العدد : ١٤٨٤٨ - السبت ١٧ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٤٨ - السبت ١٧ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

مقال رئيس التحرير

أنـــور عبدالرحمــــــن

الطـريـق إلـى خـلاص البشـرية

يقول جبران خليل جبران: «الحياة جزيرة في بحر من الوحدة والانفراد.. الحياة جزيرة صخورها الأماني، وأشجارها الأحلام، وأزهارها الوحشة وينابيعها التعطش.. وهي في وسط بحر من الوحدة والانفراد. حياتك يا أخي جزيرة منفصلة عن جميع الجزر والاقاليم، ومهما سيرت من المراكب والزوارق إلى الشواطئ الأخرى ومهما بلغ شواطئك من الأساطيل والعمارات فأنت الجزيرة المنفردة بآلامها، المستوحدة بأفراحها، البعيدة بحنينها، المجهولة بأسرارها وخفاياها.. في عزلتك ستظل مجهولا لا يعرفك الناس، وستظل محروما من عطفهم وتفهمهم».

أيام قليلة وسنودع عامنا هذا. أفضل ما يمكن أن نفعله هو أن نتوقف لدقائق قليلة، ونسأل أنفسنا: ما الإنجازات الخيرة أو الطيبة التي حققناها في الاثني عشر شهرا؟.. نقول الإنجازات الخيرة والطيبة لأن الإنسان بطبعه لديه قدرة عجيبة هائلة على خداع النفس وإخفاء عيوبه ونقائصه.

هل نمتلك الشجاعة الأخلاقية لكي نحكم على أنفسنا بأمانة ونعترف بالصواب والخطأ في سلوكنا؟.. هل نتحلى بالضمير الحي لكي يكون شاهدا على ما فعلنا من خير أو شر؟.. أم أننا سنهرب من مواجهة الحقيقة، وتأخذنا العزة بالإثم، ونتذرع بالقول إننا بشر ومن الطبيعي أن نرتكب الأخطاء، وحتى الخطايا؟

هل لدينا النية والرغبة في إصلاح أخطائنا وخطايانا، أم سنكابر ونعاند بأنانيتنا المفرطة؟

هل نحن من أولئك الذين يتوقعون من المجتمع أن يعطيهم كل شيء، ومع هذا لا يفكرون في إعطاء المجتمع أي شيء بالمقابل؟

هل نحن من الذين لا يعنيهم شيء إلا «الأنا» فقط ومصالحهم الشخصية فحسب، ولا تعنيهم في شيء كلمة «نحن» وما يجب أن نتشاركه مع الآخرين؟

يجب أن نطرح على أنفسنا هذه التساؤلات ونفكر فيها مليا؛ لأن الإنسان في بحثه الأبدي الدائم عن السعادة عادة ما يتجاهل سعادة الآخرين المحيطين به.

المفكرون والفلاسفة في العالم كتبوا آلاف الكتب حاولوا فيها جاهدين أن يحددوا المعنى الحقيقي للسعادة، لكنهم فشلوا في مسعاهم هذا. سبب هذا الفشل ليس عجزا أو قصورا من هؤلاء المفكرين والفلاسفة، لكن الأمر ببساطة أنهم لم يستطيعوا أن يحددوا ما السعادة بالضبط أو أن يسبروا غورها، ربما لأنهم استندوا إلى منطق ذاتي في تحديد معنى السعادة. والإنسان بحاجة إلى أن يتجاوز ذاته وإلى قوة كبيرة لكي يعيد النظر في أفكاره ومفاهيمه الضيقة ويتجاوزها.

اليوم، تغرقنا تكنولوجيا المعلومات بسيل رهيب من المعلومات في كل مجال. وقد وصل الأمر إلى حد أن طفلا أو طفلة في العاشرة من العمر أصبحا يحملان معلومات العالم كله في جيبيهما.. في الهاتف النقال. لكن هل يجلب هذا لهما مزيدا من السعادة، أم مجرد إحساس عابر بالرضا؟

كل منا نحن البشر لديه القدرة على جلب السعادة للآخرين.. وهذه في حد ذاتها نعمة كبرى تعمق أنبل المشاعر الإنسانية.. مشاعر الحب والعطاء، والإسهام في خير البشرية. مثل هذه المشاعر السامية تستمد جوهرها من سلطة إلهية عليا أعظم منا لا تفرق بين لون أو عقيدة، ولا بين غني وفقير، ولا بين رجل وامرأة.

اليوم، تعم المآسي، ويعم البؤس والشقاء العالم كله. وما كان لهذا أن يحدث لولا أن كثيرين منا لا يلتزمون بمبادئ وتعاليم وقيم دينهم. كل الأديان، تعاليمها ومبادئها وقيمها واحدة.. كلها تدعو إلى عبادة الإله نفسه، وأوامرها ونواهيها واحدة تقريبا. للأسف، الإنسان هو الذي يسيء فهم الدين، ويسيء تفسير تعاليمه ومبادئه وقيمه.

لقد خلق الله الإنسان لكي يكون خليفته في الأرض ولكي يكون هو سيد كل المخلوقات.. لكن الأمر المؤلم أن الإنسان هو الذي يظلم أخاه الإنسان، وهو الذي في أحيان كثيرة لا تأخذه به رحمة ولا شفقة. لماذا؟.. لأننا ابتعدنا عن جوهر تعاليم ومبادئ وقيم أدياننا.

الإيمان هو المفتاح لإطلاق قوانا الروحية والإنسانية النبيلة والسمو بأنفسنا، وهو الذي ينير بصيرتنا ويرشد مواقفنا.

ولهذا السبب، بعث الله الأنبياء والرسل، لكي يقوموا بهدايتنا، وإرشادنا إلى الطريق القويم. وتعاليم الأنبياء والرسل وما يبشروننا به من مبادئ وقيم وأخلاقيات هي التي من شأنها أن تجعل الإنسان خليفة لله وسيد الخلق فعلا كما أراده الله.

وقبل ألفي عام، عندما كانت روما تحكم العالم، ظهر المسيح عيسى بن مريم ليتحدى بجرأة وشجاعة آثام الرومان وخطاياهم. لم يكن لديه جيش جرار يواجه به القوة العسكرية الرومانية الجبارة، لكنه امتلك ما هو أقوى من هذا.. امتلك قلبا مليئا بالحب لكل البشر، بمن في ذلك الرومان أنفسهم.

لقد أثبتت قوة الحب هذه أنها أقوى بكثير من سيف الرومان. بكلماته، مسح دموع الفقراء والمحتاجين، وحوَّل الخوف إلى إيمان. وكان هذا الإيمان هو الذي غيَّر مصير البشر، وهو الدواء الذي يعالج أمراض المجتمع.

الإيمان الحقيقي هو الذي يسمو بنا نحن البشر فوق كل مشاعر الأنانية والغرور والمكابرة.

حين قال المسيح: «على الأرض السلام، وفي الناس المسرة»، لم يكن لمقولته من تفسير سوى أن الإنسان يجب أن يحب أخاه الإنسان.

فقط حين نلتزم بهذه التعاليم والمبادئ السامية، يمكننا أن نعتبر أنفسنا بشرا.

وبهذه المناسبة، مناسبة مولد المسيح عليه السلام، أتمنى لكل أخواتي وإخوتي المسيحيين عيد ميلاد سعيدا، وأتمنى لكل البشرية عاما جديدا سعيدا.

إقرأ أيضا لـ"أنـــور عبدالرحمــــــن"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news