العدد : ١٤٤٨٧ - الثلاثاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٨٧ - الثلاثاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

الاسلامي

حلول إسلامية لإسعاد البشرية (2)

بقلم: د. علي أبو هاشم

الجمعة ١٠ نوفمبر ٢٠١٧ - 11:36

وضحت فيما سبق بعضا من الحلول الإسلامية للأزمات الاقتصادية، ونواصل القول بذكر بقية الحلول. 

خامسا: كفالة العمال وضمان حقوقهم المالية والاجتماعية من دون إنقاص أو ظلم، فإن كثيرا من العمال لا يُعطى حقه عند عجزه عن العمل مثلا، أو يفاجأ بأن الشركة قررت الاستغناء عنه، أو يكلف من العمل فوق طاقته من دون تعويضه، وهكذا من المشاكل التي كثرت على العمال من أصحاب العمل، والتي ترتبت عليها إضرابات واضطرابات أثرت على الأحوال الاقتصادية والمعيشية، والإسلام ينظر إلى العمال نظرة إيجابية، توفي العامل حقه، وتحفظ له كيانه وآدميته، هذه النظرة تشعر العامل بالأمان وتدفعه إلى العمل والإنتاج؛ لأنه يرى أن أثر عمله يعود بجزء من الفائدة عليه، فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم: إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم من العمل ما لا يطيقون، فإن كلفتموهم فأعينوهم. (متفق عليه). ومن ذلك أيضا حرص الإسلام على إعطاء الأجير والعامل حقه قبل أن يجف عرقه، والمقصود الإسراع في إعطاء العمال حقوقهم من دون تأخير، كما ورد في الأثر: أعط الأجير حقه قبل أن يجف عرقه، وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره. (رواه البخاري). وحرص الإسلام على حقوق العمال دليل على حرصه على الإنتاج وإعمار الكون والحياة، وحرصه على عدم استغلال الأغنياء للفقراء، لقد أوصى الإسلام بالعمال خيرا، وحث على إكرامهم، والإحسان إليهم، وأكد حقوقهم ليستمر الإنتاج ويكثر الخير، ولتأكيد حسن العلاقات بين طبقات المجتمع، صاحب العمل والعمال، ويساعد بذلك على القضاء على البطالة التي أدت إلى انتشار الجريمة، وعطلت قوة الشباب، وأهدرت الطاقات التي لو أحسن المجتمع استغلالها لعادت عليه بالخير الوفير، مر عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) يوما على رجل كبير السن يسأل الناس الصدقة، فسأله: لماذا تطلب الصدقة؟ فأخبره بأنه يهودي وأنه كان صانعا صاحب حرفة لكنه عجز عن العمل والكسب وعليه أن يدفع الجزية (ما يشبه الضريبة)، وكان عمر بن الخطاب حينئذ أمير المؤمنين، فقال: والله ما أنصفناك نأكل شبابك ونهمل شبيبتك، ثم أصدر أمرا بإعفائه وأمثاله من الجزية، وفرض له ولأمثاله معونة من بيت مال المسلمين، لقد أصدر عمر بن الخطاب أول قانون للتقاعد وتأمين العاجزين عن العمل، وهكذا يأمن العامل وينتج ويكثر الخير ويعم الرخاء. 

سادسا: الترغيب في العمل والسعي وإعمار الكون، وبيان أن استخلاف الله للإنسان في الأرض ليعمرها، ولا يعمرها إلا بالسعي والعمل، يقول تعالى: «هو أنشأكم في الأرض واستعمركم فيها» (هود: 61)، ويقول تعالى: «هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور» (الملك: 15)، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه. (رواه البخاري). وهكذا يربي الإسلام في نفس الإنسان العزة والكرامة، ويهيئ العبد لتقبل العمل مهما كان، فإن العمل له أفضل من أن يذل نفسه بالمسألة، وإن المسألة تأتي يوم القيامة نكتة سوداء في وجه السائل الذي احترف المسألة، وعرض نفسه للذلة والمسكنة، ولقد نهر عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) العاطلين عن العمل المتواكلين الذين لا همة لهم ولا نشاط، فيقول: لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق ويقول اللهم ارزقني وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة. ولقد رفع الإسلام قيمة العمل، ورفع منزلة العامل، الذي جعل قوته وهمته في العمل المثمر النافع، فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم: من أمسى كالا من عمل يده بات مغفورا له. (رواه النسائي). إن مشقة العمل وبذل الجهد فيه سبب لمعفرة ذنوب عظيمة لا تكفرها الصلاة ولا الزكاة ولا الاستغفار، إنما يكفرها العمل والسعي على المعيشة، يقول الرسول (صلى الله عليه وسلم): إن من الذنوب ذنوبا لا يكفرها إلا السعي على المعيشة. ويصافح الرسول (صلى الله عليه وسلم) رجلا فيرى أثر العمل في يده، فقال: هذه يد يحبها الله ورسوله. وجعل الإسلام أفضل الكسب وأفضل الطعام ما كان من عمل اليد وما كان بالجد والاجتهاد، فيقول صلى الله عليه وسلم: ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود (عليه السلام) كان يأكل من عمل يده. (رواه البخاري). وكان الأنبياء عليهم السلام يعملون، وكان لكل نبي حرفة وعمل، فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ما بعث الله نبيا إلا ورعى الغنم. (رواه البخاري).

سابعا: إفساح المجال أمام الطاقات وأمام الأفكار المبتكرة والمتجددة في إبداع مجالات للأعمال المثمرة والاستفادة مما أودعه الله من الخيرات في الأرض وفي هذا الكون الفسيح، وذلك بتشجيع أصحاب العقول المفكرة والمبتكرة، بتفعيل دور مراكز البحوث العلمية، والاستفادة من البحوث العلمية في خدمة البشرية وفي خدمة الإنتاج، وقد أسس الإسلام هذه القاعدة حينما رخص لأصحاب الطاقات والقدرات في إحياء الموات وتعمير الخراب واستصلاح الأراضي وحفر الآبار، فقال صلى الله عليه وسلم: من أحيا أرضا مواتا فهي له. (رواه البخاري). والموات: الأرض غير المنزرعة المهملة، فإن من أصلحها وأحياها فهي له يمتلكها مقابل إصلاحه لها، ومن أحاط على أرض ولم يصلحها ثلاث سنين أخذها الحاكم منه لئلا يعطلها ويحتكرها من دون غيره. إن المصلحة في الإسلام مصلحة عامة وليست مصلحة خاصة، وهكذا يفتح الإسلام أبواب العمل، ويهيئ أسباب الإنتاج النافع للفرد والمجتمع، ويدعو إلى كل ما يؤدي إلى الخير لكل الناس، ويمنع كل سوء وشر. والله المستعان. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news