العدد : ١٤٨١٨ - الخميس ١٨ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ صفر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨١٨ - الخميس ١٨ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ صفر ١٤٤٠هـ

الاسلامي

(تأملات في آيات القرآن الكريم) مرادفات آيات العقل ومدلولاتها التربوية في القرآن الكريم (7)

بقلم: د. محمد عطا مدني

الجمعة ٠٥ يناير ٢٠١٨ - 11:47

ذكرنا في مقالنا السابق أن القرآن الكريم لم يكتف في منهجه للتوجيهات العقلية بورود مشتقات لفظ (العقل) فقط في أساليب موحية جذابة، ليعبر بها عن منهجه التربوي فيما يخص العقل، وإنما أورد مرادفات أخرى مثل (القلب، اللب، الفؤاد، الحلم، النهى، والحجر) ليؤكد منهجه التربوي من جهة، ومن جهة أخرى ليوسع أطر التفكير في هذا المنهج بشكل بانورامي حتى يؤكد أهمية هذا النهج القرآني للإنسان في كل زمان ومكان.

وها هي بعض الآيات القرآنية الكريمة التي ورد بها لفظ (القلب) بمشتقات مختلفة.

قال تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) الحج (46)

 (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) محمد (24) 

(وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) الشعراء (192-195)

(ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآَتَيْنَاهُ الإنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً) الحديد (27)

لا شك أن هنالك تداخلا بين مفهومي العقل والقلب بالصورة التي تسمح بالقول بأنه لا توجد حدود ظاهرة أو واضحة بينهما، رغم تميز كل منهما بمفهوم يختلف قليلا عن الآخر، ووجود نقاط التقاء كثيرة بين الاثنين.

إن نقطة الالتقاء الواضحة والصريحة بين العقل والقلب تأتي من خلال الآية الأولى في قوله تعالى «أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا»، والتي تدعو إلى السير في الأرض للتأمل والبحث عن حقيقة الخلق وقدرة الخالق، وذلك من خلال مشاهدة ظواهر الطبيعة وجلالها وتنوعها، ومن دراسة التاريخ الانساني وما به من أحداث متعاقبة، وأشارت الآية الكريمة إلى أن الأداة التي ستعقل ذلك هي القلب، وهذا معناه أن فعل العقل قد أسند إلى القلب، مع إضافة شيء يدل على الإصغاء إلى نداء باطني رغم التعبير به بحاسة ظاهرة (أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا) مع الإشارة إلى معنى دقيق (فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)، حيث أسندت (العماية) إلى ذلك العضو الذي يوجد في الصدر وهو القلب، فهل في القلب خلايا تفسر المرئيات؟ أم أنه تعبير مجازي من تعابير القرآن الكريم الموحية والتي تدعو إلى التفكير العميق في مراميها؟

ويفهم من هذه الآية أن القلب قد يأتي بمعنى العقل، وهنالك عدة أدلة يمكن أن نسوقها لإثبات ذلك.

المعرفة: لقد ارتبط القلب بالمعرفة في آيات كثيرة منها الآيات (من الثانية إلى الرابعة)، والتي تكرر فيها اقتران عملية إغلاق القلب والطبع عليه ووضع الأكنة (الأغطية) عليه، وصم الآذان (وهي من الحواس الموصلة للقلب)، اقتران ذلك بوقف عمليات التدبر والتفقه أي إدراك المعرفة والتعمق في العلم. ولقد جاءت هذه الآيات لكي توضح أن الكفر أو نقص الإيمان يحولان بين تلك المعرفة والقلب، ولذلك حملت مثل هذه الآيات في القرآن الكريم بعض التعبيرات مثل (الغشاوة)، (الأكنة)، (الرين)، (الختم)، (الطبع) و(الإقفال) على القلوب. وكلها حواجز تحول بين القلب والتفقه في العلم والمعرفة. وإذا كانت تلك من وظائف العقل، فإن استخدامها مع لفظ القلب يدل على أن القلب والعقل شيء واحد.

التذكر: نسب التذكر إلى القلب في العديد من الآيات الكريمات ومثال ذلك الآيات الكريمات، في قوله تعالى: «وَلا تُطِعْ مَنْ أَغفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا» و(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ)، والقلب هنا هو عقل مبصر يحس ويشعر ويتعظ ويعتبر، ويحرك وجدان الانسان، ويبعث فيه الإدراك والوعي بالحقائق الكونية. وأن إلحاق وظيفة التذكر بالقلب تجعله مرادفا للعقل.

المسؤولية: لقد استخدم القرآن الكريم لفظ القلب في تحديد مسؤولية الفرد الشخصية في القسم والأخطاء وغيرهما من الأمور التي تقع في دائرة تكليفه، كما جاء في الآيات الكريمات في قوله تعالى: (لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ)، (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ)، ومن المعروف أن المسؤولية والتكليف في الإسلام تقع على الفرد العاقل.

الاستدلال المنطقي: وهو الدليل الرابع على أن لفظ القلب مرادف للفظ العقل، ويتضح هذا من قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى)، فإن الأدلة التي يطلبها سيدنا إبراهيم عليه السلام أدلة عقلية، يريد أن يعرف كيف يحي الله سبحانه وتعالى الموتى، ونراه ربط إعطاء الدليل باطمئنان القلب وليس العقل، وهذا معناه أن القلب يستقبل الأدلة والبراهين.

بيد أن هنالك استخدامات أخرى للفظ (القلب)، تفيد بأن بوجود بعض الاختلافات بين المفهومين، فالقلب يتسع ليشمل الآتي:

الإيمان: كما جاء في قوله تعالى في سورة الحجرات: (قَالَتِ الأعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ). ويرى بعض المفسرين أن هذه الآية الكريمة من ركائز الدين، لأنها توضح أن القلب هو جوهر الإنسان، لأنه موضع ومحط الإيمان.

المعرفة الإلهية: كما ورد في قوله تعالى في سورة الشعراء: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ)، والتي توضح أن القلب هو مهبط المعرفة الإلهية التي تأتي عن طريق الوحي.

الناحية الوجدانية: ففي بعض الآيات الكريمات يجمع القلب بين المعنى العقلي والمعنى الوجداني كما في قوله تعالى في سورة الشعراء: (يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ ولا بَنُونَ إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ).

هكذا يتبين لنا أن القلب في القرآن الكريم عالم قائم بذاته، يجمع بين المعرفة العقلية والمعرفة الإلهية، يملك نافذة العقل إلى الخارج ووسائلها الحواس والمدركات من ناحية، ويملك نافذة إلى الداخل حيث تتفجر المعرفة الإلهية -كما يقول الإمام أبو حامد الغزالي- عن طريق الوحي والإلهام، فتفيض المعرفة نورا على العقل، وتتكامل منافذ العلم عند الإنسان المؤمن الحق، الذي ترق أمامه الحجب، ويستطيع أن يرى بعين البصيرة، ما لا يراه بالعين المجردة، ويتجاوز الواقع المادي إلى إدراك قدرة الخالق وحكمة الخلق وحقيقة الوجود اللانهائي. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news