العدد : ١٤٥٤٩ - الاثنين ٢٢ يناير ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ جمادى الاول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٥٤٩ - الاثنين ٢٢ يناير ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ جمادى الاول ١٤٣٩هـ

في الصميم

لــطفـــــــي نصــــــــــر

كفى تشتتا وهدرا!!

لوحظ من خلال جداول أعمال مجلس النواب في الآونة الأخيرة أن الحكومة الموقرة أحالت عددا كبيرا من التشريعات الجديدة إلى المجلس.. سواء ما كان منها نابعا من الحكومة ذاتها لشعورها أنها في حاجة إليها لتحسين وترشيد مسيرة العمل الحكومي على أرض المملكة.. أو تلك التي تنبع من مجلس النواب كاقتراحات بقوانين ترى السلطة التشريعية أن هناك حاجة حقيقية الى الإضافة إلى رصيد البلاد التشريعي، رغم ثرائه الكبير، ثم يحيلها المجلس إلى الحكومة، التي تقوم بدورها بوضعها في صورة مشروعات بقوانين قبل إعادتها إلى المجلس الموقر.

في جلسة واحدة كان على جدول أعمالها ما يزيد على أكثر من عشرين رسالة من الحكومة تحمل كل منها تشريعا جديدا وقد قام المجلس مشكورا بالتصويت على إحالتها إلى اللجان المختصة.

الحكومة تعي أن هذا الفصل التشريعي (الرابع) يعيش الآن نهاياته.. وأنه ليس من صالحها أو من مصلحة سمعتها أن تتكدس لديها مشروعات القوانين.. وخاصة أن الحكومة البحرينية قد عرف عنها أنها هي التي لا تقدم على إعداد مشروع قانون جديد إلا إذا أثبت الواقع الميداني أنها في مسيس الحاجة إلى حسن تسيير دفة الحياة والعمل على الأرض، ولذلك فإنها لا تحيل هذه التشريعات إلى السلطة التشريعية إلا إذا شعرت أنها في حاجة ماسة إليها ترسلها مع أملها وعشمها في أن تُسرع السلطة التشريعية الخطى في انجازها.. وأن تكون هذه السلطة التشريعية عند حسن الظن بها على الدوام.

لذلك يجب على مجلس النواب أن يستمع جيدا إلى نصيحة النائب عادل العسومي ويُغيّر من منهجيته وسلوكياته ويتخلى عن هذه السلوكيات التي تؤخر ولا تقدم.. وأن يتنازل بعض السادة النواب عن عشقهم الكبير لجرّ الجلسات العامة إلى مسائل وقضايا واهتمامات ومتاهات لا جدوى من ورائها.. وخاصة أنها تكون دائما من خارج جدول الأعمال مع إصرارهم في الوقت ذاته على وضع موضوعات وأسئلة نيابية واقتراحات برغبة وقضايا عامة للمناقشة على جدول الأعمال.. والتنازل بعض الشيء عن هذا النهم وخاصة خلال الأشهر القليلة المتبقية من دور الانعقاد الأخير!.

ويا حبذا لو وضعنا مشروع النائب محمد ميلاد بوقف تقليد التعليق على رسائل الحكومة بشأن موقفها من الاقتراحات برغبة -ولو على سبيل التجربة- حتى يتم البت في مصير مشروعه بالحظر التام لحكاية التعقيب على رسائل الحكومة، وهي التي ترعى كالنار في الهشيم في وقت الجلسات وتهدره هدرا.

ويا ليتنا نقنع أنفسنا بأن المهمة الأساسية والرئيسية لمجلس النواب هي «التشريع».. وأن اللوم الأكبر الذي كان يوجه نحو تقصير السادة النواب عبر الفصول الثلاثة السابقة قد تركز في الأعم الأغلب في التقصير بحق «آلية التشريع» على حساب النّهم في عشق وتفضيل الآليات البرلمانية الأخرى.. وقد كانت الشكوى الدائمة التي كان يعبر عنها أستاذنا الكبير خليفة الظهراني رئيس المجلس السابق.. والتي كان «يعاير» بها السادة النواب هي تقصيرهم وإهمالهم لبند أو آلية التشريعات وتكديسها بالمجلس رغم عظمة مكانتها.

لكن الحقيقة لست أعلم السر وراء تبرم السادة النواب بالتشريعات إلى درجة أنني ألحظ أنها تلقى منهم «السلق» أحيانا.. أقول ذلك مع تقديري الكبير للسادة أعضاء لجنة الشؤون القانونية والتشريعية بالمجلس وتقديسهم للمهمة المنوطة بهم.. وإحساسي بتألماتهم أحيانا وهم يستدعون مسؤولي بعض الوزارات للإجابة عن تساؤلات ومعلومات معلقة.. ثم لا يلقون غير عدم الاكتراث.. رغم تشديد صاحب السمو الملكي رئيس الوزراء على هذه الناحية.

‭}}}‬

مجلس النواب يبحث الآن اقتراحا بقانون بتعديل البند (2) من المادة (18) من قانون الخدمة المدنية.. ويجيء هذا التعديل المقترح لينص على ما يلي: «يتعين على الجهات الحكومية العمل على تمكين موظفيها من تلقي التدريب كل في مجاله بما لا يقل عن 30 ساعة سنويا، ويصدر الديوان تعليمات بتنظيم التدريب في الجهات الحكومية وفقا لما تحدده اللائحة التنفيذية».

طبعا لا تغيب الأهداف النبيلة من وراء هذا المطلب النيابي وعلى رأسها «تحسين الخدمات المقدمة إلى المواطنين ورفع مستوى نوعيتها، وخلق بيئة تنافسية، بين الموظفين.. وبصفة عامة تطوير مستوى الوزارات والأجهزة الحكومية».

لكن في الحقيقة أنا مع رأي وموقف ديوان الخدمة المدنية الذي يرى أن عدم تحديد مدة أو ساعات التدريب السنوية للموظف هو الأفضل.. ذلك لأن هذا التحديد سيكون مدخلا نحو زيادة مخصصات التدريب في الحكومة من خلال الميزانية العامة في الوقت الذي تعمل فيه الحكومة على ترشيد الإنفاق في جميع النواحي.. كما أن هذا الاقتراح بقانون سيشكل نوعا من الهدر المالي نظرا لأن نسبة عالية جدا من الموظفين المهرة والمتميزين قد لا يحتاجون إلى كل هذه الساعات.. كما أن كثيرا من الموظفين يسعون إلى تدريب أنفسهم بأنفسهم من خلال الالتحاق بالدراسات بالجامعات والمراكز والمعاهد العليا في مجال تخصصاتهم.. كما يمارس كثير منهم البحث العلمي سواء للحصول على الدرجات العلمية الأعلى أو لرفع مستواهم الوظيفي.. الخ.

هذا من ناحية.. أما من الناحية الأخرى فإن ديوان الخدمة المدنية هو الأقدر على حسم مثل هذه القضايا.. فهو الذي يعايش دقائق المنظومة الوظيفية ويعي كل الحقائق والمعلومات من حولها.. وقد لوحظ أنه يعطي قضية التدريب اهتمامات عالية جدا.. إضافة إلى أنه الأكثر إدراكا واستيعابا لأهمية التدريب في تطوير الموظفين ورفع كفاءتهم، سعياً نحو الارتقاء بالعمل الحكومي وحفاظا على مصلحة الموظف.

ومن حسنات ديوان الخدمة المدنية في هذا المجال أنه لا ينفرد وحده بتحديد احتياجات موظفي الحكومة للتدريب.. فقد أتاح الديوان الفرصة سانحة لكل وزارة لتحدد حاجة موظفيها إلى التدريب.. وأفرد الديوان في نظام تقييم أداء الموظفين «خانة» مهمة جدا لتحديد مدى حاجة الموظف الحكومي إلى التدريب.. كما ربط الديوان -وإن كان هذا الربط بطريق غير مباشر- بمدى علاج الموظف لسد نقص حاجته إلى التدريب واجتياز الدورات التدريبية التي يحتاج إليها.. وربطها بحصوله على العلاوات والترقيات والفرص الوظيفية التي تدفعه إلى الأمام.

لذا -وأعتقد أن هذا هو الواقع- هناك موظفون يحتاجون فعلا إلى 30 ساعة تدريبية سنويا.. وهناك من يحتاجون إلى 20 ساعة.. وهناك من يحتاجون إلى (10) ساعات وهناك من يحتاجون إلى أكثر من 40 ساعة.. وهناك من لا يحتاجون إلى أي ساعات بالمرة لأن عندهم تدريبا ذاتيا وتلقائيا كما أشرنا من قبل.

ولهذا كله فإن تحديد 30 ساعة تدريبية بقوة القانون هو اقتراح في غير موضعه وقد يؤدي إلى الهدر المالي.. وإذا لم يكن هذا الهدر مؤكدا فهو محتمل.. الأمر الذي يستوجب ترك القرار والتحديد والتقدير لديوان الخدمة.. ولندع هذا القانون المقترح لمجال آخر نحن في مسيس الحاجة إليه!

علينا مثلا أن نعمل على حصر الاختصاصات البلدية التي يمارسها السادة النواب في وضح النهار.. ونبحث عن الآلية التشريعية التي تعالج هذا الهدر.. ونترك ما لزيد لزيد.. وما لقيصر لقيصر.. وكفى تشتيتا وهدرا.

إقرأ أيضا لـ"لــطفـــــــي نصــــــــــر"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news