العدد : ١٤٤٨٦ - الاثنين ٢٠ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٨٦ - الاثنين ٢٠ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

الثقافي

في تجربة درست البيئة الأدبية وتجاوزت حدود النقل الحرفي
القصة البحرينية تحظى بنصيب من الترجمة للدكتور حسن مرحمة

{ الدكتور حسن مرحمة.

السبت ١١ نوفمبر ٢٠١٧ - 01:20

متابعة: المحرر الثقافي

كانت هي البداية في مشواره لترجمة مجموعة من القصص البحرينية لعدد من كتّاب القصة القصيرة الأوائل والرواد والمعاصرين وتقديمها في منجز أدبي باسم «أصوات بحرينية 2 في القصة القصيرة»، الذي يأتي بعد تجربته الأولى في ترجمة مجموعة من القصائد الشعرية المعاصرة قبل سنوات عديدة، ويشير الدكتور حسن مرحمة إلى أن بدايته مع تجربته في ترجمة القصة البحرينة كانت صعبة بحسب وصفه على مستوى الحصول على مواد الترجمة وكيفية اختيار القصص والمعايير التي يبني عليها اختياره للقصص، إضافة إلى كرونولوجية القصص والفترة الزمنية وتنوع الفكرة وحجم البناء القصصي من أجل الحصول على خلاصة تغطي تطور القصة البحرينية منذ بداية هذا القرن وتكون في المستوى الذي يبحث عنه المتلقي في بريطانيا، إيرلندا، أستراليا، أمريكا، الهند وفي بقية دول أوروبا والعالم.

وجاء ذلك خلال الأمسية التي نظمها ملتقى القصة القصيرة بأسرة الأدباء والكتاب ضمن برنامجه المنوع، الرامي إلى تسليط الضوء حول جميع الجوانب الخاصة بالقصة البحرينية والبحث في نصيبها من الترجمة، وبين الأستاذ المساعد للغة الإنجليزية بجامعة البحرين سابقا خلال حديثه أن كتاب القصة القصيرة في الخليج العربي 1981 للدكتور إبراهيم غلوم يحدد تاريخ نشأة القصة القصيرة في المنطقة إلى ما بعد اكتشاف البترول وبالتحديد إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، وتزامن مع اكتشاف البترول ظهور الطبقة المتوسطة التي لعبت دورا بارزا في الساحة الأدبية، مضيفا أن الكل يعلم أن منشأ القصة بشكل عام وفي الأساس شفوي أو شفهي (أورال).

ويتساءل المترجم الدكتور حسن مرحمة، «ولكن ما علاقة هذا الموضوع بالقصة البحرينية»، ويتابع «الناقد الإنجليزي تري ايجلتون في كتابه وظيفة النقد (1984) يذكر كيف أن الطبقة البرجوازية في أوروبا عملت جاهدة على أن توفر لنفسها فضاء متنقلا خارج نطاق السلطة وسمي هذا الفضاء أو المساحة بـ(ببليك سبيس) الفضاء العام أو العمومي، ويقصد بها الأندية والمقاهي ودور النشر التي يجتمع فيها أفراد الطبقة البرجوازية والمتوسطة لتبادل الآراء بعيدين عن ضجيج السياسة والسلطة، والملاحظ في الأمر أن هناك ثمة ارتباطا بين ما يشير اليه ايجلتون بالفضاء العام وبين مظهر من المظاهر التجمع والتسلية الجماعية في المجتمع الخليجي البحريني.

ويضيف حول أصل وبداية القصة قائلا: ومما لا شك فيه أن ظهور المقاهي والأندية الشعبية والجلسات العامة بأشكالها في منطقة الخليج وخاصة البحرين التي كانت الطبقة المتوسطة ترتادها عادة اسهم في بناء الركيزة الرئيسة في نشوء القصة القصيرة عن طريق تبادل الآراء في المسائل الأدبية أو الاستماع إلى الحكايات الشعبية أو القصص المحلية والعربية، إضافة إلى دور المجلات في البحرين مثل صوت البحرين وصدى الأسبوع التي كانت تنشر أنباء الأدب من الدول العربية.

ومن أجل أن تكتمل الصورة وتحظى القصة البحرينية بنصيب لها في فن الترجمة يؤكد الدكتور حسن مرحمة أهمية دراسة البيئة الأدبية القصصية أولا وبدقة متناهية انطلاقا من هذه النقاط قبل البدء في ترجمة القصص، وهذه الخطوة ساعدت المترجم على التعرف على نفسية الكاتب البحريني وميوله واتجاهاته الأدبية وتأثير الكتاب العرب على أفكارهم ونهجهم الأدبي، وخاصة كتاب القصة المصريين، إضافة إلى المدارس الواقعية والرومانسية التي تأثر بها الكتاب البحرينيون والدور البارز للكتابات ذات الصبغة الأخلاقية، التي كانت تنادي بالعدالة والمساواة وتطبيق القيم الأخلاقية في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي.

علاقات وثيقة بين اللغة والثقافة

وللوصول بالمنجز الأدبي الخاص بالترجمة ومنه ما حظيت به القصة البحرينية في التجربة التي نحن بصددها اليوم يشدد الدكتور حسن مرحمة على أن عملية الترجمة يجب أن تتطلب عاملين آخرين، الأول هو الآلية التي بموجبها تعمل الترجمة، وبمعنى آخر هل القصد من العملية هو ترجمة حرفية أم نقل لغوي من نص إلى نص آخر أو الهدف هو نقل كل ملامح الأدب أو الثقافة التي يمثلها النص، والعامل الثاني هو استجابة القارئ لهذه النصوص المترجمة، وانطلق مرحمة عبر تطبيق آلية شاملة في عملية الترجمة تحاشى فيها بقدر الإمكان النقل الحرفي من النص الأصلي إلى النص الاخر لتتجاوز حدود النقل المباشر.

ويضيف في هذا الجانب قائلا: اليوم نحن ندّرس الترجمة ليست على أنها عملية تحويل لغة إلى لغة ثانية، بل في الواقع هي ممارسة ثقافية وعلينا نسيان المقولة التي تدعي بأن الترجمة هي مجرد تحويل حرفي منظم ودقيق للنص الأصلي، نحن نعلم اليوم أن هناك علاقات وثيقة موجودة بين اللغة والثقافة وكذلك ارتباط ديناميكي بين النصين الأصلي والمترجم، كما أن هناك قوانين تحدد وتقيد النص الأصلي وقوانين تحدد صلاحية النص المترجم. إن الترجمة هي عملية تحول منظم وتحول قابل للتغيير والتنوع والمصطلح الذي يستخدم في هذه الحالة والتي هي مأخوذة من النقد ما بعد البنيوي، هو استطرادي وطبقا لهذا التعريف يصنف الفيلسوف الفرنسي ميشل فوكو الترجمة كخطاب يتم تداوله وتوزيعه طبقا للإجراءات والضوابط والشروط، وأهم هذه الضوابط هو تفادي بقدر الإمكان الاإنفرادية في انتقاء معنى محدد للنص المترجم.

وقدم الدكتور حسن مرحمة نظرة شاملة على القصص التي حصل عليها من مصادر مختلفة ونالت نصيبها من الترجمة، وعددها 25 قصة قسمها كرونولوجيا زمنيا إلى فترات ابتدأت من الخمسينيات حتى الوقت الحاضر بحسب اتجاهاتها الأدبية، المجموعة الأولى وهي «حائرة» لمحمود يوسف و«جناية أب» لأحمد سلمان كمال و«السيد» لعلي سيار، هذه القصص الثلاث تعالج مشكلات اجتماعية في المجتمع البحريني والآثار السلبية للطلاق وتعدد الزوجات ومصير الأبناء بما فيها من طابع وعظي للقصتين الأولى والثانية.

ويواصل تفصيله للقصص قائلا: ونجد أن هذه القصص تتميز ببناء صلب ورفيع المستوى بالمعنى الحديث، من المعروف أن من المعضلات التي تواجه مترجم القصة القصيرة هي نقل أوجه السرد من النص الأصلي إلى النص الثاني، وعادة ما يكون نمط السرد في القصص الأخلاقية من وجهة السارد العالم وهو صوت الكاتب وهو سرد غير محايد، «حائرة» تبدأ في صيغة الضمير المتكلم أنا وهو ليس صوت الكاتب بل إحدى الشخصيات، ومن ثم ينبع من السرد العام سرد آخر والذي يشكل البنية الروائية للقصة، وقصة «جناية أب» و«السيد» أيضا تتبنيان نمط الضمير المتكلم أنا من البداية حتى النهاية، ولكن ما يضيف إلى التعقيدات في ترجمة هذه النصوص بجانب أوجه السرد هو استخدام عنصر عديم التصديق خاصة في القصة الأولى ولثانية.

أما المجموعة الثانية من القصص التي كتبت بعد الستينيات فإنها تمثل قمة نضج القصة القصيرة البحرينية المعاصرة من فن السرد الروائي والأسلوب والفكرة العامة واستخدام العناصر الروائية وهي تتنوع بين الواقعية والرومانسية بفروعها كالمغامرة والحب والتمرد، وهذه المجموعة تبدأ بقصة محمد عبدالملك «موت صاحب العربة» والتي إلى حد ما تتجاوز الواقعية لتصل إلى حدود الطبيعية، ومحمد عبدالملك هو رائد المدرسة الواقعية في البحرين وتأثيره على بقية الكتاب البحرينيين واضح وجلي، ومن ثم قصة أحمد الحجيري «جثة ليست للدفن» ثم قصة «الحصار» لعبدالقادر عقيل ثم «امرأة في الذاكرة» لعائشة عبدالله غلوم ثم خالد لوري «تلك الرحلة الشاقة» ومن ثم أحمد المؤذن «رجل للبيع» ومهدي عبدالله «حيرة» وعبدالعزيز الموسوي «أم الديفان» وسعاد الخليفة «صعود القمر» ومعصومة المطاوعة «الرمل الأبيض» وأروى السيد «رأيت الشمس في عينيك وهي تحتضر»، ومها المسجن «النافذة» وحسن بو حسن «دوكة».

ويضيف «جميع هذه القصص مع اختلاف الفكرة الرئيسة وأوجه السرد والبنية الروائية والنبرات والأمزجة اتبعت نهجا ومسارا مألوفا وشيقا مما جعلت عملية الترجمة إلى حد ما من دون عقبات وممتعة في نفس الوقت، فهناك مواقف ومشاهد فكاهية في قصة أحمد الحجيري «جثة ليست للدفن» وحسن بو حسن «دوكة» وحزينة في قصة أحمد المؤذن «رجل للبيع» و«امرأة في الذاكرة» لعائشة عبدالله غلوم ومثيرة مثل قصة «الحصار» لعبدالقادر عقيل والرومانسية ذات النبرة البريئة في «صعود القمر» لسعاد الخليفة و«رأيت الشمس في عينيك وهي تحتضر لأروى السيد وغيرها».

وفي المجموعة الثالثة قال: المجموعة الثالثة من القصص المسار المعاكس للواقعية والرومانسية وتشمل قصة «لمن يغني القمر» لمحمد الماجد «لحن الشتاء» لعبدالله خليفة «للصوت... لهشاشة الصدى» لمنيرة الفاضل و«الحلم وجوه أخرى» لخلف أحمد خلف و«ثرثرة في شارع (بليس) لنعيم عاشور و«الغرفة الزجاجية» لجمال الخياط. ومع تغير المسار الروائي يتغير تطبيق عملية الترجمة طبقا لبنية القصة وبسبب اندفاع وانفلات اللاوعي في رسم كلمات النص هناك احتمال كبير أن يفقد المترجم الخيط الأساسي في القصة، هنا تكون أوجه السرد غير محددة والأصوات تندفع من كل جانب والحوار يجري من دون أن نعلم من المتكلم ومن الراوي وهذا النمط من السرد الذي يسمى الدرامية أو الموضوعية يواكب فكرة الغثيان والإحباط واللامبالاة واللاوعي، التي تجري في عروق شخصيات هذه القصص.

ويختتم الدكتور حسن مرحمة حديثه قائلا: إذن هذه هي المجموعة الكاملة للقصص التي حصلت عليها عن طريق الأصدقاء أو الكتّاب أنفسهم أو المكتبة العامة أو الإنترنت، وتم تصنيفهم وترجمتهم على حسب فهمي لهذه القصص وأنا لا أدعي أبدا أن الترجمة كانت مطابقة للنص الأصلي حرفيا ولا أدعي أن تصنيفي لهؤلاء الكتّاب هو المطلق، في الحقيقة ما حاولت أن أفعله هنا هو أن أنقل إلى القارئ الناطق بالإنجليزية صورا من القصة البحرينية المعاصرة بملامحها الثقافية والاجتماعية والسيمائية، كما كانت محاولة لإلقاء الضوء على بعض النقاط فيما يتعلق بترجمة القصة البحرينية القصيرة إلى الإنجليزية وأهمها أن القصة البحرينية وصلت مرحلة الاستحقاق والتقدير ومن الضروري ان يتذوقها القارئ الأجنبي، وخاصة الناطقين بالإنجليزية، وثانيا اننا اليوم نعيش في عصر التكنولوجيا الشاملة وأن الترجمة أصبحت مقيدة آليا. لذا، فإن عملية الترجمة اليوم تتجاوز التعريف التقليدي، وخاصة ترجمة النصوص الأدبية، التي هي بحاجة إلى جهد كبير لنقل ما يتمتع به النص الأدبي من خصائص ثقافية واجتماعية وسياسية. وأخيرا أشرت ولو بشكل موجز إلى أن القارئ الإنجليزي مر بمراحل سيكولوجية نفسية حادة نتيجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وأن ميوله الأدبية التي كانت في السابق تتصف بالمتميزة أصبحت عادية وأصبح هو قارئا عاديا. لقد كانت رحلتي مع القصة البحرينية القصيرة شاقة ولكنها شيقة ـ أجهدتني ولكنها نورتني.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news