العدد : ١٤٨١٨ - الخميس ١٨ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ صفر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨١٨ - الخميس ١٨ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ صفر ١٤٤٠هـ

الاسلامي

الدر المنثور في الكتاب المكنون (8)

الجمعة ٢٩ ديسمبر ٢٠١٧ - 10:45

بقلم: عاطف الصبيحي 

الصُّنع والكسب

رحمك الله يا حافظ إبراهيم عندما سطرت وجع العربية بأبيات شعرية أقتبس منها:

وسـعت كتـاب اللـه لفظـًا وغايـةً *** وما ضقت عن آيٍ به وعِظات

فكيف أضيق اليوم عن وصف آلةٍ *** وتنسيق أسماء لمخترعات 

أنا البحـر في أحشائه الدر كامن *** فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي 

علة العربية ليس منها ولا فيها بل من أهلها الناطقين بها، كما يتضح لكل من قرأ القصيدة كاملة، ومن خلال تمجيد حافظ للعربية، وموافقتنا الكاملة معه، وهذا الذي حاولنا التركيزعليه، منذ بداية السلسلة، نأتي على موضوع جمال العربية القرآنية، ومن خلال تذوق معاني مفردتين، ودقة ما تحملان من معانٍ لا تتأتى إلا من لدن العليم الحكيم. كدقة الفرق بين العمل والفعل، الذي توقفنا عنده في المقال السابق على هذا المقال.

كثيرًا ما تصادفنا كلمتا الصنع والكسب، وما يرتبط بالكسب من أجر على عمل، فلنشرع بتسليط الضوء على المفردة الأهم وهي «الصُّنع»، بحسب ورودها في مواقع متفرقة من كتابنا الحكيم، والصنع ومشتقاتها اللغوية استُعملت للدلالة على نتاج عمل، وننهج اليوم منهج المحطات، حيثما وردت كلمة الصنع أو الصناعة نتوقف عندها، ونستخرج صدفتها كما يشير الشاعر في المقدمة، كقول الله لسيدنا نوح «واصنع الفلك بأعيننا» هود 37، وقوله تعالى «فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا» المؤمنون 27. وفي سورة الأنبياء يقول الحق سبحانه في الآية 80 «وعلمناه صنعة لبوس»، فمن بديهات العقل أن صناعة الفلك تُشير إلى نتاج عمل، يستوجب خبرة سابقة وعلما حتى يتم العمل الناتج عن الصُنع، أو تكون بوحي من الله سبحانه، والطبيعة الكونية التي تحيط بنا وسُخرت لخدمة الإنسان هي من صنع الله العليم الخبير «وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صُنع الله الذي أتقن كل شيء إنَّه خبير بما تفعلون» (النمل 88).

المحطة الثانية: نتوقف فيها عند قوله تعالى مخاطبًا قوم هود «وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون» (الشعراء 129)، وقصّ علينا القرآن أن قوم هود يبنون بيوتهم في الأماكن العالية «أتبنون بكل ريع آية تعبثون»، والريع هو كل مكان مُشرف من الأرض مُرتفع، وهو بالضرورة بحاجة إلى رفع الماء، فقد صنعوا حُفرًا لتجميع المياه سُميت مصانع، وحتى يومنا هذا تُستعمل في بعض الدول العربية كلمة «مصنع مياه». ويؤكد الله لنا أن الصناعة لا تتم اعتباطًا، بل بحاجة إلى العلم والخبرة كما أسلفنا، وتتألف من مجموعة من الأفعال المحددة لإنتاج شيء ما، لذا قرن الله سبحانه بين الصناعة والخبرة والعلم «إن الله خبير بما تصنعون» (النور 30)، «والله يعلم ما تصنعون» (العنكبوت 45)، وأما قوله لموسى «وألقيت عليك محبة مني ولتُصنع على عيني» (طه 39)، حيث تربى في بيت فرعون فقام فرعون بتربيته وتغذيته وتنشئته والله يرعاه، ومن الأقوال الشائعة وهي فصيحة وصحيحة قولنا «الجامعة مصنع الرجال» تحول الجاهل إلى متعلم ومن ثم إلى عالِم. 

المحطة الثالثة: «وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مُطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الخوف والجوع بما كانوا يصنعون» (النحل 112)، أوردت هذه الاية لأني وقعت على تفسير لطيف ومعاصر هذا مفاده ولبه: بحسب الآية الكريمة هناك قانون موضوعي لا يتغير، هو أن كل مجتمع إنساني مستقر «قرية» كفر بأنعم الله له عقوبتان نتيجة صنع الانسان نفسه، العقوبة الأُولى الجوع والثانية الخوف؛ والسبب هو صناعة الانسان نفسه، والمثال بات ضروريا هنا، إذا عرفنا أن حاملة طائرات واحدة مع ملحقاتها تُكلف حوالي عشرين مليار دولار، فهذه نفقات أسطورية على تلك الصناعة، ضمن سباق التسلح الجاري على قدم وساق بين دول العالم، ولا سيما الكبرى منها، وهذا يُنتج معضلتين لا تخفيان على أحد، الأولى معضلة الجوع التي تعم أرجاء واسعة من الأرض بسبب تلك النفقات الخيالية على التسلح، والمعضلة الثانية وهي أيضًا باتت لا تخفى على الناس وهي الخوف من عواقب هذا التسلح، الذي لا يبقي ولا يذر، إذا ما دقت ساعة الحسم، ولنا في هيروشيما أنصع مثال، إذن؛ بسبب صناعة الإنسان عاقبنا الله بالجوع والخوف في آن واحد، «فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون» وليس بما كانوا يكفرون؛ فهذا يعني أن القرية الكافرة بالله لا يمنع عنها رزقها من ماء وشجر وزراعة لأنه ربها، لكن عقوبة الجوع والخوف جاءت ردا على الكفر بأنعم الله، فسباق التسلح هو عقاب الله في العصر الحديث.

المحطة الرابعة: «من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نُوفِ إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يُبخسون * أُولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا وباطل ما كانو يعملون» (هود 15 و16)، وهنا لا نتوقف إلا عند الاعتقاد الخاطئ لدى البعض بأن الدنيا للكافر والآخرة للمؤمن، فالدنيا للمؤمن والكافر على حد سواء، وهذا من مقام الربوبية للجميع، فهو رب العالمين، وليس رب المسلمين من دون غيرهم. 

المحطة الأخيرة: «ولو أن قرآنا سُيرت به الجبال أو قُطعت به الأرض أو كُلم به الموتى بل لله الأمر جميعًا أفلم يايئس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ولا يزال الذين كفروا تُصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد» (الرعد 31) ثمار هذه الآية كثيرة وما استطعنا إلا قطف قليل منها بعُجالة:

* مواضيع القرآن عقلية علمية، لا كما طُلب من النبي بحسب تفسير هذه الآية وأن العلم مُتاح لكل إنسان. لذا؛ قال الله عن القرآن «هدىً للناس».

* بما صنعوا: الباء هنا للاستعانة أي بصناعتهم،تصيبهم قارعة بمعنى ضربة قاصمة قوية، وهنا ينبغي التفريق بين الدار والديار، فالدار هي الأوطان والديار هي أبنية لها جدران.

وأما الكسب: فهو المردود الإيجابي للعمل بخلاف الاكتساب الذي هو المردود السلبي للعمل، مصداقا لقوله تعالى «لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت» (البقرة 286). ومما يتعلق بالكسب الأجر الذي يعطيه رب العمل للأجير نظير عمل وهو للمأجور يعتبر كسبا، فالنجار يقوم بعدة أفعال ينتج عنها عمل طاولة مكتسبًا نقودا لقاء هذا العمل، ولكن ينبغي أن نلاحظ أن هذا الوصف لا ينطبق تمامًا على الزراعة «أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون»، مجال وفاعلية الإنسان تنتهي عند الحرث والبذر، ثم انتظار ما تقدمه الأرض من خيرات وثمار بإذن الله، فالمطر لا طاقة للإنسان به في الري، أما الحرث في الآية فهو الغلة «الحصاد المادي». وبناء عليه فإن الإنسان يعمل في الزراعة ويجني الحرث والأرض هي التي تنتج، وهنا يكمن الاختلاف بالنسبة إلى الصناعة، حيث يعمل الإنسان في الصناعة وهو بنفسه ينتج، وهذا يكمن في دقة التعبير القرآني الكريم «ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم»، عن النبات قال «ليأكلوا من ثمره»، وعن عمل الإنسان قال «وما عملته أيديهم»، حيث اكتمال العمل في الصناعة من ألفه إلى يائه مرهون بالإنسان، وهذا ما يميز الزراعة عن الصناعة. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news