العدد : ١٤٦٤١ - الثلاثاء ٢٤ أبريل ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ شعبان ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٦٤١ - الثلاثاء ٢٤ أبريل ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ شعبان ١٤٣٩هـ

الاسلامي

عظمة الرسول عليه الصلاة والسلام (4)

بقلم: د. علي أبو هاشم

الجمعة ٠٥ يناير ٢٠١٨ - 11:14

لقد أبهرت عظمة رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكماء والعلماء، فشهدوا له في كتاباتهم، وجعلوه أعظم العظماء، وهو كذلك، فجمع أحدهم كتابا وعنونه بقوله: العظماء مائة أعظمهم محمد صلى الله عليه وسلم. والمسلم حين يُحقق الفكر ويُمعن النظر في سيرة الرسول وأخلاقه، يتضح له جليا عظمة الرسول صلى الله عليه وسلم، وعظمة رسالته، فيزداد تمسكا بدينه وحُبا لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم. ولذا؛ من الواجب على كل مسلم ومسلمة أن يجعل الرسول قدوته وأسوته. يقول تعالى: «لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا» الأحزاب: 21. وكان من عظمته أنه يتخلق بخلق الحياء، ويدعو إليه، حتى ورد في توجيهاته أن الحياء شُعبة وخصلة من خصال وشعب الإيمان. أخرج البخاري في صحيحه بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ، كما بين الرسول أن الحياء من الإيمان ودليل الخير، أخرج الطحاوي بسنده عَنْ سَالِمِ بْنِ عبداللهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دَعْهُ فإن الْحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ. مشكل الآثار للطحاوي. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها، وكان إذا رأى شيئا لا يُعجبه تغير وجهه، وفي حيائه يقول أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئًا عرفناه في وجهه. رواه البخاري. 

إن خُلق الحياء مما توارثه الناس من ميراث الأنبياء السابقين. أخرج البخاري في صحيحه عن مَنْصُورٌ عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، حَدَّثَنَا أبو مَسْعُودٍ عُقْبَةُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلاَمِ النُّبُوَّةِ إذا لَمْ تَسْتَحْيِ فَافْعَلْ مَا شِئْتَ. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم من حرصه على أصحابه وأمته يأمرهم بالاستحياء من الله تعالى في جميع الأحوال والأقوال والأفعال، لأنه طريق النجاة. أخرج الترمذي بسنده عن عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: استحيوا من الله حق الحياء، قال: قلنا يا رسول الله: إنا نستحيي والحمد لله، قال: ليس ذاك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى ولتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء. قال الشيخ الألباني: حديث حسن. 

إن خُلق الحياء لا يمنع المسلم أن يطلب حقه، ولا يمنعه من قول الحق، وشهادة الحق، ولا يمنعه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهناك فرق بين الحياء من الله والخجل من الناس، فالحياء هو ترك ما نهى الله ورسوله عنه طاعة لله، أما الخجل فهو مرض نفسي خطير يدفع صاحبه إلى الخوف من الناس، وشتان بين الخوف من الله والخوف من الناس، والحياء صفة تزين المؤمن وترفع قدره، وعكس الحياء: البذاء وهو من الجفاء، أخرج الترمذي بسنده عن محمد بن عمرو، حدثنا أبو سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء والجفاء في النار. 

ومن عظمته صلى الله عليه وسلم جوده وسخاؤه وكرمه، مع قلة ما يملكه، فما سأله أحد ورده، إن كان عنده أعطاه، وإن لم يكن عنده طلب من أصحابه أن يعطوه، فكان أجود الناس، فقد فاق كل كرماء العرب والعجم، ووصفه بذلك كل من عرفه، قال جابر رضي الله عنه: ما سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء فقال: لا، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: كان عليه الصلاة والسلام أجود الناس بالخير، وأجود ما يكون في رمضان. وكان إذا لقيه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة. وروى مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: ما سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئًا قط إلا أعطاه، فأتاه رجل فسأله، فأمر له بغنم بين جبلين، فأتى قومه فقال: أسلموا فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخاف الفاقة؛ أي كان كرمه وسخاؤه صلى الله عليه وسلم من فرط ثقته فيما عند الله أكبر من ثقته بما في يده، وكيف لا؟ وقد نزل عليه قوله تعالى: «ما عندكم ينفد وما عند الله باق» النحل: 96. 

وفيما ورد في السنة ما أخرجه البخاري في الحديث القدسي عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: قَالَ اللَّهُ: أَنْفِقْ يَا ابْنَ آدَمَ أُنْفِقْ عَلَيْك. وأخرج البخاري عن آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ عبداللهِ بْنَ يَزِيدَ الأَنْصَارِيَّ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ فَقُلْتُ عَنِ النَّبِيِّ فَقَالَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إذا أَنْفَقَ الْمُسْلِمُ نَفَقَةً عَلَى أَهْلِهِ وَهُوَ يَحْتَسِبُهَا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً. ويقول تعالى: «وما أنفقتم من شيء فهو يُخلفه وهو خير الرازقين» سبأ: 39. 

ومن جوانب عظمته صلى الله عليه وسلم كثرة أسمائه وصفاته، وعن جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ لِي أسماء، أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أَحْمَدُ، وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِيَ الْكُفْرَ، وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي، وَأَنَا الْعَاقِبُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ. وتعدد الأسماء يدل على شرف المسمى. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news