العدد : ١٤٤٨٧ - الثلاثاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٨٧ - الثلاثاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

صناديق الثروة السيادية الخليجية.. والتنمية المستدامة

مركز الخليج للدراسات الاستراتجية

الأربعاء ١٥ نوفمبر ٢٠١٧ - 01:30

صندوق الثروة السيادية، هو صندوق تملكه الدولة، ويتكون من أصول مثل الأراضي والعقارات والمتاجر والمصانع ومحطات الطاقة والأوراق المالية، وغيرها من الأدوات الاستثمارية، وتكونه الدولة من فوائضها بغرض الاستثمار. 

وإذا كانت هذه الصناديق تتوافر حاليًا لدى العديد من دول العالم، فهي ليست بالظاهرة الحديثة لدى دول الخليج، فقد اتجهت المملكة العربية السعودية إلى إنشاء صندوقها عام 1952. وتلتها الكويت في 1953؛ مستهدفة توفير عوائد بديلة، تضاهي أو تزيد على ما تحصده من عوائد نفطية، وأمكنها ذلك إبان الغزو العراقي، وما ألحقه من دمار لآبار النفط الكويتية، أما الإمارات فكانت باكورة صناديقها عام 1976 وتلتها قطر في 2005 ثم البحرين وعمان في 2006.

وتشمل صناديق الثروة السيادية في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، في الوقت الحالي، بالنسبة إلى الإمارات: «هيئة استثمار دبي – مجلس استثمار أبوظبي – هيئة الاستثمار الإماراتية – إدارة استثمار الشارقة – شركة استثمار دبي – شركة مبادلة للاستثمار – هيئة راك للاستثمار»، وفي المملكة العربية السعودية: «صندوق الاستثمار العام – شركة سما القابضة»، وبالنسبة إلى قطر: «هيئة الاستثمار القطرية»، والكويت: «هيئة الاستثمار الكويتية»، وسلطنة عمان: «صندوق عمان السيادي – صندوق احتياطي الدولة العام»، أما مملكة البحرين: «شركة ممتلكات القابضة». وتسهم صناديق الثروة السيادية الخليجية بـ40% من إجمالي قيمة صناديق الثروة السيادية حول العالم.

وفقا للتقرير الصادر عن المعهد الدولي لصناديق الثروة السيادية «SWF Institute» لعام 2016. جاءت أربع دول خليجية في مقدمة أكبر 20 صندوقا للثروات السيادية؛ وهى الإمارات العربية المتحدة والكويت والمملكة العربية السعودية وقطر؛ حيث احتل جهاز أبوظبي للاستثمار الترتيب الثالث عالميًا بامتلاكه أصولا تُقدر بنحو 792 مليار دولار، وتبعه في الترتيب الرابع، الهيئة العامة للاستثمار في الكويت بأصول تُقدر بنحو 592 مليار دولار، وأعقبه في الترتيب الخامس، مؤسسة النقد العربي السعودي «ساما» بتملكه أصولا بلغت نحو 576.3 مليار دولار، وجاءت هيئة قطر للاستثمار في الترتيب التاسع بامتلاكها أصولا تجاوزت 335 مليار دولار. 

فيما استحوذت النرويج على الترتيب الأول عالميًا، بإجمالي أصول قُدرت بنحو 885 مليار دولار، وجاء في الترتيب الثاني الصين بأصول بلغت حجمها نحو 813.8 مليار دولار.

أما تقرير المعهد الصادر في يوليو 2017. فقد بلغت فيه قيمة موجودات صناديق الثروة السيادية العربية 2094 تريليون دولار، من إجمالي أصول صناديق الثروة السيادية العالمية، البالغة 7.403 تريليونات دولار، وقد تصدرت الإمارات العربية المتحدة المرتبة الأولى عربيا والثانية عالميا بإجمالي أصول بلغت 828 مليار دولار، أما الكويت فاحتلت المرتبة الثانية عربيا والرابعة عالميا، بإجمالي أصول بلغت 524 مليار دولار، واحتلت السعودية المرتبة الثالثة عربيا، والخامسة عالميا، بإجمالي أصول بلغت 514 مليار دولار، وجاءت قطر في المرتبة التاسعة عالميًا، بقيمة 320 مليار دولار، فيما حازت سلطنة عمان على المرتبة 20 عالميًا، بقيمة 24 مليار دولار، ومملكة البحرين في المرتبة 24 عالميًا بقيمة 10.6 مليارات دولار. فيما احتلت النرويج المرتبة الأولى عالميا بقيمة 922.11 مليار دولار.

وقد وفرت هذه الثروة السيادية الضخمة لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، درجة ملاءة متميزة مكنتها من سهولة الوصول إلى مصادر متعددة للتمويل بشروط تنافسية، كما تمتعت كذلك بنظرة مستقبلية مستقرة لدى مؤسسات التقييم الائتماني الدولية، كمؤسسة استاندرد آند بورز وفتش ومودز، وهو ما يعني عدم توقع حصول ضائقة مالية لهذه الدول خلال فترة زمنية طويلة، الأمر الذي مكن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية من الاستمرار في مشروعاتها للتنمية المستدامة اعتمادًا على التمويل من السوق الدولي.

وإذ تبنت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية استراتيجيات تعزز التنمية المستدامة حتى 2030 تتطلع فيها إلى تعظيم اقتصاداتها وتحقيق رفاهة مواطنيها من دون الاعتماد المفرط على صادرات النفط الخام، وتركز فيها على أولويات الاستثمار في الداخل، وخاصة في قطاعات الصناعة والخدمات والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية الأساسية الداعمة للنمو.

 هذا فضلا عن أن هذه الصناديق لدول المجلس، قد أتاحت درجة عالية من المرونة في التعامل مع أزمة انخفاض أسعار النفط، حين أخذت أسعاره في الهبوط من منتصف 2014. والسنوات التالية، ومن ثم وقوع العجز في موازناتها العامة التي تعتمد أساسًا على الإيرادات النفطية، فكفلت عائدات استثمار هذه الصناديق من ناحية موارد معوضة عن هذا الانخفاض، كما كفلت من ناحية أخرى تيسيرات وضمانات تمكنها من الاقتراض من السوق الدولية، حين يكون هذا الاقتراض أكثر جدوى من تسييل أحد الأصول المملوكة لهذه الصناديق؛ ولهذا نجد الإمارات تقترض من السوق الدولي نحو 220 مليار دولار، والسعودية نحو 200 مليار دولار، وقطر نحو 159 مليار دولار، والكويت نحو 48 مليار دولار، وعمان نحو 21 مليار دولار، ومملكة البحرين مثلها.

كما خلقت هذه الصناديق لدولها حالة من الاطمئنان الاقتصادي، مع تنوع مجالات استثماراتها، ومع تنوع الدول التي تستثمر فيها، ومن ثم كفلت لها توزيع المخاطر، فاستثمارات هذه الصناديق في الصين واليابان والهند ولدى دول النمور الآسيوية والاقتصادات الآسيوية الصاعدة كالاقتصاد التركي والماليزي والفيتنامي واقتصادات أمريكا الجنوبية، مكنتها من موازنة الخسائر التي تعرضت لها هذه الاستثمارات في الولايات المتحدة الأمريكية، وبعض الدول الأوروبية التي تأثرت بالأزمة المالية العالمية 2008. كما أن استثماراتها في الأردن والمغرب مكنتها من موازنة الخسائر التي تعرضت لها هذه الاستثمارات في سوريا.

هذا بجانب، النفوذ الذي أكسبته هذه الصناديق للدول المالكة لها، لدى الشركات والمؤسسات الدولية التي تملك حصصًا نافذة فيها، تستطيع بها أن تؤثر على قراراتها، فإن هذه الصناديق قد أكسبت دولها ميزة التنافس لديها لجذب استثماراتها في الدول المختلفة، الأمر الذي تتسابق عليه دول العالم كافة، وهذه الميزة تنتقل من المجالات الاقتصادية والمالية، حيث يمكن لهذه الدول أن تتمتع بشروط قد لا تعطى لدول أخرى، سواء في الدفع أو النقل أو التجهيز أو الضمانات- إلى المجال السياسي في سرعة المبادرة لمساندتها في حل بعض الإشكاليات التي قد تصادفها، كتسابق العديد من دول العالم، بما فيها الدول الكبرى للمساهمة في حل إشكالية العلاقات القطرية الخليجية، وكتسابق هذه الدول في مد يد العون لمساندة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في حربها ضد الإرهاب.

وحيث أصبحت قيمة هذه الصناديق هي المساهم الأكبر في توفير السيولة دوليا، كما كان لها دورها المشهود في تحقيق تعافي العالم من الأزمة المالية، سواء عن طريق مساهمتها في ترتيبات صندوق النقد الدولي أو المبالغ التي قدمتها مباشرة لمساعدة بعض المؤسسات المالية الغربية للتكيف مع تداعيات أزمة الرهن العقاري التي أصابت الاقتصاد العالمي في 2008 -فإن الأمر الأكثر أهمية من منظور التنمية المستدامة في التوظيف الدولي لمكانة صناديق الثروة السيادية الخليجية في استجلاب وتوطين التكنولوجيا المتقدمة، حيث أصبحت المعرفة هي مفتاح التقدم، وأصبح للدول الخليجية من الإمكانات البشرية ما يؤهلها لأن تحصد هذه الميزة. 

ونذكر أن قصص النجاح التي تحققت في اليابان والصين والهند ودول النمور الآسيوية، والتي تتحقق حاليًا في ماليزيا وفيتنام وتركيا وغيرها من الاقتصادات الصاعدة في أمريكا الجنوبية، إنما كانت نتيجة لاستيعاب التكنولوجيا الحديثة وتوطينها وتطويرها، وأن الفجوة الحقيقية القائمة بين دول الشرق الأوسط ومنها دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، والبلدان المتقدمة من المنظور التنموي تقع أساسًا في هذا المجال.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news