العدد : ١٤٨١٨ - الخميس ١٨ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ صفر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨١٨ - الخميس ١٨ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ صفر ١٤٤٠هـ

الاسلامي

الدر المنثور في الكتاب المكنون(9)

بقلم: عاطف الصبيحي

الجمعة ٠٥ يناير ٢٠١٨ - 11:09

خلق، سوّى، جعل

سنعتمد الاختصار ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، بغية التركيز على جوهر الفكرة، بدلا من الاستطراد المُشتت للهدف الذي نصبو إليه، من خلال هذه السلسلة، والتي تهدف إلى الوقوف على دقائق الفروق بين المصطلحات القرآنية، واليوم كما هو واضح من العنوان، نحاول توضيح الفرق الدقيق بين مفردات ثلاثة وردت في الكتاب الكريم وهي «الخلق والتسوية والجعل» والتي من شأنها تعميق حبنا لكتابنا الكريم، وتوقير للغتنا العربية،التي اختارها رب العزة لنشر دينه، دين الإسلام،ناهيك عن التذوق المُتجدد لمعاني القرآن العظيم، فهو مَعين لا ينضب، فالنص القرآني المقدس ثابت والمحتوى متحرك، مفتوح لقراءات جديدة لمن أراد أن يمعن النظر ويُعمل العقل في نصوصه الخالدة، والباقية ما بقيت هناك حياة على وجه الأرض.

الخلق والجعل والتسوية، مفردات قرآنية تدل على عمليات دقيقة بينها فروق دقيقة كما يتجلى ذلك من خلال نصوص القرآن العظيم، فالخلق في اللسان العربي له أصلان صحيحان،الأول يعني التقدير قبل التنفيذ وهذا ما تطلق عليه اللغة المعاصرة «التصميم» فالمهندس الذي يخلق بيتًا لا بد له في البداية من وضع التصاميم أو المخطط الكامل للبيت قبل الشروع في التنفيذ ليصبح شيئا مرئيا مجسمًا أمام الناس، فالله يخلق والإنسان يخلق، لكن الله أحسن الخالقين كما يتضح من قوله سبحانه في سورة المؤمنين الآية 14 «... فتبارك الله أحسن الخالقين» والخلق ليس بالضرورة أن يكون بلا سابقة من أمثاله،وإذا كان الخلق غير مسبوق فإنه يسمى إبداعًا مصداقًا لقوله تعالى في سورة البقرة الآية 117 «بديع السموات والأرض...» أبدع خلق السموات والأرض على غير سابقة لها لذا أطلق الحق على هذه العملية إبداع.

ينبغي علينا ملاحظة أن الخلق لا يكون من العدم، فلا نجد آية في التنزيل الحكيم تُشير إلى الخلق من العدم بل على خلاف هذا يكون الخلق من شيء كما هو واضح من الأمثلة القرآنية التالية ففي سورة العلق الآية الثانية «خلق الإنسان من علق»، وفي طه آية 71 «.. إني خالق بشرًا من طين» وفي الأعراف الآية 12 «.. خلقتني من نار وخلقته من طين» والآية 38 من القيامة تؤكد هذا المعنى «ثم كان علقة فخلق فسوى» وهناك العديد من الآيات التي تجزم بهذا المعنى وهذه إشارة إلى بعض منها، السجدة 7. الأنعام 1. الفرقان 54 يمكن الرجوع إلى تلك الآيات للوقوف على نصها ومضمونها، فلا العلق عدم،ولا الطين ولا النار عدم أيضا هي المواد الخام التي تم منها الخلق وليس من الفراغ أو العدم كما يتصور البعض. 

سوّى «التسوية» لها في اللسان العربي عدة أصول صحيحة أولها المساواة وشاهدُنا من كتاب الله قوله جل شأنه في سورة فصلت الآية 10» (.. وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواءً للسائلين) «أي أن الأرض تعطي القوت والخير لمن يعمل فيها كافرا كان أم مسلما على حد سواء وقوله تبارك وتعالى في سورة البقرة 6 (إن الذين كفروا سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون) والمعنى الثاني الصحيح هو الوسط ومن ذلك قول الحق سبحانه في سورة الصافات 55 «فاطّلع فراءه في سواء الجحيم» بمعنى وسط الجحيم، وثالث المعاني هو التسوية وهي مرحلة ما بعد التصميم، فأي عملية تصميم «خلق» يتلوها تنفيذ لتتحول إلى واقع ملموس كما يتضح من قوله تعالى في سورة الأعلى «سبّح اسم ربك الأعلى *الذي خلق فسوى»، يجدر بنا ملاحظة أن فاء التعقيب والسببية جاءت بين فعلين «خلق، سوى» وتمتاز التسوية بأنها تخلو من النقص أو العيب وهذا المعنى مُشار إليه بدقة في سورة مريم الآية 17 «فتمثل لها بشرا سويا» مخلوق لا تشوبه شائبة من نقص أو عيب حتى لا يختلط الأمر على الصديقة مريم، ومما يجدر التوقف عنده أيضًا في هذه الآية لبرهة قصيرة قوله تعالى «بشرًا» ولم يقل إنسانًا للتدليل والبرهنة على اكتمال الناحية الفيزيولوجية بحيث أنَ البتول لم تلحظ أي شيء غير بشري ما قد يثير الريبة في نفسها، وعندما قال الله للملائكة عن خلق البشر أعقبه مباشرة بالتسوية (إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرًا من طين *فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين)، وآخر المعاني للفعل «سوّى» هو الاستقرار والتحكم، ففي الزخرف 13 (لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه...) فالاستواء على ظهور الأنعام هو الاستقرار عليها، فإذا سقط الرجل عن ظهر الجواد أثناء الترويض أو التذليل فدلالته أنه لم يستقر ولم يستو ولم يتحكم به، فالله مستقر في عرشه متحكم بخلقه لا تغرب عن سيطرته شاردة ولا واردة في كل الكون (الرحمن على العرش استوى).

جعل «الجعل» هي المفردة الأخيرة موضوع بحثنا هذا،وتعني الانتقال من حالة إلى حالة وأول الشواهد على ذلك قول الله وقول الحق (إنا جعلناه قرآنا عربيًا لعلكم تعقلون) ولم يقل (إنا خلقناه) أي أن القرآن كان موجودا فجعله الله عربيًا ليتناسب مع لسان النبي وقومه ليعقلوه ويتدبروه وما زلنا وسنظل نتعقله ونتدبره ولن نحيط بمراميه النهائية وهذا إعجاز القرآن بما يتضمنه من حمولات معرفية مركوزة في متنه فهل من مُستخرج لكنوزه أو بعض منها، بالنظر إلى الآية 124 من سورة البقرة» (... إني جاعلك للناس إماما..) لم يكن إبراهيم إماما للناس ولكنه أصبح إماما لهم، باكتسابه صفة منة من الله فاكتسب من خلالها صفة الإمامة. وأخيرًا نورد الآيتين 39.38 من سورة القيامة (ثم كان علقة فخلق فسوى * فجعل منه الزوجين الذكر والأُنثى) هنا جاءت الأفعال الثلاثة متتالية» خلق، سوى، جعل «فجاء التصميم «الخلق» أولا ثم التنفيذ ثم التغير في الصيرورة «الحالة»، هذا والله أعلم فإن أصبنا بما ذهبنا إليه فمن الله كان التوفيق إلى الصواب وإن أخطأنا فمن عند أنفسنا سائلين الله المغفرة.

وكلمتي الأخيرة في هذا المجال التنويه إلى الدقة العلمية التي أوردها القرآن، والتي أثبت العلم صوابيتها مخبريا وتجريبيًا، والباب مُشرع على مصراعيه لمزيد من الاكتشافات العلمية في المستقبل (لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون) ولا يخفى على أحد أن «النبأ» غيبي ومعرفته وكشف الستار عنه تكون بالعلم وما زال العلم يكشف لنا بين الفينة والأخرى من تلك الأنباء وهذا هو دلالة (وسوف تعلمون) المستقبلية الواردة في الآية الكريمة، والتي أشار إليها الكتاب المكنون كخطوط عريضة،فالقرآن ليس كتابا علميًا صرفًا، ولكن فيه من القوانين العلمية التي استغرقت من الإنسانية قرونًا حتى أيقنوا صحتها ووظفوها في حياتهم وتنعموا بنتائجها في مجالات عديدة، فنحن نستنكر القول القائل إن القرآن معجزته في بلاغته ونرفض ذلك لأن القرآن لم ينزل لمبارزة الشعراء ويبز المعلقات ويتفوق عليها.. قرآننا فيه منتهى البلاغة وبين جنباته معارف وعلوم وحمولات معرفية في شتى الميادين العلمية التطبيقية والعلوم الإنسانية التي لا ينكرها إلا جاحد أو جاهل، ولولا خشية الإطالة لأشرنا إلى السياسة والاقتصاد والاجتماع والفلسفة والحرب والسلم وعلم الأخلاق، لكن ديكتاتورية جغرافيا المقال تفرض حتمياتها وما علينا إلا أن نصدع ونتوقف. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news