العدد : ١٤٦٤١ - الثلاثاء ٢٤ أبريل ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ شعبان ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٦٤١ - الثلاثاء ٢٤ أبريل ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ شعبان ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

الرؤية القرآنية للعلاقات الدولية!

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ٠٧ يناير ٢٠١٨ - 01:30

لم يغفل الإسلام أمر الأمم التي تحيط به من كل جانب، وباعتباره دينا كاملا، ونعمة تامَّة أسس للعلاقات الإسلامية مع الأمم الأخرى التي لا تدين بالإسلام، بل حتى الأمم التي لا تدين بدين سماوي، وإنما تؤمن بأديان وضعها البشر، واصطلحوا على الولاء لها، حتى هؤلاء أمر الإسلام أتباعه بأن تتوالى فيهم سنة أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وحين نتصفح دستور الإسلام الخالد (القرآن الكريم) سوف يتبين لنا الهدي في مثل هذه العلاقات، وسنجد أن القرآن العظيم له رؤية سديدة في تأسيس العلاقات الدولية بين أمة الإسلام والأمم الأخرى، نجد ذلك ومن دون عناء في آيتين من سورة الممتحنة، وهما الآية الثامنة والآية التاسعة، وذلك في قوله تعالى: «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين(8) إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون» (9).

ومن اليسير على المسلمين التعرف على من يسالمنا ومن يناصبنا العداء، ويتم ذلك من خلال الحوار الهادئ والمجادلة بالتي هي أحسن كما أمرنا بذلك القرآن الكريم، يقول تعالى: «ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون» العنكبوت/46.

وهذا المبدأ العظيم مؤسس على مبدأ آخر عام وهو قوله تعالى: «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضلَّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين» النحل/125.

وانظروا إلى سماحة الإسلام وحرصه على المسالمة مع الآخر، فهو يدعو أتباعه إلى مجادلة أهل الكتاب لا بالحسن من القول بل بالأحسن منه، وهذا هو ديدن القرآن الكريم مع الأمم المعاندة له، ألم يوصِ نبيه موسى وأخاه هارون عليهما الصلاة والسلام بأن يقولا قولاً لينًا لفرعون وهو من هو طغيانا واستبدادًا، قال تعالى: «اذهبا إلى فرعون إنه طغى(43) فقولا له قولاً لينًا لعله يتذكر أو يخشى(44) قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى(45) قال لا تخافا إنني معكما اسمع وأرى(46) سورة طه.

هذا هو منهج القرآن مع المعاندين له، وهذا هو أسلوبه في إقامة الحجة على الناس، وقد وضع الرسول الأعظم (صلى الله عليه وسلم) شروطًا للمواجهة مع الأعداء، فأمر قادة جيوشه أن يعرضوا على الناس خيارات ثلاثة، وهي: أن يسلموا فيكون لهم من الحقوق ما للمسلمين وعليهم من الواجبات ما على المسلمين، فإن هم أبوا ذلك فعليهم أن يدفعوا الجزية، وهي قدر من المال قليل يدفعه غير المسلم مقابل أن يبقى على دينه، ويُعفى من الانخراط في الجيش الإسلامي، وعلى المسلمين أن يؤمنوا لهم الحماية لدمائهم ودور عبادتهم، وأن يحافظوا على أعراضهم وأموالهم، ويعفى من هذه الجزية كبار السن والنساء والأطفال وأصحاب العاهات، بل إن الدولة الإسلامية تتكفل بنفقاتهم، كما فعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) لليهودي الأعمى الذي كان يتكفف الناس، ولما سأله عن ذلك، قال: لأدفع الجزية وأنفق على نفسي، فقال له: ما أنصفناك، أخذنا منك وأنت شاب وتركناك وأنت شيخ، فأمر له براتب شهري يشبه ما تعارف عليه الناس في هذا العصر، وهو الراتب التقاعدي، ليس هذا فحسب بل جعل راتبًا لرجل يقوم على خدمته.

ونستطيع أن نقول ودونما أدنى مبالغة إن الإسلام هو من بدأ الدعوة إلى حوار الحضارات أو حوار الأمم، نجد ذلك في قوله تعالى: «قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بَعضُنَا بعضًا أربابًا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون» آل عمران/64.

هذه دعوة إلى الحوار، وتأسيس للعلاقات الدولية المبنية على اللين والرفق حتى يثبت العكس، ونريد هنا أن نقرر حقيقة مهمة، وهي أن الإسلام لا يسعى أبدًا إلى نشر تعاليمه بقوة السيف لأن ذلك لا يجدي نفعًا، لأن ما أسس على القوة يذهب بذهابها، والإسلام لا يريد قوالب ولكن يريد قلوبًا، والإسلام يستخدم القوة في حالة واحدة وهي لإزالة الطواغيت من طريق الدعوة، وكان القياصرة والأكاسرة يشكلون أهم عائق في طريق حرية اختيار الشعوب للدين الذي يريدون، ونحن نستطيع أن نقدم دليلاً من التاريخ وواقع الدول التي دخلها الفتح الإسلامي على أن المسلمين لم يجبروا أحدًا على الدخول في الإسلام وذلك ببقاء الكثير من أصحاب الديانات الأخرى على أديانهم، ولقد أسست صحيفة المدينة التي كتبها الرسول (صلى الله عليه وسلم) للعلاقات بين المسلمين وأصحاب الملل الأخرى، وأخذ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) العهد على نفسه الشريفة بأن يكون يوم القيامة خصمًا لمن آذى ذميًّا، وأمر المسلمين بأن يحافظوا على عهده لأهل الذمة من اليهود والنصارى وغيرهم الذين أمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) المسلمين أن يستنوا فيهم سنة أهل الكتاب.

قلنا إن حوار الحضارات بدأ به الإسلام مع أصحاب الحضارات والديانات الأخرى، وكان شرطه أن ينطلقوا في حوارهم معه من أرضية مشتركة نصت عليها الآية الكريمة رقم(64) من سورة آل عمران حيث أكدت على قاعدة أساسية وهي قوله تعالى: «قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء..» والكلمة السواء هي كلمة التوحيد «ألا نعبد إلا الله..» ويقتضي هذا «ألا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بَعضُنَا بعضًا أربابًا من دون الله..».

إذن، فأهم قاعدة في هذا الحوار حتى يؤتي الحوار ثمرته هو الاتفاق على توحيد الالوهية والربوبية، فإذا اعترفوا بذلك واتفقوا عليه، فقد قطعوا شوطًا بعيدًا في الحوار وفي ضوء هذا الاتفاق على القضايا الأساسية المفروض أن يؤدي هذا الحوار إلى تقارب وجهات النظر إن لم تتطابق، وأن يصل الجميع إلى التعايش المنشود ولكن الذي حصل غير هذا، حيث توقف الحوار وأخذ كل طرف يسعى إلى تحقيق أقصى ما يستطيع من المنافع حتى ولو كان ذلك على حساب السلم والأمن الدوليين الذي يزعمون أنهم يسعون إلى إنجازه، والدليل على فشل الأمم المتحدة بمنظماتها ومجلس أمنها في نشر مظلة الأمن على دول العالم هذه الحروب التي أحرقت الأخضر واليابس ومزقت الوحدة الإنسانية التي وفر لها الإسلام -باعتباره الدين الوحيد الكامل- كل فرص النجاح والتوفيق، ولكن قاتل الله المصالح الشخصية التي كانت السبب المباشر وغير المباشر في تدمير العالم وتمزيق وحدته، وإثارة الكراهية والبغضاء بين شعوبه بسبب الطغاة والمستبدين من حكام هذه الدول الذين عاثوا في الأرض فسادا.

لقد حاول الإسلام مع خصومه المستحيل، وأقر بما أنزل إليهم قبل أن تطوله يد التحريف والتبديل فلما يأس منهم أعلن المفاصلة، ولكنه لم يقطع حبال الوصل معهم، فنزلت الآيتان (8،9) من سورة الممتحنة التي حددت أُطر العلاقات الدولية بين المسلمين وبين من سالمهم ومن عاداهم، فلم يغمط المسالمين حقهم، ولم يتهاون مع المعادين المظاهرين لأعداء المسلمين عليهم، ولقد أعطى الإسلام للمحاربين لدولة الإسلام الفرصة في اختيار الخيار المناسب لهم، إما السلم وإما الحرب.

هذه هي الرؤية القرآنية للعلاقات الدولية بين المسلمين والأمم الأخرى في العالم.

www.aalbinfalah.wordpress.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news