العدد : ١٤٦٤١ - الثلاثاء ٢٤ أبريل ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ شعبان ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٦٤١ - الثلاثاء ٢٤ أبريل ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ شعبان ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

في الإجازات.. دعوا الأرواح تلحق بكم

بقلم: د. زكريا خنجي

الأحد ٠٧ يناير ٢٠١٨ - 01:30

اتصل بي شخص، لا أعرفه، ولكنه طلب مشورتي الإدارية، فطلبت منه أن يأتي إلى مكتبي، ولكنه فضل أن التقيه في واحد من المحلات التي تبيع القهوة بأنواعها المختلفة، فوافقت.

جلسنا، فتحدث وقال: أصبحت متوترًا، دائم الركض، ألبس ملابسي وأنا أفطر في الصباح حتى ألحق على العمل، أركب سيارتي وأنا متوجه إلى العمل وأنا أتحدث مع شخص له علاقة بالعمل، سواء كان عميلا أو السكرتير أو ما شابه ذلك، أصل إلى مكتبي في الصباح الباكر وذلك قبل كل الموظفين، وأجلس هناك إلى ساعات متأخرة، وربما لا أنتهي من عملي، في الإجازات حياتي عمل، في غرفة النوم حياتي عمل، حتى أحلامي أصبحت كلها تدور حول العمل، تركت أصدقائي وأهلي وكل من أحبهم بسبب انشغالي بالعمل، تحول العمل وإرضاء أصحاب العمل إلى هاجس يخيفني ويؤرقني في نفس الوقت، أشعر أن العمل تحول إلى قيد يخنقني ويجرني وربما سيتسبب في إعدامي، أريد أن أخفف هذا العبء عني ولكني لا أستطيع، تحولت حياتي كلها إلى عمل، حتى أطفالي لم أعد أراهم إلا لبضع دقائق في الأسبوع ربما أثناء ذهابهم إلى النوم أو بالصدفة أو ما شابه ذلك، زوجتي أكاد أجزم أنها تريد التخلص مني وتطليقي، ولكنها متمسكة بالراتب الذي أجنيه من العمل، مللت، أصبحت حياتي مزعجة جدًا، أما إخوتي وأخواتي ووالداي فلا أعرف عنهم أي شيء.

تصور حتى في الأعياد -الفطر والأضحى- أقضيه في العمل.

ثم سكت من اللهاث، ونظر إليّ، ينتظر مني المشورة، فتبسمت وقلت: أنت شخصّت مشكلتك بنفسك، فماذا تريد مني؟

قال: ما الحل؟

قلت: الحل ببساطة بين يديك، فأنت يجب أن تعيد ترتيب أولويات، تعيد ترتيب حياتك، تحدد أهدافك، تعيد تخطيط حياتك.

ثم سكتُ برهة، وقلت: لماذا تعتقد أنك تجري -هكذا- خلف العمل؟ لماذا حولت حياتك كلها إلى عمل؟

قال: لست أدري، ربما إرضاءً لذلك الجاثوم الذي يقبع على أنفاسنا والذي يسمى الطموح (بحسب تعبيره هو)، لست أدري..

قلت: أو ربما الرغبة في امتلاك كميات كبيرة من المال، وذلك أيضًا يدعو البشر للجري في الحياة، وربما في اكتساب سلطة أو جاه أو ما شابه ذلك، فهل تستطيع أن تحدد ما الذي تسعى إليه؟

سكت لحظة، وتبعتها لحظة ثم لحظات وأنا ساكت لا أتكلم وتركت له مساحة من الزمن حتى يفكر، وفي النهاية ابتسم وقال: لا أعرف.

قلت: ما أهدافك في الحياة؟ ماذا تريد أن تكون بعد عشرين أو خمسين سنة؟

قال: أريد أن أمتلك منزل أحلامي، أريد أن يتمتع عيالي بالحياة، أريد الصحة، أريد سيارة ولكل واحد من عيالي سيارة، ثم ذهب يستطرد عن أحلامه وما كان يعتقده أنه أهدافه، ولم أقاطعه حتى انتهى.

وعندها قلت له: كل ما قلته جميل، ولكن كيف يمكنك أن تحقق كل ذلك وأنت في باطن الأرض أو على فراش المرض؟ ألم تسمع بالرجل العجوز الذي قال: في شبابي كنتُ أنا والصحة نبحث عن المال، واليوم أنا والمال نبحث عن الصحة؟

سكتُ لحظة وتركته يحاول أن يهضم كلامي، فواصلت وقلت: اسمع، الرغبة في العمل شيء جميل والسعي على الرزق أجمل، وتحقيق الطموح هو جل الأمور، ولكن هل تعتقد أنك بهذا الأسلوب الذي تتبعه سوف تحقق كل أحلامك وكل آمالك؟ ثم سكتُ لحظة، وتابعت وقلت: أنا لا أريد أن أحبطك، ولكن الحياة ليست محصورة في العمل، والعمل جزء مهم من حياتنا ولكن الله سبحانه وتعالى قد وهبنا أشياء أخرى كثيرة جميلة أيضًا من المفروض أن نستمتع بها، أولادنا مثلاً زينة الحياة الدنيا، البيت، الزوجة، الطبيعة وأمور كثيرة لماذا لا نلتفت إليها إلا بعدما نخسرها؟

يروى عَنْ عبداللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنه قَالَ: خَطَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطًّا مُرَبَّعًا، وَخَطَّ خَطًّا فِي الْوَسَطِ خَارِجًا مِنْهُ، وَخَطَّ خُطَطًا صِغَارًا إلى هَذَا الَّذِي فِي الْوَسَطِ مِنْ جَانِبِهِ الَّذِي فِي الْوَسَطِ، وَقَالَ: هَذَا الْإِنْسَانُ، وَهَذَا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ، أو قَدْ أَحَاطَ بِهِ، وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارِجٌ أَمَلُهُ، وَهَذِهِ الْخُطَطُ الصِّغَارُ الْأَعْرَاضُ، فإن أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا، وَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا. (رَوَاهُ البُخَارِيّ). فقمتُ برسم الحديث على قطعة من الورق طلبتُها من الجرسون، فقلت: هذا أنت في وسط المربع، والمربع هو حياتك، والخط الخارجي الذي هو هناك هو أملك، وأنت كلما سرت إلى أملك فإنك تقترب من أجلك، فسوف تموت ولا يمكن أن تحقق كل أحلامك وطموحاتك، فالأجل محيط بنا شئنا ذلك أم أبينا.

أنت يا صاحبي مصاب بما يعرف (بإدمان العمل)، فهو نوع من الأنماط السلوكية يشعر فيه المصاب أنه مضطر إلى القيام بالعمل، وربما يصفه بعض العلماء بأنه نوع من أنواع التوتر، واضطرابات السيطرة على الانفعالات، واضطراب الشخصية الوسواسية، والوسواس القهري يمكن أن يكون لها علاقة بالعمل.

وعادة يتم استخدام مصطلح (إدمان العمل) من قبل الناس الذين يرغبون في التعبير عن ولائهم لوظيفة واحدة بشكل ايجابي. ومع ذلك، ففي كثير من الأحيان يستخدم هذا المصطلح للإشارة إلى النمط السلوكي السلبي الذي يشير إلى قضاء وقت طويل في العمل، وهو إكراه داخلي للعمل بجد، وهو ما ينتج عنه إهمال للأسرة ولكافة العلاقات الاجتماعية الأخرى. وقد وجد الباحثون أنه في الكثير من الحالات، لا تزال الأنشطة المتصلة بالعمل متواصلة حتى بعد التأثير الذي تعرفه سواء العلاقات الاجتماعية أو الصحة البدنية للشخص المدمن العمل. 

ويعتقد بعض العلماء أنه -أي إدمان العمل- من أهم الأسباب التي ترتبط بالقلق، أو ضعف الثقة بالنفس وأيضًا مشاكل العلاقات الحميمة، وعلاوة على ذلك، يميل مدمنو العمل إلى أنهم تنعدم لديهم القدرة على تفويض مهام العمل للآخرين.

وهذه الظاهرة موجودة بصورة كبيرة في اليابان إذ أنها تُعد مشكلة اجتماعية خطيرة هناك يمكن أن تؤدي في كثير من الأحيان إلى الوفاة المبكرة أثناء العمل جراء الإرهاق. هل تعرف أنه في عام 2013، توفي متدرب في (بنك أوف أمريكا) بلندن بعد أن عمل بشكل متواصل لمدة 72 ساعة. ثم سكتُ لحظة وتركته يستوعب كلامي.

ثم واصلتُ وقلت: إن مدمني العمل يشعرون بالحاجة لأن يكونوا مشغولين طوال الوقت، لدرجة أنهم في الكثير من الأحيان يقومون بأداء المهام التي ليست مسندة إليهم أو اللازمة لإنجاز المشروع. ونتيجة لذلك، فإنهم يميلون إلى أن يكونوا عمالاً تنقصهم الكفاءة، لأنهم يركزون على أن يكونوا مشغولين، بدلاً من التركيز على أن يكونوا منتجين. وبالإضافة إلى ذلك، فإن مدمني العمل يفضلون أن يكونوا أقل فعالية من غيرهم من العمال لأنهم يجدون صعوبة في العمل داخل فريق، صعوبة في تفويض أو تكليف عملهم لأحد زملاء العمل، أو مشاكل تنظيمية بسبب القيام بالعديد من الأعمال في آن واحد. وعلاوة على ذلك، مدمنو العمل غالبًا ما يعانون الحرمان من النوم، ما يضعف الدماغ ويضعف وظيفة الإدراك لديهم.

قال بعد برهة: ما الحل الآن؟

قلت: الحل بسيط، كل نهاية أسبوع خذ استراحة من العمل، لا تعمل في الإجازات، لا تعمل في الأعياد، وكما نقول: دع روحك تلحق بك على الأقل أثناء الإجازات، استرح، اخرج مع عيالك في الإجازات، اترك كل شيء خلفك، في ذكرى زواجك اخرج مع زوجتك واحتفل، واحتفل في أعياد ميلاد عيالك، عش حياتك وخاصة في الإجازات، واترك العمل لوقت العمل.

ضع لك أولويات، البيت والعيال وأمهم، الوالدين والأهل، النفس وتحقيق الذات، العمل، الاستمتاع بالحياة وأخذ الإجازات وسافر إلى بلاد الله الواسعة، الرياضة.. والحياة واسعة فلماذا تضيقها على نفسك؟

وقلتُ مكررًا: عِشْ الإجازة بكل تفاصيلها، دع روحك تلحق بك في الإجازة، يمكنك أن تركض طوال الأسبوع وأن تلهث في العمل فلا بأس من ذلك، ولكن أترك الإجازة لنفسك وعيالك وأهلك، عندئذ ستشفى من إدمان العمل.

ثم قلتُ له: هل وصلت الرسالة؟

قال: نعم، وصلت وسوف أطبق هذه المشورة منذ الآن، ولن أخذلك.

ثم ودعني وذهب.

وبعد حوالي شهر من ذلك اللقاء اتصل بي وقال: لا أصدق ولن تصدق أين أنا الآن؟

سألته: أين؟

قال: أعيش حياتي، فأنا مسافر وفي (ذكر اسم البلاد الذي هو فيها)، ولم أكن أتصور أن الحياة جميلة بهذه الصورة خارج نطاق العمل.

فتبسمتُ وقالت له: يا صاحبي.. دع الروح تلحق بك.. على الأقل في الإجازات، واركض بقية أيام الأسبوع فلا ضرر من ذلك، وإنما في الإجازة استرح.

 

Zkhunji@hotmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news