العدد : ١٤٧٢٤ - الاثنين ١٦ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٣ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٢٤ - الاثنين ١٦ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٣ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

الاسلامي

الإمام محمد الخضر حسين التونسي الذي رفعه علمه وجهاده إلى مشيخة الأزهر (9)

الإمام محمد الخضر حسين.

بقلم: د. غريب جمعة

الجمعة ٠٥ يناير ٢٠١٨ - 11:29

المرحلة السورية (1)

قد انتهينا من الحديث عن المرحلة الأولى من حياة الإمام وهي المرحلة التونسية، والآن ننتقل بعون الله إلى الحديث عن المرحلة الثانية من حياته المباركة وهي المرحلة السورية، التي أطلق عليها العلامة الشيخ محمد الفاضل بن عاشور: مرحلة التنقل والاكتشاف والنضال السياسي.

وقبل أن نتحدث عن تفاصيل هذه المرحلة لا بد من الحديث عن الأسباب التي دفعت الإمام إلى الهجرة إلى سوريا، وهي:

1- رغبته -يرحمه الله- في الالتحاق بأسرته التي هاجرت بكامل أفرادها إلى دمشق بعد أن ارتأت والدته الصالحة -إن شاء الله- السيدة حليمة السعدية بنت مصطفى عزوز ذلك للعيش في بلد آمن، والمغاربة يعتقدون أن الشام بلد شريف.

2- كان الشيخ صاحب طموح كبير وأمال عريضة في العمل من أجل دينه وأمته، وفي انتقاله إلى الشام فسحة من المكان والزمان تجعل الميدان أمامه أرحب وأوسع بكثير لأداء رسالته العظمى.

3- الحدث الحاسم: يذكر كثير من الذين كتبوا عن الشيخ أن حدثا حاسمًا قد مر به الشيخ عام 1330هـ/1912م جعله يفكر في الهجرة إلى المشرق العربي نهائيا؛ ذلك أن الشيخ قد شارك في مناظرة للتدريس في الطبقة الأولى بجامع الزيتونة، وكان هو في الطبقة الثانية فحرم من النجاح باطلاً وعدوانًا على جدارته به، بما أبدى من الكفاءة والتفوق؛ إذ إن اللجنة التي ناظرته تجمع شيوخًا تقليديين قدموا عليه ابن واحد فيهم على الرغم من تفوق الشيخ عليه أدبًا ومقدرة في إلقاء درس المناظرة خاصة، فحز في نفسه أن تسيطر سياسة الظلم والمحاباة على الحياة العلمية في تونس، وخاصة على علماء الزيتونة الكبار.

ولقد قام الشيخ برحلات استطلاعية؛ إذ سافر في العام نفسه إلى الأستانة مرورًا بمصر والشام وعاد إلى تونس في 2/10/1912م، ولكنه مُنع من التدريس بالمدرسة الصادقية لسبب واهٍ جدًّا، هو أنه تأخر يومين عن افتتاح المعهد فقررت الإدارة فصله من التدريس، وعندها أحس الشيخ أن السلطة الفرنسية المستعمرة التي لا ترتاح إليه، وكذلك الرجعيون من العلماء، قد تحالفوا ضده، وأن الأمور تنذر بالخطر وقد تتطور إلى الأسوأ، فقرر الهجرة نهائيًّا إلى المشرق العربي، وكان ذلك في العام نفسه.

والآن إلى تفاصيل تلك المرحلة:

تبدأ المرحلة السورية في حياة الإمام من اليوم الرابع من شهر شعبان عام 1331هـ الموافق ديسمبر 1912م وامتدت حتى عام 1339هـ الموافق 1920م عندما خرج من سوريا مهاجرًا إلى مصر للاستقرار بها، لكن زوجته التونسية أبت أن تصاحبه وكان قد أنجب ابنة منها.

وعندما أقلعت الباخرة من مرساها في تونس إلى دمشق مغادرًا الوطن التونسي اشتد حنينه إليه وتوقدت جمرة الأسف على فراق الأحبة فأنشد هذين البيتين:

حادى سفينتنا اطرح من حمولتها... زاد الوقود فما في طرحه خطر

وخذ إذا خمــدت أنفاس مرجلها... من لوعة البيْن مقباسا فتستعر

وأهم معالم هذه المرحلة:

1- نشاط الإمام العلمي الغزير ومكانته الرفيعة في الأوساط السورية.

2- اعتقاله في عهد السفاح أحمد جمال باشا حاكم الشام التركي.

3- نضاله السياسي في ألمانيا من أجل المغرب العربي والإسلام.

وصلت الباخرة التي تحمل الشيخ إلى لبنان، ثم استقل القطار من بيروت إلى دمشق، وعندما دخلها رأى الغوطة الجميلة والوادي الضيق بين جبلين ونهر بردى يقطع الوادي عند الربوة؛ فتحركت شاعريته فنظم هذين البيتين الرقيقين الرائعين:

لجَّ القطار بنا والنار تسـحبه... ما بين رائق أشجار وأنهار

ومن عجائب ما تدريه في سفر... قوم يقادون للجنات بالنار

(ونقول ماذا كان سيقول لو رأى سورية الجريحة الآن ورأى دمشق التي كان يقال لها «الفيحاء» وهي تعج بالأشلاء والدماء وبوم الخراب ينعق فيها صباح مساء؟!).

وصل الشيخ إلى دمشق وقد سبقته شهرته العلمية إليها، فأسرع العلماء والأدباء وذوو الثقافة للترحيب به اعترافًا بفضله ونبله وتقديرًا لعلمه وخلقه، وهكذا يرفع الله شأن العلماء الربانيين.

بل إن طلبة العلم التفوا حوله كالسوار حول المعصم في حلقات الدرس والبحث، وقد أعطى كل فريق حقه وجعل وقته موزعًا بين التدريس بالجامع الأموي ونوادي دمشق والمدرسة السلطانية التي تم تعيينه أستاذًا بها عقب استقراره بدمشق، حيث كانت الحركة العربية في بدايتها وكانت تطالب الحكومة العثمانية بإعطاء اللغة العربية حقها من التعليم في المدارس الرسمية (الحكومية)، فاختير الشيخ مدرسًا بتلك المدرسة.

ولم يقف الرجل عند هذا الحد، بل واصل كتابة المقالات وإلقاء المحاضرات والدروس الدينية واللغوية، والدعوة إلى الوحدة الإسلامية، كما كانت له مجالسه الخاصة على مدار الأسبوع وهي مجالس علم وأدب وأخلاق.

ويصور الشيخ نشاطه وترحيب أهل دمشق به في رسالة إلى الشيخ محمد النيفر صديقه بتونس مؤرخة 20 من المحرم سنة 1330هـ، يقول فيها: «لقينا من أهل دمشق حفاوة واحتراما فوق ما نستحق، ولا سيما الناشئة المتأدبة وكثير من أهل الفضل والعلم، حتى ظهر منهم الاستبشار وأقبلوا على تهنئتنا عندما علموا بتعيننا لتدريس آداب اللغة العربية والفلسفة في المدرسة السلطانية بدمشق».

ثم يؤكد هذا المعنى في رسالة أخرى إلى ذلك الصديق (أي الشيخ النيفر) بتاريخ 29 من جمادى سنة 1332هـ حيث يقول: «أما سيرتنا في دمشق فلم تتغير عن الطريقة التي كنا نسلكها في تونس، وهي أن معظم أدبائها وكبرائها يعرفوننا ونعرفهم، وبالجملة فقد لقيت منهم أخلاقًا حسنة وآدابًا مؤنسة، وفيما بلغني أنهم راضون عن سيرتنا ومعجبون بمسالكنا في التعليم، كما أن للتلاميذ أدبًا كاملاً معنا وعواطف زائدة، ولا سيما نجباؤهم، وكثيرًا ما أحادثهم بالحالة العلمية في تونس وأحاضرهم في شؤون جامع الزيتونة وعلمائه، فأصبحوا يجلون التونسيين ويدركون شيئًا من مقدراتهم العلمية».

وتوثقت علاقة الشيخ مع كبار العلماء والأدباء والمثقفين، وامتدت حبال المودة بينه وبينهم وقويت أواصر الصداقة مع الجميع من أمثال:

الأديب الكبير الأستاذ محمد كرد علي رئيس المجمع العلمي العربي بدمشق، وخير الدين الزركلي صاحب كتاب «الأعلام»، وشاعر الشام الأستاذ خليل بك مردم، وعلامة الشام محمد بهجة البيطار وغيرهم كثير.

وتقديرًا له من هؤلاء الرجال وغيرهم تم اختياره عضوًا في المجمع العلمي العربي بدمشق منذ جلسته الأولى في 30 من يوليو عام 1919م.

وبعث إليه رئيس المجمع رسالة بخصوص ذلك يقول فيها:

«بناء على ما عهد بكم من العلم والفضل والغيرة على المصالح الوطنية، قد انتخبكم المجمع العلمي العربي عضو شرف فيه للاستعانة بآرائكم السديدة واختياراتكم الثمينة، فالمرجو أن تتكرموا بقبول ذلك».

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news