العدد : ١٤٥٤٩ - الاثنين ٢٢ يناير ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ جمادى الاول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٥٤٩ - الاثنين ٢٢ يناير ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ جمادى الاول ١٤٣٩هـ

في الصميم

لــطفـــــــي نصــــــــــر

نقطة زائدة فوق كلمة واحدة كادت تقلب الدنيا!!

في مقال سابق نشرته مؤخرا أشرت فيه إلى الحوارات شبه المستمرة التي تدور بيني وبين الأستاذ أنور عبدالرحمن رئيس التحرير.. حيث إن ما عند الأستاذ أنور دائما لا يخرج عن أنه: «مادام ليس هناك عقاب صارم يشعر المخطئ بألمه فلا فائدة، لأن الخطأ هنا سيتكرر ويتوسع ويتفشى»، ثم يستطرد الأستاذ أنور قائلا: إذا لم يحس المحرر أو الموظف الفني بوجع الخَصم من الراتب أو الفصل عندما يكون الخطأ فادحا فلا نلوم إلا أنفسنا.. والأستاذ أنور يقصد بالضرورة هذه الأخطاء التي تسيء إلى الجريدة وتشوه سمعتها، وقد تؤذي أطرافا أخرى عديدة في المجتمع.

وقلت: بينما أنا على الطرف الآخر أميل في الأعم الأغلب إلى تلطيف العلاقة بين الإدارة وجهاز التحرير.. ولا أميل إلى أن يكون العقاب من صنف الخَصم الموجع من الراتب أو الفصل من الخدمة.. لأن ذلك يربك المُجازى أو المعاقب وحده بل قد يطول أسرته، وخاصة في هذه الظروف التي تشهد فيها تكاليف الحياة ارتفاعا ظالما هو الأشد وجعا.

المهم هو أن الأستاذ أنور ينهي حواره بالقول: إن الفرق بين صحيفة وأخرى هو في درجة أو نسبة وقوع أو تكرار هذه الأخطاء المسيئة.

وسيادته يسمح لي بأن أكون هذا الطرف في الحوار معه دائما من باب ممارسة الديمقراطية والتمسك بأهدابها.. لكن موقفه لا يتغير قيد أنملة مع الإهمال والتقصير والأخطاء مهما كانت درجة الاستعطاف!!

قرأ المقال الكثيرون وعلقوا عليه.. ومن بين من قرأه الأستاذ زغلول عبدالمطلب المستشار الإعلامي بمكتب سمو رئيس الوزراء.. وهو صحفي وإعلامي عريق.. وينتمي إلى الجيل الصحفي نفسه الذي أنتمي إليه.. كما أنه من النوع الذي يتميز بواقعية الطرح.. وقوة الحجة.. واعتدال المنطق.. هذا فوق دماثة أخلاقه وحسن سيرته.. وقد عمل قبل مجيئه إلى البحرين في صحيفة الأهرام القاهرية سنوات طوال.. وتدرج في العديد من مناصبها.

المهم أنه فور أن قرأ مقالي دبّج ردًا سريعًا على ما طرحت منتصرا فيه ومؤيدا لرأي رئيس التحرير.. ثم نقل إلينا تجربة واقعية حدثت في مصر في عهد الرئيس أنور السادات.. وكادت أن تُهيج الرأي العام المصري بأكمله.. وتقلب الأوضاع رأسا على عقب ليس بسبب حرف واحد خطأ.. بل بمجرد نقطة واحدة زائدة فوق حرف واحد.. ثم أشار إلى أنه مع الأستاذ أنور في ألا تأخذنا رحمة ولا شفقة إزاء كل من يخطئ أو يهمل في بلاط صاحبة الجلالة.. ومن لا يقبل بذلك فليسارع في البحث لنفسه عن عمل آخر.. في مجال آخر!!

وفيما يلي نص رسالة الزميل والصديق العزيز الأستاذ زغلول عبدالمطلب: 

عزيزي الأستاذ لطفي نصر المحترم..

تحية تقدير واعتزاز وبعد،

فلقد طالعت باهتمام مقالك المميز «في الصميم» بجريدة أخبار الخليج الغراء تحت عنوان: «عندي فكرة» بتاريخ 11/12/2017.

وبخصوص الحوار الدائر بينكم والأستاذ أنور عبدالرحمن رئيس التحرير، فاسمح لي أن أؤيد بشدة وجهة نظره.

ذلك أن خطأ واحدًا في كلمة وربما في حرف يمكن أن يودي بالمسؤول وبالجريدة في داهية!!

وسأروي لك تجربة شخصية قصيرة كلما تذكرتها ارتعدت فرائصي لو أنها مرت لآخر المطاف.

في الليلة التي ألقى فيها الرئيس الراحل أنور السادات خطابه الشهير الذي ذكر فيه أنه «رب العائلة المصرية»، وقد ذكرها نحوا من سبعين مرة في هذا الخطاب، كنت أنا المسؤول في الدسك المركزي بجريدة الأهرام، والاستاذ مكرم محمد أحمد مديرا للتحرير. عندما عُرضت عليّ صفحة البروفة التي تتضمن نص خطاب السادات، وكدت أوقع عليها بالموافقة لولا عناية من المولى عز وجل وليس براعة مني فوجئت بأن «الراء» في عبارة رب العائلة كلها مكتوبة «زين».

صرخت بوجه موظفي وعمال الجمع والطباعة وجاء إليّ الأستاذ مكرم مهرولاً من مكتبه وجرى بنفسه إلى المطبعة لوقف المهزلة.

وقد جرى تحقيق داخلي (داخل الجريدة) في المسألة، ولكن لأن مكرم انسان متعاطف مع عمال الطباعة وغيرهم فقد أنهى التحقيق على أن ماكينة الطبع أو الجمع هذه كانت تطبع «الراء» «زين».

زغلول عبدالمطلب

وللتذكير فقط، فإنني قد كتبت ما كتبت وحظي بتعليق الأستاذ زغلول عبدالمطلب في مقدمة مقال طويل أردت من خلاله أن أسوق حقيقة مُرَّة مقتضاها: أن هذه الأخطاء الفادحة والمؤسفة التي تُرتَكب بحق المال العام في الدولة.. ويسوقها إلينا على مدى 14 عاما متواصلة مكررة وغير منقوصة بل متزايدة في تقرير الرقابة المالية السنوي، ستظل تتكرر مضاعفة وبلا نهاية ما دام لم يُعاقب مسيء إلى المال العام في أجهزة الدولة.. وما دام لم يُفصل مهملٌ واحدٌ أو «هباش» أو «نتاش» واحدٌ حتى هذه اللحظة!

معنى ذلك، أنني كنت في قرارة نفسي أعبر عن إيماني بمنهج الأستاذ أنور عبدالرحمن، القاضي بأنه إذا غاب العقاب فلا فائدة.. فسوف يظل المخطئ يخطئ، وقد يستفحل خطأه إلى درجة لا تحمد عقباها.. ولكنها ظروف العمال والموظفين وحدها التي تجعلهم يئنون في مواجهة ثقل أعباء الحياة وتكاليف المعيشة وهي التي تجعلني أواجه رئيس التحرير بما يخالف منطقه ومنهجه وبما يؤمن هو به بما لا أؤمن أنا به في قرارة نفسي بسبب وطأة ظروف المعيشة.. وكراهيتي المطلقة لعقوبتي الخصم والفصل من الخدمة وقطع الأرزاق التي تطاول قطع الأعناق!

هذا من ناحية.. أما من الناحية الأخرى.. فقد جعل الله الحافز نوعين: عقاب وثواب.. وأنه لا بد أن يتم تطبيقهما معًا وفي الوقت نفسه.. فإن غاب أحدهما انهار الاثنان معا.. ووقع الظلم.. وارتبك دولاب العمل واهتز من أعماقه.. وإذا تم تطبيقهما معًا انتظم دولاب العمل ونجح.. واستقامت الحياة وتحققت كل الأهداف والمرامي.. فليس معقولا أبدا توقيع العقاب وحده.. أو الثواب والحوافز والمكافآت وحدها.. لأنه مع أي من هاتين الحالتين -بعيدا عن بعضهما بعضا- تفسد الحياة.

إقرأ أيضا لـ"لــطفـــــــي نصــــــــــر"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news