمودة تسأل عن الجميع.. كريمة شهمة سخية شملت الكل بكرمها ولم ترد محتاجا ولم تبخل على أحد وفرت وجبات الغذاء اليومية للمحتاجين، بيتها تؤمه نساء العائلة والحورة كل مساء لم تقطع تواصلها مع أحد رغم مرضها حتى وفاتها فكانت نموذجا لجيل النساء البحرينيات الأصيلات اللاتي أصبحن رمزا للخير والعطاء، وستبقين يا أم محمد خالدة في ذاكرتنا وذاكرة عائلتنا وذاكرة حينا الحورة أمّا حنونا لن ننساك أبدا.

دعواتي لأمي فاطمة زوجة عمي يوسف العسومي بالصحة والعافية وطول العمر فهي الآن أمنا جميعا بعد أن رحلت أمهاتنا، ورحم الله أمي رقية بنت يوسف أجور وأسكنها فسيح جناته على ما قدمته من عمل صالح وألهمنا الصبر والسلوان، وشكرا لكل من واسانا في وفاتها، وهذه هي الدنيا محيا وممات وكل من عليها فان ولن يبقى إلا وجه ربك ذو الجلال والإكرام وإنا لله وإنا إليه راجعون الفاتحة على روح أمي رقية.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news