العدد : ١٤٤٨٦ - الاثنين ٢٠ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٨٦ - الاثنين ٢٠ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

الثقافي

ســـرديــــات: «تـمـثـيـلات الـتـربـيـة الأخـلاقـيـة في الثقافة الشعبية الخليجية.. ثقافة الصحراء أنموذجًا»

لقطة من احتفالات العيد الوطني في الإمارات. «صورة أرشيفية»

بقلم: د. ضياء عبدالله خميس الكعبيّ *

السبت ١١ نوفمبر ٢٠١٧ - 01:20

 تبنت دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة قبل حوالي عام منهجًا للتربية الأخلاقية في مدارسها. وفي المؤتمر الخليجي الخامس للتاريخ والتراث الشفهي الذي انعقد قبل حوالي أسبوعين في أبوظبي قدَّم المؤتمر توصية لاقتراح مقرر خليجي موحد للتربية الأخلاقية يُدرّس في المدارس والجامعات الخليجية. وقد قدّمتُ ورقة في هذا المؤتمر تقترح النظر إلى توظيف ثقافة الصحراء وتمثيلاتها الإيجابية في المقرر المقترح الخليجي للتربية الأخلاقية؛ إذ تُعد الثقافة الشعبية الخليجية ركيزة أساسية في التكوين الثقافي والحضاري للإنسان الخليجي تتمثل في علائقه بكل ما يحيط به وبرؤيته الكونية للأشياء من حوله. والثقافة الشعبية الخليجية يجمعها كثير من المؤتلفات المتشابهة مع بعض الخصوصيات الثقافية باختلاف البيئات. وترتكز الثقافة الشعبية الخليجية على ركائز أخلاقية مستندة إلى قيم الدين الإسلامي وقيم المروءة العربية الأصيلة.

تتجلى ثقافة الصحراء في الثقافة الشعبية الخليجية على تنوعاتها المختلفة من سير الفروسية والحكايات الشعبية والشعر النبطي والأمثال وغيرها. وهي الأشكال التعبيرية المستمدة من ثقافة الصحراء التي سادت ولاتزال الجزيرة العربية ومناطق من الخليج العربي وخاصة في عصرنا الحاضر الذي اختلف فيه مفهوم الثقافة الكلاسيكي وبتنا أمام ثقافات جديدة افتراضية خرقت الأطر النمطية الثقافية المتعارف عليها.

ليس المقصود بهذه المقاربة البحثية إغفال المكونات الثقافية الأخرى للمجتمع الخليجي أو إقصاءها ولا إحياء النعرات القبلية القائمة على التعصب؛ وإنَّما هدف المقاربة بيان المكونات الإيجابية الفاعلة لثقافة الصحراء في تأسيس منظومة المروءة العربية الأصيلة والنظر إلى «لقبيلة» بوصفها معطى ثقافيًا مؤسِّسًا لثقافة الإنسان الخليجي عبر العصور.

التأسيس الأول: في المصطلح «ثقافة الصحراء»:

 يعد مصطلح «ثقافة الصحراء» و«أدب الصحراء» من المصطلحات النقدية التي تمَّ تداولها حديثًا في بعض المقاربات النقدية العربية، وذلك بفعل التأثّر بالمقاربات الأنثروبولوجية وببعض الدراسات الاستشراقية كما سأبين بعد قليل.

إنَّ أول ظهور لهذا المصطلح عربيًا كان مع كتاب سعد البازعي «ثقافة الصحراء، دراسات في أدب الجزيرة العربية المعاصر، 1991». يقول الناقد السعودي سعد البازعي في سياق تأطيره لهذا المصطلح الجديد نقديًا «إنَّ التحدي العام الذي أوردته في مقدمة الدراسة المشار إليها (ثقافة الصحراء)، (ملامح الهوية المحلية)، لا يشير إلى التداخل الشفوي- الكتابي في ظاهرة الحداثة المحلية والخليجية، لكنه يومئ إليها من حيث مفهوم (ثقافة الصحراء) فهو الإطار العام، أو أحد الأطر الرئيسية التي يمكننا من خلالها أن نقرأ الأدب في منطقة الجزيرة العربية كمعطى إنساني-بيئي، أو كتفاعل مع الظروف الجغرافية يتوازى مع التفاعلات الحياتية الأخرى في الملبس والمسكن والمأكل وما تتضمنه من قيم اجتماعية وتصورات للعالم. ولاشك أنَّ كون الأدب معطى بيئيا لا يلغي كونه معطى لغويًا جماليًا ترفده صلات خارجة عن بيئته. إنَّنا بتوظيف مثل ذلك المفهوم نكون في تصوري أقرب إلى منطقة الجذب الأقوى في تشكَّل ذلك الأدب واستمراره. ومن ملامح تلك المنطقة هيمنة الشفوية الثقافية ومحاولة الأدب الحديث -كتكوين كتابي في المقام الأول- أن يؤصِّل نفسه فيها. وثقافة الصحراء مثلما أنها نتيجة التفاعل مع الظروف الجغرافية، هي أيضًا ناتج التلاقح بين نمطي الشفوية والكتابية، ومنطقة التجلي الرئيسة لذلك الناتج هو الأدب الحديث، أو أدب الحداثة». 

 لم يقف البازعي طويلاً عند تأصيل مصطلح (ثقافة الصحراء)، كما أنه لم يؤصِّل لهذا المصطلح نقديًا في كتابه المشترك مع ميجان الرويلي (دليل الناقد الأدبي). وباستثناء كتابه (ثقافة الصحراء)، فإنه لم يعد مرة أخرى إلى هذا المصطلح في مقارباته التالية وانشغل بعدها بقضايا نقدية عالمية كبرى مثل الاختلاف الثقافي وغيرها. والبازعي يرجع الفضل في إطلاق هذا المصطلح النقدي المستحدث والجديد في المقاربات النقدية العربية إلى عبدالله نور إذ يقول: «ومادمتُ في سياق الحديث عن مفهوم (ثقافة الصحراء) فإني أود أن أضيف باعتزاز إلى أنَّ الفضل في وصول ذلك المفهوم إلى يعود إلى الأستاذ الناقد عبدالله نور الذي أكدأننا نحتاج في السعودية على وجه الخصوص إلى ثقافة الصحراء لأنها هي تراثنا الخصوصي الذي يجعلنا في دائرة الثقافة العربية العالمية». ثم يعلق سعد البازعي قائلاً «والواقع أنَّ هذا التأكيد يدخل ضمن إطار نقدي بدأ يتشكَّل في بلادنا منذ بواكير النهضة الأدبية الحديثة في منتصف الخمسينيات الهجرية حين صدر كتاب (وحي الصحراء)، وحين بيّن أدباء رواد مثل حسين سرحان - أن كل أديب لايستوحي أدبه من الطبيعة الماثلة أمامه في كل شيء فليس لأدبه قيمة ولاينبغي أن يلفت أنظارنا أو يستحق منا الاهتمام».

إنَّ مفهوم (ثقافة الصحراء) عند البازعي قائم أساسًا كما بيَّن على التلاقح في النتاج الأدبي بين الشفاهية والكتابية ولذلك كانت تطبيقاته النقدية على الأدب السعودي الحديث من الشعر الحديث ومجال القصة القصيرة. ونظرًا إلى كون كتابه في الأساس دراسات هي محاضرات وقراءات نقدية منبرية؛ فقد افتقر الكتاب إلى وجود هذا المصطلح الناظم (ثقافة الصحراء) من أجل تأطيرها نقديًا، وافتقد كذلك ذلك الإطار الفلسفي الناظم لأطروحته التي كان بالإمكان لو أصّلها نقديًا بعد أن كان أول من اجترحها أن يكون لمصطلحه (ثقافة الصحراء) الريادة النقدية التأصيلية الحقيقية والإضافة المنهجية في مثل هذا الاتجاه البحثي والنقدي البكر. وهكذا فإن (ثقافة الصحراء) لانجدها سوى في فقرات من المقدمة بوصفها مصطلحًا. 

 تناولت الباحثة المصرية ميرال الطحاوي (ثقافة الصحراء) في أطروحتها النقدية «محرمات قبلية، المقدَّس وتخيلاته في المجتمع الرعوي روائيًا»، 2008. مصطلح «روايات الصحراء» معترفة بكون هذا المصطلح فضفاضًا وغير محدَّد. وتُعرَّف الصحراء ثقافيًا بكونها «وعاء ثقافيًا خاصًا وعالمًا شديد الانحياز إلى عزلته، وتراثه وقيمه وأعرافه، فهي فعليًا تحكمها أعراف مقدسة مثل كل المجتمعات البدائية التي يشكَّل فيها العرف أو التابو قانونًا لمقدسات، وهو مجتمع يتكئ على الطقس الأسطوري في تفسيره للأحداث الكونية، وهو مجتمع مغلق يهاب المدنية، وعراكه الأساسي لاينبني على أساس طبقي، وإن كان له تقسيماته الطبقية الحادة»، وتحدَّثت الطحاوي عن رواية الصحراء العربية «إنَّ رواية الصحراء العربية مرتبطة بالعالم الرعوي القبلي العربي ومعبِّرة عنه».

أعد الأنثروبولوجي السعودي سعد الصويان الباحث الخليجي الذي اشتغل على مصطلح (ثقافة الصحراء) تأصيلاً وتطبيقًا وخاصة في كتابه «الصحراء العربية، ثقافتها وشعرها عبر العصور، قراءة أنثروبولوجية»، 2010. وقد دشَّن سعد العبدالله الصويان مشروعه الخاص بسرديات الصحراء منذ سنوات عدة، وهو مشروع ضخم جدير بالتّتبع والتلقي يتكون من مقاربات عدة تًساءلُ الثقافة الشعبية في منطقة الخليج والجزيرة العربية بدءًا من أطروحته الضخمة جدًا «الشعر النبطيّ ذائقة الشعب وسلطة النص»؛ وهو المشروع الذي عكف عليه لمدة تزيد على عشر سنوات بين جمع الوثائق والمخطوطات وطرح فيه فكرة جريئة جدًا تذهب إلى أنَّ الشعر النبطيّ الشائع والمنتشر في الجزيرة العربية إنَّما هو سليل الشعر الجاهليّ وقد تعرَّض لتحويرات في تحقيباتٍ زمنيةٍ متلاحقة جعلته أقرب إلى الثقافة الدارجة منه إلى الثقافة الفصيحة النخبوية. وقد استعان الصويان للتدليل على كلامه بعشرات المخطوطات التي دوَّنت شعرًا نبطيًا يعود عمره إلى خمسة قرون، وهذه المخطوطات استقاها الباحث من مراكز المخطوطات بالمملكة العربية السعودية إلى جانب مصنفات تاريخية لباحثين من أبناء المنطقة. لقد أراد الصويان أن يسوَّغ لمشروعية دراسة الشعر النبطيّ من خلال مقدمة نقدية ضافية استعرض فيها مقولات الرفض ثم نقض تلك المقولات كما تعرَّض للشعر النبطيّ في مسماه ونشأته وفي لغته وتدوينه مبينًا أقدم النماذج الشعرية العائدة إلى حقبة بني هلال ثم الحقبة الجبرية الأولى والثانية ثم الحقبة الغريرية الأولى والثانية. اشتغل الصويان على سرديات الصحراء في كتابين مهمين هما «الصحراء العربية، ثقافتها وشعرها عبر العصور، قراءة أنثروبولوجية» و«أدب أيام العرب الأواخر، أساطير ومرويات شفهية في التاريخ والأدب من شمال الجزيرة العربية مع شذرات مختارة من قبيلتي آل مرة وسبيع».

 في كتاب «الصحراء العربية، ثقافتها وشعرها عبر العصور، قراءة أنثروبولوجية» حاول سعد العبدالله الصويان تسليط الأضواء على الثقافات الشفاهية في الجزيرة العربية التي قلَّما حظيت بانتباه الباحثين إليها رغم ارتباطها الثقافيّ والاجتماعيّ بثقافتنا العربية وخاصة في الخليج والجزيرة العربية. ولذلك يركزُ الصويان على بيان تداخل الشفاهيّ والكتابيّ منذ الشعر الجاهليّ كما يركز على بيان العلاقة بين الشعر النبطيّ والشعر الجاهليّ وهي العلاقة التي أفرد لها كتابًا كاملاً أشرتُ إليه منذ قليل هو كتابه «الشعر النبطي، ذائقة الشعب وسلطة النص». ويفكّك الصويان ثقافة الصحراء منذ ثنائية البدو والحضر الكبرى عند ابن خَلدون إلى ثنائية الرموز وآيديولوجية النسب القبليّ والتكيّف مع معيشة الصحراء.

لاشكَّ أنَّ مشروع الأنثربولوجي السعودي سعد العبدالله الصويان من المشروعات النقدية الجاذبة التي تغري الباحث في الثقافة الشعبية بالتأني في القراءة والمقاربات؛ نظرًا إلى طرافة المادة الشعبية التي اشتغل عليها ونظرًا كذلك إلى ضخامة مشروعه النقدي الرصين من المادة العلمية والمقاربات المنهجية.

 ويُعد الصويان من أوائل الباحثين الخليجيين في مجال الثقافة الشعبية الذين التفتوا إلى (ثقافة الصحراء) وتدوين ما اسماه «أدب أيام العرب الأواخر»، ويقصد به الأدب الذي أنتجته الجزيرة العربية في القرون الأخيرة وهي حقب تاريخية غُيِّبت تاريخيًا ونقديًا. وأعرف بحكم اطلاعي على هذه الفترة أنَّ الدراسات النقدية المنهجية الرصينة عن هذا الأدب في حكم القليل النادر والدراسات الأخرى تقليدية بحتة صادرة عن عقلية تجميعية توثيقية في المقام الأول.

ومن المقاربات التي عنيت بتأصيل مفهوم كل من «القبيلة» و«القبائلية» في تحولات ما بعد الحداثة كتاب الناقد السعودي عبدالله الغذّامي”القبيلة والقبائلية أو هويات ما بعد الحداثة،(2009).. في هذه المقاربة جعل الغذَّامي «القبيلة» قيمة ثقافية واجتماعية مثلها مثل العائلة والمذهب والشعب، وجعل مصطلح «القبائلية» مصطلحًا نسقًيا عنصريا قائمًا على إحياء الهويات الأصولية شأنها في ذلك شأن الهويات الأصولية الأخرى في مرحلة ما بعد الحداثة وتحولاتها الثقافية الكبرى مثل الطائفية والشعوبية والعرقية والعنصرية.

 ومن المقاربات الأنثروبولوجية المهمة عن ثقافة الخليج العربي مقاربة الباحث الأنثربولوجي البحريني عبدالله عبدالرحمن يتيم «الخليج العربي، الثقافة والمجتمع، دراسات أنثروبولوجية»، 2016. وهي مقاربة أشار فيها إلى الدين والمجتمع في البادية وبين فيها راهن التحولات الثقافية في الخليج العربي.

ثانيًا - تمثيلات ثقافة الصحراء العربية في الثقافة الشعبية الخليجية: 

أفرزت صحراء الجزيرة العربية قيمها العربية المستندة أساسًا إلى منظومة المروءة العربية الأصيلة؛ وهي المنظومة التي جعلت الشاعر العربي الجاهلي ثم الشاعر العربي الإسلامي يتغنى بها في أشعاره مع ملاحظة كثرة ورود كلمة «المرء» الدالة على اكتمال صفات المروءة في سياق تلك الأشعار العربية القديمة.

إذا المرءُ لم يدنس من اللؤمِ عرضه      فكلّ رداءٍ يرتديه جميلُ

وإن هو لم يحملْ على النفسِ ضيمها     فليس إلى حسن الثناءِ سبيلُ

إذا المرءُ أعيته المروءةُ يافعًـــا      فمطلبها كهلاً عليه ثقيل

تعيرنا أنا قليــلٌ عديدنـــا           فقلت لها إنَّ الكرامَ قليلُ

وما قلَّ من كانت بقاياه مثلـــنا       شبابٌ تسامى للعلا وكهول

وما ضرنا أنا قليلٌ وجارنا عزيزٌ     وجار الأكثرين قليلُ

وإن سيدٌ منا مات قـــام سيدٌ     قؤولٌ لما قال الكرامُ فعولُ

في ثمانينيات القرن الماضي اجتذبت صحراء النفود في الجزيرة العربية رحّالة غربيًّا هو الدبلوماسيّ والسفير الهولنديّ السابق بول مارسيل كورب ورشوك الذي تماهى مع البداوة العربية الأصيلة إلى الحد الذي يعد فيه نفسه أحد أبناء قبيلة «شمر» وأطلق على نفسه اسم «مارسال الشمري». وبول مارسيل قضى سنواتٍ من عمره وهو يتعلّم الشعر العربيّ القديم وأتقن اللهجة البدوية ودرس الشعر النبطيّ وتتبع الأماكن التي ذكرها الشاعر الجاهليّ امرؤ القيس في معلقته الشهيرة، وانتهى به ذلك البحث إلى تتبّع دلالات الأشياء ومعانيها في ارتباط الإنسان بالعالم من حوله. وحسنًا فعلت قناة «العربيّة» عندما أعدّت فيلمًا وثائقيًا من أجزاء عن رحلة بول مارسيل الذي اسمته «الرحّالة الأخير» تضّمن رحلته في صحراء النفود كما عرضها في كتابه «البدوي الأخير».

تشتمل ثقافة الصحراء على قيم كونية كبرى في علاقة الإنسان بكونه، ورغم بساطة الحياة في الصحراء وبساطة حياة الإنسان البدوي وتقشفها إلا أن قيمه الصحراوية هي بالفعل قيم كونية.

 تناول عبدالله الغذَّامي القبيلة بوصفها نسقًا ثقافيًا يمثل ذاكرة الرموز التأسيسية الشفاهية التي يغلب عليها طابع الاختلاف ولكنها تمثل ذاكرة ضرورية لا بد من تأصيلها والحفاظ عليها. يقول الغذامي: «والقبيلة عائلة كبيرة تستند إلى سلالة متوارثة تمتد إلى جد واحد، وقد يكون الجد الخامس أو أكثر لكنه لا يكون أقل من ذلك، ويحمل الجد معنى خاصًا في ذاكرة أحفاده يتواطؤون عليه ويغلب على هذه الأنواع من المعاني أن تكون أسطورية وتقوم على خيال عريض، وتكون شفاهية وفي إطار المرويات المتوارثة، وبما انها شفاهية فإنه يغلب عليها الاختلاف وتقع في دائرة التنافس والمباهاة بين الأطراف لأنها عرضة للتداخل والتقاطع، ويحدث فيها شيء من المساس بالغير، إذ لايمكن مديح الذات إلا بانتصارها على الآخر، وهو عادة آخر مجاور ومعروف باسمه وتاريخه، ولذا تقوم قيامة الحروب الثقافية بين المتنافسين وتأسس على هذا ثقافة عريضة وتحدَّدت الانتماءات والمقامات بناء على غلبة مروية على أخرى، وهي حرب ثقافية أدبية ذات طابع ملحمي وقصصي وأسطوري لاتقوم مفاهيم القبيلة والعرق والهوية إلا به، ولو عزلناه لانتهى كل تصور عرقي أو قبائلي، ولكن من ذا الذي يمكنه التخلي عن ذاكرته منذ أيام العرب وشهنامة الفرس وملاحم اليونان وأفلام هوليوود عن رعاة البقر وحروب التأسيس، وكذا وثائق الحرب العالمية الأولى والثانية، أو مسرحيات شكسبير عن الملوك وتواريخهم.

 وفي حديثه عن ثقافة القبيلة ونمذجتها الثقافية بيّن الغذامي خصائص الصورة العامة للقبيلة ومنها «سمة الترحال، ومنها الشعر بصيغته الشفاهية، وهاتان علامتان ثقافيتان مهمتان لفهم ثقافة القبيلة ورسم صورة كلية عنها، ويصحب هاتين السمتين أمور أخرى مثل الكرم والشجاعة، وهما لايقومان مقام العلامة الثقافية، ولكنهما مما تنسبه القبيلة لنفسها وتفتخر به، ونحن نخص الترحال والشعر الشفاهي بكونهما علامتين لأنهما يكشفان عن طبيعة الثقافة وهويتها المميزة، فالشعر سيمدنا بصور نموذجية للمعنى القبائلي والبدوي بعامة، بينما الترحال يفسر طبيعة السلوك القبلي ونظام المعاش ويمس صيغ العلاقة مع المكان والجوار وسائر مكونات الحياة الصحراوي منها والمدني، وللترحال دور في صناعة الأخلاق والسلوكيات حتى ليصبح سمة قوية الوضوح، فالترحال قيمة جوهرية في معنى البداوة، ولا بداوة من دون ترحال».

-تمثيلات ثقافة الصحراء:

-السير الشعبية العربية: سير الفروسية والمروءة العربية الأصيلة:

تمثلُ السير الشعبيّة العربيّة نصًا ثقافيًا منفتحًا على مختلف ما أنتجه الإنسان العربيّ في تاريخه في شتى السياقات الحضاريّة والثقافيّة وللذات العربيّة في مختلف بناها الذهنيّة والفكريّة، كما تمثلُ مجالاً للبحث عن المتخيّل العربيّ الإسلاميّ بوصفه خزانًا رمزيًا مؤسسًا لأنساق ثقافيّة فاعلة شكّلت النظرة إلى الذات والآخر في الثقافة العربيّة الإسلاميّة. والسير الشعبيّة العربيّة من خلال أرشيفها الضخم وضخامة متونها التي تصل إلى آلاف الصفحات هي أحد المكونات الرئيسة للسرد العربيّ القديم وللمتخيل العربي الإسلامي. وللأسف استمر موقف بعض المفكرين العرب المعاصرين المتعالي من الثقافة الشعبيّة؛ فمحمد عابد الجابريّ يقول في نهاية تصديره لكتابه «تكوين العقل العربيّ»: «ولا بدَّ من الإشارة أخيرًا إلى أننا قد اخترنا بوعي التعامل مع الثقافة «العالمِة» وحدها، فتركنا جانبًا الثقافة الشعبيّة من أمثال وقصص وخرافات وأساطير وغيرها، لأن مشروعنا مشروع نقديّ، ولأنَّ موضوعنا هو العقل. ولأن قضيتنا التي ننحاز لها هي العقلانيّة. نحن لا نقف هنا موقف الباحث الانتروبولوجيّ الذي يبقى موضوعه ماثلاً أمامه كموضوع باستمرار بل نحن نقف من موضوعنا موقف الذات الواعيّة من نفسها. إنَّ موضوعنا ليس موضوعًا لنا إلا بمقدار ما تكون الذات موضوعًا لنفسها في عملية النقد الذاتيّ». وإذا كان الجابريَّ قد ارتكز أساسًا على العقلانيّة في تفسير العقل العربي وتفكيكهّ فإنه أهمل بهذا الإقصاء للثقافة الشعبيّة العربيّة مكوِّنًا رئيسيًا فاعلاً في تشكيل هذا العقل. ولكن الجابريّ تنبّه على هذا الإقصاء فتراجع في كتابه «العقل السياسيّ العربيّ» عن هذا المنظور العقلانيّ وأوجد مكانًا للثقافة الشعبيّة في محددات العقل السياسيّ العربيّ إذ يقول: «إنَّ مخيالنا الاجتماعيّ العربيّ هو الصرح الخيالي المليء برأس مالنا من المآثر والبطولات وأنواع المعاناة، الصرح الذي يسكنه عدد كبير من رموز الماضي مثل الشنفرى وامرئ القيس وعمرو بن كلثوم وحاتم الطائي وآل ياسر وعمر بن الخطاب وخالد بن الوليد والحسين وعمر بن عبدالعزيز وهارون الرشيد وألف ليلة وليلة وصلاح الدين والأولياء الصالحين وأبي زيد الهلاليّ وجمال عبدالناصر...إضافة إلى رموز الحاضر و«المارد العربيّ» والغد المنشود...إلخ وإلى جانب هذا المخيال العربيّ الإسلاميّ المشترك تقوم مخاييل متفرعة عنه كالمخيال الشيعيّ الذي يشكل الحسين بن علي الرمز المركزيَّ فيه، والمخيال السنيّ الذي يسكنه «السلف الصالح» خاصة، والمخيال العشائريّ والطائفيّ والحزبي...إلخ».

تشتمل بعض السير الشعبية العربية على سيرة الفروسية والمروءة العربية الأصيلة، وهنا أريد الإشارة إلى سيرتين مهمتين جدا الأولى «سيرة عنتر بن شدّاد» والسيرة الأخرى هي «السيرة الهلالية». وسبب إشارتي واختياري لهاتين السيرتين على وجه الخصوص لسبب انتمائهما من حيث المكان إلى صحراء الجزيرة العربية وهذا يعني احتوائهما على منظومة المروءة العربية الأصيلة؛ فسيرة عنترة بن شداد تعد ثاني أكبر سيرة شعبية على الإطلاق بعد “سيرة الأميرة ذات الهمة”، وقد تناولت سيرة الشاعر الجاهلي عنتر بن شدَّاد وأحد شعراء المعلقات السبع. وهذه السيرة رغم غلبة المتخيل الشعبي السردي عليها إلا أنها تمتلئ بعدد كبير من الأشعار التي تتغنى بالشجاعة والمروءة والكرم وتتصدى للهويات العنصرية الضيقة والمتعصبة المضطهدة للإنسان على أساس عرقه أو لونه. أمّا السيرة الأخرى التي تصدر عن الثقافة الصحراوية لبيئة الجزيرة العربية فهي “السيرة الهلالية” التي لاتزال حتى الآن تُروى شفاهيًا في المجالس البدوية كما أنها لاتزال تتناسل في مئات من الحكايات الشعبية البدوية الشفاهية. وهي سيرة تجسد قيم التكافل الجماعي في الجماعة الهلالية وترسخ قيم الكرم والشجاعة الفائقة المتمثلة في أبي زيد الهلالي، كما أنها تحتفل بعقل المرأة من خلال ذلك البروز الكبير لبطولة نسوية هي «الجازية الهلالية».

يعد الماجدي (المايدي) بن ظاهر أشهر الشعراء القدامى في الإمارات، وقد اشتهر بالحكمة وكان شعره يقدم الأمثال في الكثير من شؤون الحياة التي يعايشها الناس، فإذا ذكر الكرم تمثّل المتكلم بشعر ابن ظاهر، وإذا ذكر السماح تمثّل المتكلم بشعر ابن ظاهر، وإذا ذُكِرَت التربية الحسنة للشبان تمثل المتكلم بشعر ابن ظاهر. وشعره يمثل منظومة أخلاقية رفيعة جدًا ومستمدة من طبيعة البيئة الصحراوية ويمكن أن تشكل أشعاره مصدرا لدراسة التربية الأخلاقية.

2-الشعر النبطي وأمثولاته الأخلاقية:

 يمثل الشعر النبطي الخليجي مصدرًا كبيرًا للتربية الأخلاقية بما يشتمل عليه من أشعار الحكمة وطقوس الصحراء وآدابها ومنظومتها الأخلاقية. وهذا النوع من الشعر لايزال فاعلاً ومؤثِّرًا في شرائح كبيرة من أبناء الشعوب الخليجي ويتميز بسطوته الثقافية ولذلك لا بد من استثمار هذه السطوة الثقافية لترسيخ منظومته الأخلاقية. 

3-بروتوكول الصحراء، ثقافة الصمت: 

 بيَّن الرحَّالة والمستعرب الهولندي كوبر شوك وجود نمط عميق في ثقافة الصحراء هو ثقافة الصمت وخطابه. يقول كوبرشوك وهو الذي قضى أكثر من ربع قرن من حياته متجولاً في صحراء الربع الخالي إلى درجة التماهي مع حالة البداوة وهويتها الثقافية «فيما بعد أوضح لي خالد أنَّ الشيخ يفرض احترام الآخرين له بالصمت، بصمته المهيب، إذ يعد الصمت دليل ذكاء وفهم ألغاز الدنيا، وإذا بحثت أمور ذات شأن عظيم يومًا في المجلس فإن الشيخ المسؤول عن قيادة قبيلته في أوقات الشدة يثبت نفسه رجلا قليل الكلام. إنه يستمع وكوعه على المسند فيما تداعب أصابعه حبات السبحة مستغرقًا في تفكير عميق الكل يفهم أنه يفتل ويبرم، أي أنه يعقد حبلاً فكريًا، وبهذه الطريقة يتوصل إلى قرار لارجعة فيه بمعونة الفهم الصحيح، فهؤلاء رجال شامخون كالجبال الراسخة في الأرض، صخور من الثبات والقوة بين عامة الناس». 

لا نستطيع فهم خطاب الصحراء ومنظومته الثقافية دون تفكيك آليات الصمت في هذا الخطاب، وهو الخطاب الذي سنجده عند رئيس القبيلة وعند أصغر أفرادها، وسنجده كذلك بروتوكولاً أصيلاً في ثقافة المجالس الصحراوية.

أورد الغذَّامي هذه الواقعة السردية التي كان شاهد عيان عليها في طفولته عن خطاب الصمت الصحراوي «حينما كنا صغارًا كنا نطرب لمشاهدة البدو في الأسواق، وكلما تقابل بدويان مصادفة في أحد شوارع المدينة تقوم بينهما محادثة صامتة، اسميها صامتة لأنها تقوم على إلغاز متعمد، حيث يبدأ اللقاء بالعناق، ثم يبدأ كل واحد من الاثنين يسأل صاحبه «وشلونك، كيف أنت، ويظل يرددها مرة ومرتين وعشرًا وأكثر، ورفيقه يفعل الفعل نفسه ويظل كل منهما يردد: وشلونك، كيف أنت، وش علومكم.. وشلون الربع... وتستمر الأسئلة ولاجواب. وتظل المداورة الكلامية ونحن نشاهد ونرقب ونتعجب على اللاجواب، ولقد صار من ديدننا ترقب مثل هذا الموقف، حيث نشاهد صمت اللغة ولا لغوية اللغة، ونشاهد خرير الأسئلة ولا أجوبة عليها».

4-تمثيلات ثقافة الصحراء في الإعلام وفي وسائط التواصل الافتراضية:

 تشتمل الأوساط الإعلامية الخليجية وخاصة غير الرسمية على قنوات خاصة بثقافة الصحراء فهناك على سبيل المثال قنوات خاصة بالشعر النبطي وثقافة الصحراء، ولكن تحتاج ثقافة الصحراء إلى رؤية ناظمة عميقة صادرة عن النخب الإعلامية والثقافية الخليجية لاستثمارها في المجال الأمثل والأفضل بعيدًا عن العشوائية في التعاطي، كما نحتاج أيضًا إلى استثمار القوة الرمزية لوسائط التواصل الافتراضية في تعميق مفاهيم التربية الأخلاقية المستمدة من منظومة المروءة العربية الأصيلة الصحراوية. 

-على شكل خاتمة:

ثالثًا-اقتراح استراتيجية خاصة بثقافة الصحراء في التربية الأخلاقية.

 نظرًا إلى الأهمية الكبرى لثقافة الصحراء بوصفها مكوِّنًا أصيلاً لإنسان شبه الجزيرة العربية والخليج العربي أقترح الاستراتيجية الآتية لإدخال (ثقافة الصحراء) بقيمها الأصيلة في مناهج «التربية الأخلاقية» الخليجية:

- إدخال (ثقافة الصحراء) بما تتضمنه من القيم الأخلاقية وتمثيلاتها في الثقافة الشعبية الخليجية في مقرر «التربية الأخلاقية» بوصفها مكونًا أصيلاً للإنسان العربي الخليجي. ويتمّ تدريس هذه الثقافة في المراحل الدراسية وكذلك في المرحلة الجامعية في مستوى السنة الأولى التمهيدية التأسيسية بوصفه متطلب جامعة إجباري. وتدريس “قيم الصحراء” بهذه الطريقة سيعني أن يمتلك الطلاب ذاكرة جمعية مشتركة معزَّزة بالقيم الأصيلة. وأقترح كذلك تصميم مقرر جامعي اختياري لطلاب الجامعات الخليجية اسمه «الإنسان والخليج العربي» يتناول المكونات الثقافية والانثروبولوجية لسكان الجزيرة العربية والخليج العربي بما يعني تعميق المشتركات الأساسية الثقافية بينهم.

_إدخال برامج «لواقع الافتراضي» للاستفادة منها في تجسيد بيئة الصحراء العربية وقيمها داخل الصف الدراسي كي يقوم الطلاب وهم في قاعاتهم التدريسية بجولات افتراضية في الصحراء. وأخذهم كذلك إلى جولات ميدانية لصحاري شبه الجزيرة العربية كي يلتقوا عن كثب بسكان تلك الصحراء من البدو وكي يتعرفوا عن قرب على عاداتهم وتقاليدهم وثقافاتهم.

_إنشاء متاحف تفاعلية خاصة بثقافة الصحراء وجعلها جزءًا من البنية التحتية لمنشآت المدارس والجامعات الخليجية. وتشتمل هذه المتاحف التفاعلية على مقابلات موثقة بالصورة والصورة عن كل ما يتعلق بثقافة الصحراء الخليجية وبالإمكان في هذا الصدد التعاون مع وزارات وهيئات الثقافة الخليحية لتعزيز ثقافة المتاحف التفاعلية.

- تأسيس مكنز للثقافة الشعبية الخليجية الخاصة بالتربية الأخلاقية وخاصة المتعلقة بثقافة الصحراء: صحراء شبه الجزيرة العربية على شاكلة المكنز العربي للفولكلور.وسيفيد هذا المكنز المقترح طلاب المدارس والجامعات وكذلك الباحثين في ثقافة الصحراء الخليجية على اختلاف مجالات اهتماماتهم.

-تنظيم دورات خاصة للطلاب في البروتوكول والإتيكيت الصحراوي البدوي من آداب التحية وثقافة المجالس.

-تشجيع الطلاب على كتابة سير بطولية متعلقة بثقافة الصحراء من خلال الجمع الميداني والالتقاء ببعض الرواة من البادية لتسجيل مروياتهم بهذا الخصوص.

-تشجيع الطلاب على إنشاء الشعر النبطي في مسابقات على غرار البرنامج الجماهيري (شاعر المليون). ويمكن التوسع في هذه المسابقة كي تكون مسابقة طلابية خليجية.

-تعريف الطلاب بسير بعض الباحثين من المستشرقين الأوروبيين الذين قدموا إلى الجزيرة العربية من أجل دراسة ثقافتها وقيمها، ويمكن هنا على سبيل المثال التعريف بسيرة الرحّالة والمستعرب الهولندي مارسيل كوربر شوك الذي ألف كتابًا عن صحراء الربع الخالي، منها كتابه «البدوي الأخير: القبائل البدوية في الصحراء العربية»، «توثيق هذا الكتاب».(نشرت قناة العربية سيرة هذا المستعرب الهولندي وذلك في فيلم وثائقي).

-الإفادة من وسائط التواصل الافتراضية في تعميق ثقافة الصحراء التعميق الإيجابي لغرس منظومة القيم العربية الأصيلة ومنظومة المروءة في الأجيال الجديدة كي لا تفقد الصلة بذاكرتها الرمزية التأسيسية.

أستاذة السرديات والنقد الأدبي الحديث المساعد، قسم اللغة العربية، كلية الآداب، جامعة البحرين.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news