العدد : ١٤٤٨٦ - الاثنين ٢٠ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٨٦ - الاثنين ٢٠ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

الاسلامي

الإمام محمد الخضر حسين.. التونسي الذي رفعه علمه وجهاده إلى مشيخة الأزهر (3)

بقلم: د. غريب جمعة

الجمعة ١٠ نوفمبر ٢٠١٧ - 11:31

المرحلة التونسية: (2)

عرفنا في الحلقة السابقة أن الأمام الخضر ذكر أن أسرته انتقلت إلى العاصمة تونس حتى يتمكن هو وإخوته من مواصلة تعليمهم وكان وقتها في الثانية عشرة من عمره وقد التحق بالجامع الأعظم جامع الزيتونة في 4 من رجب سنة 1307هـ. 

وتلقى العلم على أيدي كبار الشيوخ في هذه المؤسسة أمثال الشيخ محمد النجار (ت عام 1329/ 1911)، الشيخ عمر بن الشيخ (ت 1329هـ / 1911م) الشيخ سالم أبو حاجب (ت 1343هـ ـ 1925م) ومع هؤلاء ومن قبلهم خاله الشيخ محمد المكي بن عزوز فقد كان صاحب مكانة وتقدير وفضل عند أبرز شيوخ هذه المؤسسة العلمية العريقة. 

وقد تأثر الطالب محمد الخضر بأساتذته تأثرا كبيرا وأعجب بهم أيما إعجاب وكان الشيخ سالم من أحب شيوخه إليه وعرف الشيخ قدر تلميذه. فبادله حبا بحب حينما توسم فيه النجابة ونباهة الشأن. 

يقول عنه الشيخ الخضر: 

«كان شيخنا سالم أبو حاجب يحب من الطلبة البحث ويلاقي السؤال المهم بابتهاج ويدعو للطالب بالفتح. كنت يوما في درسه الجامع لصحيح «البخاري» وقرر الشيخ الفرق بين صبر على كذا أو صبر عن كذا. فقال صبرت عن المعصية أي تركتها فقلت له قد ترك الشاعر هذا الفرق إذ قال: 

والصبر يحمد في المواطن كلها *** إلا عليك فإنه مذموم

فمقتضي هذا الفرق أن يقول: إلا عنك فإنه مذموم. فاغرورقت عيناه بالدموع وظهر عليه الابتهاج ودعا لي بخير ولم يسعه إلا أن يقول: إن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض، فالشاعر استعمل (على) في موضع (عن) كما قال الآخر: 

إذا رضيت على بنو قشير ** لعمر الحق أعجبني رضاها

فإن رضى يتعدى بحسب الأصل بـ«عن» كما قال الله: 

«رضى الله عنهم ورضوا عنه» 

شيخ يرفض أوسمة السلاطين والملوك: 

ثم يبين - رحم الله الجميع - اعتزاز الشيخ بعلمه وسمو مكانته فوق كل وسام فيقول: 

«وممن لقيت من الأدباء العلماء: شيخنا سالم أبو حاجب فكان يقول الشعر مع كونه يغوص في المسائل العلمية بفكر ثاقب، سافر مع الوزير خير الدين التونسي إلى الأستانة، وخاطب السلطان بقصيدة فأمر السلطان بإعطائه وساما وقال له المكلف بإعطاء الأوسمة: 

هذا وسام براتب، فأبى قبوله. وقال: إن من العيب عندنا أن يحمل العالم وساما. فلما عاد إلى تونس قال له ملك تونس لو قبلت الوسام لغضبت لأني قد عرضت عليك مثل هذا فرفضت، أي علماء كان أولئك العلماء الرجال الأبطال؟. 

ولقد تأثر الشيخ الخضر بشيخه في سمو النفس وترفعها عما لا يليق ولا يجمل بالكريم فكان في ذلك مضرب الأمثال كما سنعرف لاحقا إن شاء الله. 

أتم الشيخ دراسته في جامع الزيتونة وتخرج فيها سنة 1316هـ الموافق 1898م وحصل على شهادة التطويع (شهادة العالمية) وقد سميت بهذا الاسم لأنها تتيح لحاملها أن يتطوع بإلقاء الدروس في الزيتونة نفسها وكان هذا التطويع أمرا شائعا في عصره بل كان سلما سهلا إلى نيل المناصب العلمية والدينية كما كان ميدانا فسيحا للتدريب العلمي واكتساب الخبرة في مهنة التعليم. 

ويعلق العلامة الكبير محمد الفاضل بن عاشور على هذه المرحلة التأسيسية وأثرها على الشيخ محمد الخضر فيقول: 

«تميزت هذه المرحلة الأولى من حياته التي قضاها بتونس بالتعليم والتثقف فتكونت شخصيته ونضجت أفكاره واشتهر في الأوساط العلمية باعتداله وهدوء طبعه وخلوص نيته وبراعة قلمه» 

وعلى الرغم من أن شهادة الشيخ كانت مطية للشهرة واكتساب الخبرة كما ذكرنا إلا أن الشيخ لم ينل بسببها ما كان يرجوه من اهتمام ذوى الشأن به خاصة مشيخة الجامع التي كانت مكونة من نظار عديدين ولكنهم جميعا منحدرون من عائلات تقليدية برجوازية احتكرت العلم الرسمي كما احتكرت جميع المناصب العليا في الإفتاء والقضاء والتدريس ولم يكن أي متخرج زيتوني من أبناء (الآفاق) أي المدن والقرى بداخل القطر يستطيع أن يشق طريقه بسهولة ولا يفوز بأي منصب يتقدم إليه واحد من أبناء هؤلاء الشيوخ. 

وإذا كان الشيخ لم يجد عند هؤلاء المشايخ من التقدير والمكانة ما هو جدير به فقد نال شهرة كبيرة وتقديرا عاليا لدى طلاب جامع الزيتونة وفي الأوساط الأدبية خارج الجامع ما دفعه إلى الدخول في الحياة العامة بشكل بارز وبأسلوب جديد غير مألوف. 

جهاد الشيخ في هذه المرحلة: 

1 – أسس الشيخ مجلة «السعادة العظمى» عام 1904م وهي أول مجلة عربية تصدر في تونس وجعلها نصف شهرية واستمر صدورها حتى العدد الحادي والعشرين ويبدو أنها لم تستمر طويلا بسبب توليه منصب القضاء في بنزرت عام 1905م كما أسند إليه الخطابة والتدريس في جامعها الكبير. وسوف نفرد هذه المجلة بحديث خاص لأنها من أعظم ما قام به الشيخ من جهود وجهاد في المرحلة التونسية. 

2 – لم يستمر الشيخ طويلا في ولايته للقضاء لأن الجمع بينه وبين انطلاقه الفكري وعشقه للحرية في بلد محتل أمر بعيد المنال كمحاولة الجمع بين ضدين عنيدين. 

فقد أحس الشيخ أن الحكومة الاستعمارية تحاول أن تطفئ منه ذلك النور المشع وتقتل روحا وشعورا متأججا بين جنبيه حتى يعتاد كغيره السكون والاستسلام في سبيل مرتب يأتيه بانتظام لذلك قدم استقالته رافضا أن يكون ذلك المستضعف المغبون ثم عاد مدرسا في جامع الزيتونة كما تولى التدريس في المدرسة الصادقية وكانت هي المدرسة الثانوية الوحيدة في القطر التونسي كله وبين توليه لهذين المنصبين عرضت عليها السلطات الاستعمارية أن يكون عضوا في المحكمة المختلطة فرفض أن يكون قاضيا أو مستشارا في محاكم تعيش في ظل الاستعمار وتخدم مصالحه وهذا موقف مشرف آخر من مواقفه المجيدة الكثيرة. 

يقول الشيخ عن ذلك في بعض حديثه: 

«من يسمونهم بالمعمرين (كان يطلق هذا الاسم تهكما بالمستعمرين) فلهم في المظالم قصص تملأ أسفارا فلا أدرِ ماذا أذكر منها وماذا أدع، وخاطبتني المحكمة الفرنسية سنة 1325هـ بإشارة من شيخ المدينة، أن أكون عضوا في المحكمة لأحضر حكمها بين الوطني والفرنسي فامتنعت عن هذه العضوية ولم أرض أن يصدر الحكم الجائر بحضوري. 

وفي نفس العام انتدبته الجمعية الخلدونية ليلقى دروسا في الأدب والإنشاء على طلابها وهكذا جمع ثلاث مهام تعليمية في: الزيتونة والصادقية والخلدونية وهي أعلى معاهد في تونس في ذلك الوقت. 

وإلى حلقة قادمة بإذن الله 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news