العدد : ١٤٨١٨ - الخميس ١٨ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ صفر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨١٨ - الخميس ١٨ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ صفر ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

من يقف وراء الحوثيين في اليمن؟

مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية

الجمعة ٠٥ يناير ٢٠١٨ - 01:20

في مشهد يلفه الغموض في اليمن، زاد الحديث عن الدعم الخارجي للحوثيين، وأثيرت العديد من التساؤلات حول صمودهم حتى الآن، ونجاحهم في قتل الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح، وإطلاقهم الصواريخ الباليستية على الأراضي السعودية -83 صاروخا- ما جعل التكهنات تزداد حول من أين أتت الجماعة المحدودة الموارد بتلك الأموال والأسلحة؟ ومن يقف وراءها؟.

وقد ظهرت حركة «أنصار الله» منذ نشأتها كرقم أساسي في المعادلة السياسية اليمنية، والتي عرفت فيما بعد بـ«الحوثيين»، وهي حركة سياسية دينية مسلحة تأسست عام 1992، وتمت تسميتهم بهذا الاسم نسبة إلى مؤسسهم حسين الحوثي، الذي قتل في 2004، ووالده المرشد الروحي لحركة بدرالدين الحوثي، وتقوم على ولاية الإمام وتتبع الطريقة الاثنى عشرية على غرار النموذج الإيراني. وخاض الحوثيون ومعقلهم محافظة صعدة في شمال غرب اليمن، 6 حروب مع نظام الرئيس السابق علي عبدالله صالح بين 2004 و2010، قبل أن يتحول إلى حليف لهم منذ 2014. 

وفي محاولة لرسم صورة حقيقية لقوتهم السياسية والعسكرية والاقتصادية قبل وبعد الحرب، نجد أنه حتى أواخر 2013، كان الحوثيون يحاولون بكل قوتهم السيطرة على منطقة «دماج» معقل السلفيين بمحافظة صعدة، حتى نجحوا بعد قتال وحصار لأشهر في تهجير سكانها مطلع 2014، وكان ذلك بداية التاريخ الحقيقي للحرب الحالية، ما يعني أن نفوذهم السياسي في الحكم بقوة السلاح لا يتجاوز محافظة «صعدة»، البالغة مساحتها 11375 كيلومترا مربعا، أما قوتهم الاقتصادية فهي لا تتعدى ما يفرضونه من جبايات على المزارعين، كما أن قوتهم العسكرية هي الأخرى محدودة.

لكن هذا الأمر تغير منذ منتصف 2014، عندما زحفوا نحو محافظة «عمران» المجاورة، حيث بسطوا سيطرتهم الإدارية، وعززوا قوتهم العسكرية بما نهبوه من أسلحة وعتاد من المعسكرات، حتى بلغوا الذروة بدخولهم صنعاء في 21 سبتمبر من نفس العام، وسيطروا على سلاح جيش دولة بأكملها في غضون ساعات. وظهرت لديهم صواريخ باليستية قادرة على الوصول إلى الأراضي السعودية، وقوارب بلا ربان، تهدد الملاحة البحرية بباب المندب بين الحين والآخر. 

وبالتالي، فإن كل هذه الحقائق وفوارق القوة قبل وبعد الحرب، يجب استحضارها عند الحديث عن جماعة الحوثي، فعلى المستوى الاقتصادي مثلا لا يمكن مقارنة وضع الحوثيين قبل الحرب وبعدها، فهم اليوم يمتلكون ثروات كبيرة من أموال الدولة وإيراداتها، وما ينهبونه من أموال المواطنين. وعسكريا نجد أن الجماعة -المحدودة الموارد- تطلق الصواريخ الباليستية التي تستهدف من وراءها الإضرار بأمن دول مجاورة. 

وفي محاولة لمعرفة أسباب القوة المفاجئة لهذه الجماعة، نشر معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى دراسة بعنوان من يقف وراء الحوثيين؟ أشار فيها الباحث «ديفيد شينكر» إلى أن اليمن تتحول على ما يبدو إلى «حرب بين إيران والدول العربية» ويشير الكاتب إلى أن نظام الملالي المتشدد في إيران تحالف مع الحوثيين في اليمن لزعزعة استقرار الحكومة المركزية وتهديد استقرار المنطقة، وهو ما جعل الحديث عن الدعم الإيراني للحوثيين يزداد، حيث تقول مصادر إقليمية وغربية إن إيران ترسل أسلحة متطورة ومستشارين عسكريين إلى الحوثيين لتزيد الدعم لحلفائها الشيعة في حرب أهلية قد تلقي بظلالها على ميزان القوى في الشرق الأوسط.

وفي حقيقة الأمر فإن قيام إيران بالدفاع عن الحوثيين ليس جديدا، فالحوثيون يطلقون على فلسفتهم لقب «الشيعة الصافية»، ويعلنون صراحة ولاءهم لطهران، وتشير أدلة كثيرة إلى وجود علاقة كبيرة بينهما، منها تصريحات مسؤولي الطرفين. كما أن تدخلاتها في شؤون الآخرين ليس بمستغرب، فإيران تتدخل في جنوب لبنان وفي قطاع غزة وفي سوريا والعراق والمغرب، ولا شك أن لها إطماعا في دول الخليج، ولهذا تعمل ليل نهار من أجل رفع قدراتها العسكرية من أجل إحداث اختلال في ميزان القوى في المنطقة، والذي يعد العامل الرئيسي في تشجيع التدخل في شؤون الآخرين وفرض الهيمنة.

ووفقا لمحللين، فإن الدور القطري لا يختلف كثيرا عن الدور الإيراني، حيث تقدم الدوحة دعما لأنصار الحوثي في اليمن لإثارة القلاقل الأمنية في المنطقة، على الرغم من أن دول الخليج طلبت منها أن تكف أذاها عن جيرانها، لكن نظامها مستمر في مواصلة أدواره التي تخدم أعداء المنطقة العربية ودول الخليج، حيث لا يمكن نسيان الإشارة السلبية التي قامت بها قطر عبر دعوة رئيس إيران السابق أحمدي نجاد لحضور القمة الخليجية في قطر ديسمبر 2007، فهي لن تتردد في الارتماء في أحضان إيران مجددا بهدف إيجاد بديل لعزلتها. 

فمنذ حروب صعدة الست، والحوثيون يحتفظون بالجميل لقطر التي أنقذتهم بعد أن أوشكت القوات الحكومية على القضاء عليهم في 2006، وأبرمت قطر صفقة ضمنت بموجبها وقف تقدم الجيش اليمني نحو منطقة «مطرة» الجبلية، آخر معاقل المتمردين شمال محافظة صعدة؛ ما ساعدهم في ترتيب أوراقهم وإشعال الحرب في العام التالي، كما أشعلوا حربا في 2008؛ وهو ما دفع عضو البرلمان اليمني «محمد بن ناجي الشايف» لاتهام قطر بالوقوف وراء الوساطة بين الحوثيين والحكومة بدعم من إيران. كما اتهم سفير اليمن في الأردن، «علي العمراني» في أبريل2010، الدوحة وإعلامها بتنفيذ حملة لتقويض الاستقرار والدعوة إلى إعطاء الحوثيين حق تقرير المصير وتأييد حمل السلاح وأخذ الحقوق بالقوة. فيما كشف مصدر مطلع أن قطر دعمت جماعة الحوثي في الحرب الرابعة أثناء توسطها بمبلغ قدره 13 مليون دولار.

وكانت وثائق سرية مسربة قد أثبتت أن قطر نسجت تحالفا سريا مع إيران وأذرعها في المنطقة منذ 17 عاما، هدفه الوحيد زعزعة استقرار منطقة الخليج العربي، وأشار عسكريون إلى أن هذه الوثائق كشفت أن ثمة تواصلا بين أمير قطر السابق حمد بن خليفة آل ثاني، وبدر الدين الحوثي. وفي هذا السياق، قال «محمد الولص بحيبح»، الخبير العسكري والضابط بالجيش اليمني، إن علاقة قطر بالحوثيين كانت منذ التأسيس، وعلاقة المخابرات القطرية بزعيم الحوثيين حسين بدرالدين قديمة، مشيرًا إلى أن الدوحة قدمت دعما سريا بمبلغ 50 ألف دولار شهريا منذ عام 2001 للمعهد الديني الشيعي التابع لحسين بدرالدين في صعدة، وكان يتم تسليمها لقيادي حوثي اسمه «يحيى قاسم أبو عواضه»، وبالتالي، لا ترغب قطر في تحقيق الاستقرار في اليمن والوصول إلى تسوية بقدر ما ترنو إلى خدمة أهدافها من خلال وقوفها خلف الحوثيين في مقابل عدم دعمها للحكومة اليمنية ذات الشرعية، ووفقا لمراقبين، فإن قطر لم تقدم أي دعم تنموي أو سياسي أو إعلامي للدولة طوال العقود الماضية وحتى بعد تسلم الرئيس هادي الحكم، بل خصصت دعمها للمليشيات وذلك لتدمير الدولة تنفيذا لتوجهات إيران في المنطقة. 

وما يدعم وجهة النظر هذه، ما قاله الرئيس الراحل «علي عبدالله صالح» في مقابلة عام 2010، حيث أكد أن دولة قطر هي من تقوم بتمويل الفوضى في اليمن وقناة الجزيرة كذبت كثيرا في تغطيتها للأحداث، وأن الأزمة ليست حديثة بل تعود إلى عام 2006، عندما جاءت الانتخابات الرئاسية التنافسية ولم تعجب قطر على الرغم من كونها نزيهة.

وفي هذا الإطار، ذكر محللون سياسيون أن دعم قطر وموقفها من الحوثيين معروف منذ زمن بعيد، وبات مفضوحا رغم رغبتها في إبقائه أمرا سريا، وكان هدفها منذ اللحظة الأولى ليس دعم الحوثيين فقط بل عداء السعودية حيث تريد توظيف هذه الجماعة المتمردة ضد السعودية. وأدركت الحكومة اليمنية ذلك منذ البداية واتهمتها بدعم الحوثيين، وقالت في بيانها الصادر في يونيو 2017، إن ممارسات قطر بالتعامل مع ميلشيات الحوثي ودعم المتشددين أصبح واضحا، بحسب موقع سكاي نيوز. 

وفضحت وثيقة أعيد تداولها في يونيو 2017، حقيقة التواصل والدعم القطري للحوثيين، عبر خطاب موجه من بدر الدين الحوثي إلى أمير قطر السابق حمد بن خليفة آل ثاني، أثنى فيه على دعمه السخي إلى جانب وقفة «أسود الإسلام في إيران»، بحسب وصفه، والذي مكنهم من تحقيق الانتصارات، وعاهد الحوثي أمير قطر بأن يواصل المعركة.

وفي هذا الصدد، قال الخبير الاستراتيجي، العميد خلفان الكعبي في 26 يوليو 2017، لـ«سكاي نيوز» إن الدور القطري واضح في دعم تنظيم القاعدة والحوثيين في اليمن، بالإضافة إلى الدعم المالي بالمليارات لعدد من التنظيمات الإرهابية، موضحًا أن الدوحة لم تكتف بالدعم المالي للحوثيين فقط بل دعمتهم بأجهزة استخباراتية لتسهيل التواصل معها، ففي 2 ديسمبر2017 كشفت مصادر إعلام يمنية أن قوات حزب «المؤتمر الشعبي العام»، ضبطت أجهزة اتصالات قطرية استخباراتية بحوزة عناصر من مليشيات الحوثي يستخدمونها في التواصل مع ضباط مخابرات في الدوحة. 

ما يعزز الحديث عن كون دافع قطر من دعم الحوثيين يتمثل في الإضرار بأمن السعودية، هو اعترافات ضابط المخابرات القطرى الذي كان يعمل لصالح إيران في صنعاء، والتي كشفت في 12 ديسمبر 2017 عن أن النظام القطري رصد 500 مليون دولار شهريا لجماعة الحوثي اليمنية مقابل تكثيف العمليات العسكرية قرب السعودية. وفي هذا السياق، قالت أوساط خليجية إن سحب السعودية والإمارات والبحرين لسفرائهم من الدوحة جاء بعد أن عمدت قطر إلى تصرفات وممارسات تخالف وتضر بأمن الخليج، وبالأمن القومي العربي، وهو ما حدث مع مصر واليمن، من خلال دعمها الحوثيين بالمال والعتاد. 

ويبدو أن مقتل صالح لم يثن قطر عن دعمها للحوثيين، حيث إنه في 24 ديسمبر2017 قال القيادي المنشق عن مليشيات الحوثي «علي البخيتي»، إن قطر زادت من وتيرة تمويل الحوثيين. وأكد في تغريدة نشرها في حسابه على موقع «تويتر»، أنه يتحدث عن معلومات، وأن الدعم القطري للحوثيين بات يفوق دعم إيران، فقطر تعتبر دعم الحوثيين جزءًا من معركتها مع الدول الداعية لمكافحة الإرهاب، ويمنحها ورقة رابحة، موضحًا أن قناة الجزيرة باتت النسخة الثانية من قناة المسيرة الحوثية، وما يؤكد لنا ذلك هو أن قناة الجزيرة قد أعادت خلال الفترة الماضية فتح مكتبها في صنعاء، وكثفت من الدعم الإعلامي لجماعة الحوثي.

ومن هنا، فإن الدافع القطري وراء التدخل في اليمن غير مدعوم برغبة في الإصلاح أو دعم أمن واستقرار اليمن، فهي لا تحاول إيجاد حلول دبلوماسية تعمل على تقريب وجهات نظر الطرفين إنما تقدم أموالا وأسلحة لجماعة متمردة تحاول اختطاف اليمن لحافة الهاوية. كما أنه من الواضح أنها تحاول طرح نفسها كلاعب بارز في المنطقة بالتدخل في الصراعات الدائرة أو محاولة لعب دور الوساطة، غير أن قدراتها لن تسمح لها بذلك، وهو ما أكدته صحيفة «نيويورك تايمز»، حين قالت في يونيو 2017 إن «قطر طرحت نفسها كوسيط في عدد من ملفات المنطقة ومنها ملف الحوثيين في اليمن إلا أنها تلعب دورا أكبر من حجمها».

ويمكننا القول إن قطر بدعمها للحوثيين قد لعبت دورا مزدوجا، فمن جانب حاولت الإضرار بأمن المملكة العربية السعودية، بعد أن باتت لا تتردد في القيام بهذا الدور، ومن جانب آخر، فإنها وجدت في تلك الجماعة التوجه العقائدي المتناقض مع السعودية فدعمتها لكسب نقطة إضافية لدى النظام الإيراني المعادي للسعودية وللتواجد السني، وهو ما ينبئ باستمرار الأزمة بينها وبين باقي دول المقاطعة.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news