العدد : ١٤٧٢٦ - الأربعاء ١٨ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٢٦ - الأربعاء ١٨ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

بريد القراء

التعايش في ظل التعددية الثقافية مفتاح التقدم

السبت ٠٦ يناير ٢٠١٨ - 10:29

إخواني الأعزاء.. تميزت حضارتنا العربية الإسلامية بجمعها بين طاعة السماء وإعمار الأرض، الأمر الذي مكنها من ان يسطع نجمها بين سائر الأمم والحضارات الأخرى، حتى انها كانت بمثابة المعلم لهم.. تقول المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه المعروفة بكتاباتها في مجال الدراسات الدينية «إن هذه القفزة السريعة المدهشة في سلم الحضارة التي قفزها أبناء الصحراء، والتي بدأت من اللا شيء لهي جديرة بالاعتبار في تاريخ الفكر الإنساني… وإن انتصاراتهم العلمية المتلاحقة التي جعلت منهم سادة للشعوب المتحضرة لفريدة من نوعها، لدرجة تجعلها أعظم من أن تُقارَن بغيرها، وتدعونا أن نقف متأملين: كيف حدث هذا؟!.

حدث هذا في الأندلس، فقد استطاع أجدادنا تأسيس حضارة عظيمة امتدت على مدى قرون طوال. فحين وصل أجدادنا ومعهم الأمازيغ إلى شبه الجزيرة الإيبيرية (إسبانيا حاليا) وجدوا أمامهم أجناسا أخرى من القوطيين والرومان والإغريق. هذا اللقاء كان يمكن ان يستمر دمويا يستنزف قواهم هم والأوربيين على السواء. لكنهم لم يعبروا البحر وهم متسلحون بالسيوف فقط لكنهم بالأساس حملوا معهم جوهر الإسلام والمتمثل في رؤية كونية عالمية قادرة على استيعاب كل الاختلافات والتناقضات، مرتكزة على روح الإسلام المتمثلة في العقل والتدبر والعلم والعمل والأخلاق. 

لم يلبث العرب والبربر أن نسوا سكان شبه الجزيرة وحصل التزاوج والمصاهرة بينهم، فنشأت طبقة اجتماعية جديدة هي طبقة المولدين التي شغلت المناصب الكبرى في الأندلس. كما ظهرت طبقة جديدة أخرى هي طبقة المستعربين وهم الاسبان المسيحيون الذين ظلوا على ديانتهم المسيحية، لكنهم تعربوا بعد ان درسوا اللغة العربية وآدابها وثقافتها. 

لقد تركنا لهم كنائسهم وقوانينهم وأموالهم وحتى القضاء أوكلناه إلى قضاة منهم، حاربنا كل مظاهر الاستغلال البشري الذي كان قائما هناك.

هذا التعايش المشترك المبني على التسامح والمودة اوجد مناخا ملائما لكي تبدأ الأندلس -كل الأندلس- في تنفيذ التكليف الإلهي لنا معشر البشر وهو اعمار الأرض. يقول الله سبحانه وتعالى «هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها» -(هود، آية 61)، فالإنسان مخلوق من تراب الأرض، أما لماذا أنشأنا الله منها؟ وما هي مهمتنا في هذا الوجود؟ فالله تعالى يقول: «استعمركم فيها»، يشير المفسرون، وتصرح بعض النصوص الواردة في هذا المجال أن المعنى «طلب منكم عمارة الأرض»، أي أن «تعمروها».

وهنا نقف مع ملاحظة مهمة وهي أن الله سبحانه وتعالى لم يقل انه عمر الأرض لكم، بل إنه سبحانه خلق هذا الكون وأودع فيه الثروات والخيرات والإمكانات، ثم فوض الإنسان لأن يستغل هذه الثروات والإمكانات من اجل اعمار الأرض. 

هذا ما قام به المسلمون في الأندلس بالفعل، فقد استثمروا في أعظم ما اوجد الله، استثمروا في الإنسان نفسه من خلال تصميم نظام اجتماعي ينتج ثقافة وعلما. فقد أنشأ العرب العديد من المدارس، والأماكن الثقافية المختلفة وعلى رأسها المكتبات، إلى جانب ذلك فقد اهتم العرب بإثراء حركة الترجمة، وذلك من خلال إقبالهم الشديد على ترجمة الكتب من شتى أنواع الحقول والمعارف، كما اهتموا بدراسة العلوم المختلفة، كالرياضيات، والعلوم الطبيعية، والطب، والكيمياء، والفلسفة، والدين، وما إلى ذلك من حقول العلم والمعرفة، حتى برز من الأندلس العديد من العلماء والمفكرين الذين لا تزال اسماؤهم ساطعة حتى يومنا هذا كلٌّ في حقله، ومجال شهرته. منهم الطبيب ابن الكتاني وكتبه المحفوظة الآن في المكتبة الوطنية لعلم الطب في الولايات المتحدة. ولا ننسى ابن الأثير الجزري، ابن الراوندي، ابن الشبل البغدادي، ابن النفيس، ابن باجة، ابن باكويه، ابن حزم الأندلسي، ابن خلدون، ابن رشد، ابن سينا، وغيرهم ممن ملؤوا الأرض علما وقيما وحضارة. 

في الوقت الذي كانت فيه الكنيسة الكاثوليكية تعادي العلماء وتتهمهم بالهرطقة كان المسلمون في الأندلس منفتحين على الثقافات الأخرى، لأن الإسلام باعتباره الرســـالة الخاتمـــة هو دعــوة إنسانية عالميـــة، لا تخــاطب قومـــا بأعيانهـــم ولا جنســــــا بذاتـــه: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقــــون) (البقــرة: 23)، (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا) (الأعراف: 158)، (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرًا ونذيرًا) (سبأ: 28). وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى عموم بعثته، وعالمية دعوته، فقال: (أُعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: كان كل نبي يُبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود...). 

وهكذا أضحت إسبانيا بعد ان أشرقت بنور الإسلام، مصدرًا للعطاء والالهام المعرفي لأوروبا، كما صرح بذلك المستشرق الإسباني الدكتور بدور مارتينيز مونتابث، بقوله: (إن إسبانيا ما كان لها ان تدخل التاريخ الحضاري، لولا القرون الثمانية التي عاشتها في ظل الإسلام وحضارته، وكانت بذلك باعثة النور والثقافة إلى أوروبا المجاورة، المتخبطة آنذاك في ظلمات الجهل والتخلف).

وحين حانت لحظة السقوط وتسليم الأرض لم ننهزم ولم تخبوا إرادتنا في العودة من جديد والتي جسدتها شخصية الفارس العربي موسى ابن ابي الغسان الذي اهتم المؤرخون الإسبان به وتتبعوا أخباره واحتل في كتاباتهم مكانة متميزة ومساحة واسعة وهي تقدم صورة باهرة للعزيمة والإرادة العربية.

يورد المؤرخ المصري محمد عبدالله عنان في كتابه «دولة الإسلام في الأندلس» مقولة موسى ابن ابى الغسان حينما كانت تسلم غرناطة للأسبان الكاثوليك: «ليعلم ملك إسبانيا أن العربي قد ولد للجواد والرمح، فإذا طمح إلى سيوفنا فليكسبها غالية، أما أنا فخير لي قبر تحت أنقاض غرناطة، في المكان الذي أموت مدافعا عنه، من أفخم قصور نغنمها بالخضوع لأعداء الدين». لقد ساعده شعوره العميق بالمسؤولية الملقاة على عاتقه نحو دينه وأمته وأرضه وعرضه، وشموخ أجداده المختزن في ذاكرته، وتشربه لمبادئ القرآن والسنة، أن يكون قوي الشكيمة، ومتمتعا ببعد الرؤية والمقدرة الكبيرة. وساعدته شجاعته وجرأته وإقدامه، ومؤهلاته القيادية الفذة، وحماسته الدينية المتوقدة، على أن يكون قائدا لإقرانه ومدربا ومرشدا روحيا لهم.

والآن نتنسم نسيم الأندلس هنا في مملكة البحرين، حيث تجسد نموذجا حضاريا في الوحدة الوطنية والتسامح والتعايش السلمي بين أتباع مختلف الأديان والمذاهب والثقافات بفضل أجواء الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية وسيادة القانون في إطار المشروع الإصلاحي لصاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد المفدى، الذي يؤكد أن البحرين ذات خصوصية مميزة في كفالة الحقوق والحريات الدينية وترسيخ روح الود والتعاون وقيم المودة والسلام بين جميع المواطنين والمقيمين في إطار تجربة رائدة لاحترام حقوق الإنسان بغض النظر عن جنسه أو أصله أو عرقه أو دينه أو مذهبه، فإن التراحم والعدالة الاجتماعية واحترام حقوق المواطنة وكافة الحريات العامة والشخصية والدينية هي دعامات أساسية لنظام الحكم الرشيد في المملكة، والتزام المملكة في سياستها الخارجية بتوطيد أواصر التعاون والصداقة والتفاهم بين الشعوب والأمم والحضارات في إطار الاحترام المتبادل ونبذ العداوة والصراعات.

وأعرب عاهل البلاد جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عن مباركته تدشين «رؤية مملكة البحرين الاقتصادية حتى عام 2030»، وقال: «هذه أول مرة في البحرين يتم فيها تقديم برنامج اقتصادي متكامل»، وأضاف «من محاسن الصدف أن طرح الرؤية جاء في الوقت المناسب، إذ يحتاج الناس حاليا إلى رؤية اقتصادية تدلهم على الطريق وسط ما يمر به العالم من متغيرات». 

صدقت يا جلالة الملك إنها الأندلس تبعث من جديد. 

عمر عمران الشيخ

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news