العدد : ١٤٧٢٤ - الاثنين ١٦ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٣ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٢٤ - الاثنين ١٦ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٣ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

الاسلامي

(تأملات في آيات القرآن الكريم)
آيـات الـعـقل ومـدلـولاتـها التربـويـة فــــي الــــقــــرآن الـــكـــريـــم (6)

د. محمد عطا مدني

الجمعة ٢٩ ديسمبر ٢٠١٧ - 10:39

تحدثنا في مقالنا السابق عن بعض آيات القرآن الكريم التي اشتملت على توجيهات تربوية في مجال استخدام العقل، والذي يعتبر نعمة من أكبر نعم الله علينا، نحتاج اليها في كل عصر من العصور، وطرح المقال السابق السؤال التالي: هل نكتفي بقراءة هذه الآيات في مساجدنا وفي صلواتنا فقط؟ أم أننا نحتاج اليها أيضا لتصحيح مسيرتنا البشرية على هذه الأرض لتحقيق جانب الإعمار الذي كلفنا المولى جل وعلا بالقيام به بطريقة صحيحة؟ 

وفي مقال اليوم سوف نستعرض مجموعة جديدة من آيات العقل، تقدم لنا توجيهات مهمة لمسيرة حياتنا، فإذا التزمنا بها صلحت دنيانا وآخرتنا.

قال تعالى: (يَا أيهَا الذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِن دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا وَدّوا مَا عَنِتّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ). آل عمران (118).

(مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ). العنكبوت (41 - 43).

(قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أو نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أصحاب السَّعِيرِ). الملك (9-10).

(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أو آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ). الحج (46).

في مطلع هذه الآيات الكريمات، يحذر القرآن الكريم المؤمنين من اتخاذ من هم ليسوا من دينهم بطانة لهم، أي لا يقربونهم إليهم حتى لا يطلعوا على خباياهم وأسرارهم ويستخدمونها ضدهم، فهم أعداؤهم حتى وإن تظاهروا بغير ذلك، ومهما حاولوا إخفاء الكراهية والبغضاء، فقد يلوح على وجوههم ويبدو من فلتات ألسنتهم من العداوة ما تشتمل عليه صدورهم من البغضاء للإسلام وأهله، مما لا يخفى على لبيب عاقل.

إن النصارى واليهود والمنافقين لن يقصروا في افساد المسلمين فهم يتمنون لهم أشد الضرر، ولذلك جاء تحذير القرآن الكريم للمؤمنين، مقدما لهم الدليل على مخادعة الذين ليسوا من دينهم، وينتظر منهم ألا يقعوا فريسة لخداعهم ومكرهم ويقول لهم (قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون).

ويتجلى إعجاز القرآن الكريم العلمي في سورة العنكبوت، كما في آيات أخرى كثيرة، فقد اكتشف العلماء منذ سنوات قليلة فقط أن خيط العنكبوت أقوى من مثيله من الصلب ثلاث مرات، كما أنه أقوى من خيط الحرير، ولم يكن وصف بيت العنكبوت في القرآن الكريم منصبا على نسيجه، وإنما كان القصد البيت نفسه، حيث تبين حديثا أن بيت العنكبوت هو أبعد البيوت عن صفة البيت بما يلزمه من أمان وسكينة وطمأنينة، فالعنكبوت الأنثى تقتل ذكرها بعد أن يلقحها وتأكله، والأبناء يأكلون بعضهم بعضًا بعد الخروج من البيض ولهذا يعمد الذكر إلى الفرار بعد أن يلقح أنثاه ولا يحاول أن يضع قدمه في بيتها مرة أخرى. ولهذا جاءت الإشارة إلى اتخاذ البيت في الآية الكريمة بتاء التأنيث.

ففي الآية الكريمة عودة لمعالجة قضية الألوهية والوحدانية لله سبحانه وتعالى، ويأتي في طياتها الحديث عن الذين أشركوا به متخذين آلهة أخرى يعبدونها ويحتمون بحماها، وهم لا يعلمون أنهم تمسكوا بأهداب بيت العنكبوت وهو أوهن البيوت لو كانوا يعلمون. وتعجب بعض المشركين من ضرب الأمثال بالذباب والعنكبوت في القرآن الكريم، وكان رد القرآن الكريم عليهم أن الله سبحانه وتعالى يضرب هذه الأمثال لمن يعقلها، أي يستطيع الوصول إلى مراميها.

وتورد الآيات الكريمات بعد ذلك أخبار الذين لا يسمعون ولا يعقلون، وقد أوردوا أنفسهم موارد التهلكة، حيث سارعوا باتهام الرسل بالضلال، ولما وجدوا العقاب أمامهم حقيقة واقعة، قالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير. 

وهكذا، فإن إعمال العقل والفكر وعدم الانقياد للمضللين لا شك يعصم الإنسان من عذاب يوم القيامة.

وتوضح الآية الأخيرة أن الذين لا يتعظون من أخبار وآثار الأمم السابقة، ولا يستفيدون من دروس الماضي وعبره، كأن عيونهم مفتوحة يرون بها ولكن (القلوب) التي تفسر المرئيات قد أضلت وعمت عن رؤية الحق ودلائله وآياته الواضحة للعيان. وستكون هذه الآية الكريمة هي مدخلنا لاستعراض الآيات والأساليب التي ورد فيها ذكر (القلب) مرادفا للفظ العقل.

تسع وأربعون مرة استخدم فيها القرآن الكريم مشتقات لفظ (العقل) بطريقة مباشرة، ولغرض توجيهي وتربوي واضح يتلخص في الدعوة إلى التفكير وإعمال العقل في كل ما يخص شأن الإنسان، باستثناء الأحكام الشرعية بطبيعة الحال والتي وردت بوضوح لا يقبل التأويل. 

ولم يكتف القرآن الكريم في منهجه للتربية العقلية بورود مشتقات لفظ (العقل) فقط في أساليب موحية جذابة، ليعبر بها عن منهجه التربوي فيما يخص العقل، وإنما أورد مرادفات أخرى مثل (القلب، اللب، الفؤاد، الحلم، النهى، والحجر) ليؤكد منهجه التربوي من جهة، ومن جهة أخرى ليعطي معان جديدة للتوجيه العقلي لتوسيع أطر التفكير في هذا المنهج بشكل بانورامي يؤكد أهمية هذا النهج القرآني للإنسان في كل زمان ومكان.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news