العدد : ١٤٧٢٦ - الأربعاء ١٨ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٢٦ - الأربعاء ١٨ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

بريد القراء

علمنـي أبــي.. قـيـمــة بـنــاء الــذات

الخميس ٠٤ يناير ٢٠١٨ - 11:40

اعتدت صلاته عند طلوع الفجر وصوته يملأ المكان قائلا بصوتٍ جهورٍ «يا فتَّاح يا عليم يا رزَّاق يا كريم» يتبعها أذكار الصباح المعروفة، كان صوته قويا مدويا لدرجة تزعج جيراننا.. هذا الصوت كان بمثابة أنغام الأمان لقلبي في كل نهار أستمد قوة يومي من قوته وطاقته.

كنت أظن أن قوة الإنسان تتمثل في قوته البدنية إذا ادّعى أحدهم أن هناك شخصا ما قوي حَسبْت أنه «عضلات» إلى أن صحح أبي لي مفهومي الخاطئ حين قام بدعوة أحد أصدقائه القدامى على العشاء وإذ برجلٍ عجوز يبدو عليه الضعف الشديد يمد يده ليسلم ويُقبل يدي كَفارس من العصور الوسطي. جلست متحمسة لمناقشاتهم سويا في عدة موضوعات مختلفة وفجأة تطرقوا إلى أمر مرضه والذي استمر اثني عشر عامًا من المعاناة مع «اللوكيميا الحادة»، لم أتوقع أن هذا الرجل الكهل قويا إلى هذه الدرجة بل محاربا مقداما، فقد تحدى المرض وواجهه بل شعرت أنه أخَاف المرض من قوته وقام بطرده من جسده نهائيا بالقوة والمثابرة. انتهت جلستنا وأنا أنتظر التوضيح من عزيز قلبي، وهذا ما قاله لي باختصار: «لكل إنسان قوته التي يستمدها من مكنون روحه ودوافعه الذاتية تكوينك الخفي الذي لا يعرفه أحد سواكِ؛ فحين تنظرين حولك ستجدين أن العديد من البشر نظريا يملكون كل مقومات الحياة والنجاح المرئية ومع ذلك إذا قمتِ بسؤالهم كيف حالكم! ستجدينهم مُهمشين لا يشعرون بأن لهم أي قيمة تُذكر، وهم من الأساس لا يُعيرون أي اهتمام لكل تلك المقومات التي يتمنى الكثيرون الحصول علي عُشْرها. يتعلق الأمر بالسمات المعنوية، قيمة الذات وتكوينها الداخلي المنبثق من عوامل عدة أهمها التربية والتعلم بالمواقف وبناء الشخصية؛ فالمكون المعنوي هو الاسمى والأدق».

أدركتُ من كلام أبي أننا نُولد فارغين كبالون منكمش لا تعرف ماهيته لأن أحدا لم يَهِبهُ ذاته ثم يمنحنا أحدهم قبلة الحياة، يُزودنا بالهواء مرة بعد مرة، مرحلة بعد مرحلة، حقبة بعد حقبة، حتى نملك القدرة على الطيران.

هكذا التربية وتثبيت القيم في الصغر تمنحنا الحياة لبقية العمر وتجعلنا قادرين علي مواجهة العواصف وصد الرياح والصمود أمام الصعاب مهما كانت درجة دويها بقدر ما وهبنا من إرادة أكسبتنا إياها التربية الصحيحة.

لم أعهد أبي أبدًا جالسًا فوق الشجرة فيما يخص تربيتي، كان يمشي معي خطوة بخطوة بل يحملني على قدميه كي أتقدم، نحبو سويا ونتوكأ سويا ونقطف سويا الثمار بعد أن نحاول وأعيننا لا تخطئ الهدف.

علمني أبي أن لا نجاح من دون عزيمة وأن ثمار الشجرة لن تأتي إلا بجد وإصرار وعمل، كبرت ونضجت حتى تعلمت كيف أصطاد الثمار بكل شرف وقيمة من دون خديعة أو رياء.. فقط بالصبر والعمل والإيمان.

لقد ترك لي أبي قيمة أكبر من كل القيم وإرثا ليس لأحد أن يرث مثله، علّمني كيف أكون أنا وكيف أختار وأعرف وأصل إلى ما أريد، لم يخبرني بأهم شيء وهو أنه هو الثمرة التي كنت ومازلت أبحث عنها طوال حياتي وأنه لم يكن يومًا فوق الشجرة بل كان ذاته الشجرة.

شيرين فريد

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news