العدد : ١٤٦٤١ - الثلاثاء ٢٤ أبريل ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ شعبان ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٦٤١ - الثلاثاء ٢٤ أبريل ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ شعبان ١٤٣٩هـ

الثقافي

الشاعر أحمد مدن يؤثث «الصحو بجرعات ماثلة»

بقلم: يوسف مكي

السبت ٠٦ يناير ٢٠١٨ - 10:12

أحمد مدن شاعر مقل في نتاجه الشعري، وهو الذي بدأ رحلته الشعرية منذ منتصف الثمانينيات مستهلا تلك الرحلة بديوانه الأول «صباح الكتابة» عام 1984، ثم تلا ذلك بديوان آخر هو «عشب لورقة الدم» عام 1992، ثم ديوانه الثالث «سماء ثالثة» في سنة 2000.

ومنذ ديوانه الأخير مرت سبعة عشر عاما لم يصدر فيها للشاعر أي ديوان، إلا أن هذه المدة كانت بمثابة المراجعة الإبداعية من جهة، ومزيدا من اختمار التجربة الشعرية من جهة أخرى. 

لذلك جاء ديوانه الربع ليختم هذه المرحلة من الصمت الإبداعي ويدشن لمرحلة شعرية جديدة ونوعية في تجربة شاعرنا أحمد مدن. إنه الديوان الرابع الذي صدر مؤخرا تحت عنوان: «الصحو بجرعات ماثلة» عن دار فراديس 2017.

صحيح أن الشاعر أحمد مدن مقل في تجربته الشعرية بالقياس إلى مجاييله من الشعراء -أقصد شعراء الثمانينيات- لكن تجربته برغم قلة الإصدارات هي تجربة مختلفة وفيها كثير من الخصوصية الإبداعية والتفرد، ويتجلى ذلك في الصور والإيحاءات وفي الخيال، وفي القدرة على تصوير الواقع الملموس من دون الوقوع في المباشرة والتسجيلية، أو الوثائقية، وفي الوقت نفسه القدرة على التحليق في الخيال والتجريد من دون مبارحة الواقع، أي الابتعاد عن الأجواء السوريالية، بلغة تتميز بالسلاسة وقدرة على المزاوجة بين لغة الشعر ولغة النثر وفي كلا الحالتين بالشاعرية، كما أن لديه قدرة على ضبط المعادلة ما بين المجرد والمحسوس، وأيضا يمتاز بقدرته على التوفيق بين هموم الذات والتعبير عن هواجسها وهموم الواقع المُعاش. وتكاد تكون قصائد الديوان الأخير حكائية من دون أن تغادر لغة الشعر ومقوماته الداخلية. بمعنى أننا نقرأ شعرا وإن توسل النثر، ونقرأ حكايات ويوميات من دون أن نغادر الشعر.

في ديوانه الأخير الذي يضم مجموعة من القصائد يصل عددها إلى 64 قصيدة تتفاوت من حيث الطول ومن حيث الموضوع ومن حيث الصور والأخيلة والمجازات ومن حيث البعد الذاتي والموضوعي ومن حيث الاستخدام المبدع للغة الشعرية والمجازات والصور والكنايات والإيقاع بطبيعة الحال، في هذا الديوان لأحمد مدن نجد أنفسنا إما شيء جديد وهذا ما سنوضحه أدناه.

تحمل كل القصائد تقريبا عناوين ملموسة ومألوفة لها علاقة بثلاثة عوالم هي: عالم الشاعر/البعد الذاتي، وعالم الواقع الاجتماعي، وأخيرا عالم البيئة والطبيعة، في إطار من العلاقة الجدلية. لكن اللغة تظل في كل الأحوال لغة شاعرة وحالمة ورمزية.

فهو يستهل ديوانه بقصيدة بعنوان «ناحية»، وهو عنوان مألوف لكن عندما تقرأ القصيدة تكتشف كيف يتمكن الشاعر من توظيف جماليات الشعر في إبراز جماليات المكان وهي هنا قرية النويدرات، قرية الشاعر، بحيث يستطيع المرء أن يقرأ لوحة سمعية بصرية عن مكان الشاعر الأثير لديه، «النويدرات»، لوحة تشكيلية مكونة من عناصر لغوية كلمات، جمل وعبارات للتعبير بجمالية عما يعتمل في هذه القرية من بشر وشجر وأحلام ونساء وتاريخ ومكان ومعالم وحاضر وماض، وأمل وألم، وآيديولوجيا.

يقول عن قريته بلغة شفافة وهفهافة:

«بين أن يطالك الورد 

وأن ترمي إليك العصافير خبط أجنحة 

كنتِ حافة القلب

كنت أمسيات الدروب

وكنت جادة الشجر». 

وتستمر القصيدة بعد ذلك في نفس نثري حكائي يكون الشعر فيها حالة داخلية أكثر منها حالة خارجية، لكنها معبرة، وهذا أهم ما يمتاز به شعر أحمد مدن عموما وفي هذا الديون خصوصا؛ فهو يقدم لك تجربة شعرية لا تهتم كثيرا بالمقاييس الشكلية الخارجية للشعر من قبيل الإيقاع والوزن والقافية والتلاعب بالكلمات، بل تهتم بروح الشعر ومقدار ما تختزنه العلاقة بين الكلمات وكيفية توظيفها فنيا/شعريا، من روح الشعر.

وتقريبا تسير معظم قصائد ديوانه الجديد على هذا المنوال، حيث عناوين القصائد شفافة وموحية، ومضمون القصائد يتآلف فيها الذاتي والموضوعي بطريقة تجمع بين الخفاء والتجلي. وأعتقد أن أحمد مدن هو الأفضل بين الشعراء الذين استطاعوا أن ينجزوا شعرا له سمة خاصة، ولديه القدرة على البوح الشفيف من دون الوقوع في الابتذال أو التسجيلية.

تمتاز قصائد الديوان أيضا -بغض النظر عن طولها أو قصرها- بعفوية لغوية بعيدة عن التكلف أو الفخامة الفارغة، لكنها تمتاز بصنعة ماهرة وبهندسة لغوية إذا جاز القول، وخاصة أن شاعرنا مهندس بالمناسبة، وبالتالي انعكس ذلك على لغته الشعرية بحيث جاءت متوازنة ومتناغمة متكاملة، وكأنه يهندس قصائده ليظهرها بأجمل ما تكون، وقد وفق في ذلك إلى أبعد الحدود.

من جانب آخر، تمتاز قصائد الديوان عموما بالبساطة والابتعاد عن التقعر في التعابير واختيار التعابير المناسبة للغة الشعر من جهة، والنفس التأملي الفكري من جهة أخرى، من دون الوقوع في الجفاف والكد الفكري، وهذه ميزة أخرى تمتاز بها قصائد الديوان.. التعبير عن الذات، التعبير عن المكان والزمان، التعبير عن الآخر، وكلها جوانب قائمة في كل القصائد تقريبا، ولكنها مؤطرة بروح تأملية وشيء من الاحتجاج بلغة رشيقة ومريحة للقارئ. 

لا أبالغ عندما أقول إن قصائد الديون تمثل حالات وأزمنة في حياة الشاعر وكأنه يحكي سيرته وسيرة قريته وبلده وكل شيء على هذه الأرض، والأحلام والخيبات.

يبدو ذلك جليا في قصائد من قبيل قصيدته التي تحمل عنوان «نبع»، القصيدة الثانية في الديوان، حيث يقول مطلعها: 

«ربما يرمي سيرته 

ربما تترى أخباره 

ربما يستوي حديثه والنخل

أو ربما يطرق دربه ليلي 

أو ربما يتراقص مد البحر وجوانبه 

أو ربما يفقه عشبه تلافيف عمري 

أو ربما..

أو ربما..» إلى آخر القصيدة.

وهكذا تسير القصائد على هذا المنوال وتتراوح بين القصيدة الحكاية والقصيدة المفعمة والمركزة بحالة الشاعر وانفعالاته. ففي قصيدة الحكاية نجد أمثلة من قبيل: قصيدة «صيف» أو قصيدة «حيرة» أو قصيدة «جهات» أو «تداعيات» ثم تأخذ القصائد في الأسلوب المكثف للغة الشعرية حيث يتطلب الموضوع والمقام هذا النوع الكثيف والموحي من الشعر.

يمكن القول إن قصائد الديوان كلها ذات جمالية ملفتة من الناحية الشعرية واللغة المجازية والصور المستعملة لأداء المطلوب.

من بين القصائد التي تبوح بحالة الشاعر تلك القصيدة المسماة «أربعة»، وتتكون من سبعة مقاطع، حيث يقول مقطعها الأول بلغة وامضة لكنها معبرة: 

«كنت رابع ثلاثة 

السطر،

والقلم، 

وهذا الأفق».

وفي المقطع الثاني يقول: 

«كنت أشحذ رأسي 

أملأ السطر بدم القلم 

وكأن الأفق 

رحلة لا تجيء». 

ويختتم القصيدة بالمقطع الأخير: 

«نحن الأربعة

تصحبنا الندامة».

يحتوي الديوان كذلك على قصائد تمتاز بكثافة الكلمات لكنها تحتوي على الواسع من المعاني كما في قصيدة «هدية»: 

«كأني أكابد يوما يكاتبني ليله 

كأني أفخخ وضعا يصادقني فجره 

فتندى القراءات 

تندى الصلاة 

ويندى النشيد 

ويهدي الطريق». 

أخيرا كل قصائد الديون مكتنزة بالشعر وبالتفنن في لغته والتمكن منها وهي تحسب للشاعر، وهي لغة شفافة وتصويرية وفيها من احتمالات المعنى الشيء الكثير. فإذا أردت المعنى القريب فلك ما تريد، وإذا أردت دقيق المعاني فلك أيضا ما تريد، وإذا أردت احتمالات المعنى فلك ما أردت، وإذا رمت منطق التأويل فلك ما رمت. 

هذه هي طبيعة قصائد ديوان «الصحو بجرعات ماثلة»؛ فهي جرعات ماثلة وملموسة بالفعل وهي غير ذلك بالفعل أيضا. إنها لعبة إبداع الشعر لدى الشاعر أحمد مدن.. لعبة بين الخفاء والتجلي.

ديوان لا تفيه مقالة واحدة حقه؛ فهو بحاجة إلى وقفة موسعة ومتخصصة لإبراز البعد الإبداعي المتميز في تجربة الشاعر، وخاصة في هذا الديوان. 

وأنا أختم هذه المقالة أجدني مستمتعا بقراءة القصيدة الأخيرة في الديوان وهي من بين أجمل قصائد الديوان، وهي بعنوان «عابر». لذا؛ وجدتني لا أمانع أن أشرك القارئ معي في قراءة هذه القصيدة: 

لك العابر من مساء الكلام 

لك الطارق على باب الريح 

لك القدمان على رصيف الساعة 

ولك النفس المتجاسر وسحائب العمر 

ولك عتق الزحف ونوافذ القدوم وشرائط الغبار

ترف إليك الزوايا 

والعمائر غابة مخترقة 

وتحتضر بين يديك الجهات 

والمنازل مطر الهواء وشغف الهطول 

تركن إليك الفقرات والواجهات والرافعات والعربات

وتعلق في ثيابك شجارات تائهة

ترقبك الظلال وتبرعم أشكالها 

غير أنك دون هداية أو وحي أو مصيف أو قطرة وقت 

تترك ظلك وتغادر».

هذا هو ديوان أحمد مدن «الصحو بجرعات ماثلة» في قراءة سريعة باختصار شديد، وهل هناك أجمل من جرعات الشعر، فكيف إذا كانت جرعات الشعر من لدن شاعر مقل ولكنه مبدع وبوزن أحمد مدن. يمكث في دائرة الصمت طويلا ليهندس معالم الشعر، وليأتي بزوادته الشعرية وقد امتلأت بلآليء الشعر كثيرا على حين غرة. نعم نحن أمام شاعر يجيد توظيف الكلمات التي في الطريق ليحملها معاني جديدة في قصائد هي من قلب الشعر وبعضها من عيون الشعر. 

كاتب وسوسيولوجي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news